وعد بلفور في حضرة. الذاكرة..( نصوص قصصية )
تاريخ النشر : 2020-11-02 19:24

أعوام طويلة مرت على وعد بلفور ولم أكن أعلم أثناء طفولتي أن بلفور وزير بريطاني حتى أصبحت في الصف الرابع الابتدائي .. في 2 نوفمبر من عام 54 وقف مدير مدرسة صلاح الدين الأيوبي بهيئته المتجهمة دوما وعصا الخيزران ذات العقد البارزة لاتفارق يده وألقى كلمة مقتضبة عن وعد بلفور لكنه لم يثر حماسي وحماس تلاميذ المدرسة فلم أشعر بالغضب كباقي التلاميذ وربما يعود ذلك إلى افتقار المدير لأسلوب الخطابة فلم يكن خطيبا مفوها كخطباء مساجد ذلك الزمن الذين تخرجوا من جامعة الأزهر المصرية وقد حافظوا على لباس الخطيب الأزهري من ارتداء الجلابية والجبة والطربوش الأحمر الذي يلف حوله بقماش ابيض اللون فلا يظهر من الطربوش سوى أعلاه .. زي عثماني كان سائدا لرجل الدين الإسلامي من خطباء المساجد من أيام دولة الخلافة العثمانية التي تفككت بعد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى ثم إعلان الجمهورية على يد كمال أتاتورك ويقال ان أصله من يهود الخزر... . بعد إلقاء المدير لكلمته الصغيرة التي لم تستغرق سوى دقائق معدودة عاد إلى غرفته البعيدة عند أقصى فصل متجهما كعادته وقد لحق به بواب المدرسة ابو رياض الرجل القوي طويل القامة خلافا لشخصية المدير القصير المكتنز الذي ينظر للتلاميذ دائما بعينين واسعتين من خلف نظارة سوداء اما أبو رياض البواب فقد كان محل خشية من تلاميذ المدرسة حيث كثيرا ما شاهدوه وهو يقيد بيده الكبيرة الخشنةالتلميذ المتأخر عن طابور الصباح أو المشاغب الذي يطرده المدرس من الفصل لينال العقاب على قفاه من عصا الخيزران الغليظة ذات العقد التي لم تفارق يد المدير الغاضب ..في الفصل انبرى في ذلك اليوم وفي الحصة الأخيرة قبل دق جرس انتهاء اليوم الدراسي مدرس التربية الدينية متحدثا عن بلفور وكان شيخا معمما فآثار الحماس في نفوسنا الذي افتقدناه في طابور الصباح وقال بصوت متهدج لا يخلو من نبرة غضب : بلفور يا أبنائي الاحباب هو وزير انجليزي كافر أعطى وعدا لليهود أبناء القردة والخنازير ليقيموا وطنآ قوميا لهم في بلادنا فلسطين أرض كنعان
...في تلك الليلة وكانت خريفية باردة أذكر أن أولاد الحي تجمعوا أمام المسجد بعد أداء صلاة العشاء وكانت غالبيتهم من تلاميذ اامدرسة وقد بدأ على وجوههم الغضب مما سمعوه في طابور الصباح وأيضا في الفصل عن وعد بلفور وأنطلقوا يطوفون في الشوارع مرددين هذه العبارة: "سكر يا قليل الدين ، راحت منك فلسطين ،فلسطين بلادنا واليهود كلابنا .." وكان الشيخ شعبان الذي تقع دكانه قرب المسجد اول من أغلق بأبها الخشبي الكبير خوفا من رمي محله بالحجارة التي كانت في أيدي بعض الأولاد .. لقد ظلت تلك العبارة (سكر يا قليل الدين ) عالقة في ذاكرتي منذ دراستي في الفصل الرابع الابتدائي عام 54 وحينما توفر لي أثناء دراستي الجامعية. في القاهرة وقتا للاطلاع على حركات الاستعمار الأوروبي عرفت ان تنمية رأس المال بالربح الناتج عن فائض القيمة في المصنع هي سبب الاستعمار الذي ابتليت به شعوب العالم الثالث لأن في دورة رأس المال يكمن الاستغلال وان الدكان رغم صغرها وطيبة أصحابها إلا أن فتحها في ذلك اليوم الذي أعلن فيه الإضراب في ذكرى الوعد طلبا للبيع والشراء أصبحت بذلك كالمعادل الموضوعي للمصنع الذي يقوم بإنتاج رأس المال لذلك فإن إغلاقها في ذلك اليوم هو بمثابة نضال ضد وعد بلفور الذي صدر عن دولة بريطانيا الاستعمارية الرأسمالية التي كانت في الماضي لا تغيب عن مستعمراتها الشمس ..وهكذا فإن عبارة سكر يا قليل الدين ..راحت منك فلسطين. . رغم عفويتها فقد كانت تحمل في الواقع أبعادا طبقية رغم انه لم يكن في مجتمعنا في ذلك الزمن صراعا طبقيا فالتناقض الرئيسي بين المشروع الصهيوني الاستعماري والمشروع الوطني كان محكوما بالعامل القومي والديني غير أني أرجح أن وراء صياغة هذه العبارة وتعميمها على الألسن في تلك الذكرى المشؤومة هي المشاعر الإسلامية المتاججة في القطاع بعد النكبة . .