السلطة على مقصلة التسريبات
تاريخ النشر : 2020-10-18 15:15

في خضم المعركة الانتخابية الامريكية بين الجمهوريين والديموقراطيين وفي سابقة من نوعها، رفعت إدارة الرئيس دونالد ترامب غطاء السرية عن البريد الالكتروني الخاص بوزيرة الخارجية الامريكية الديموقراطية السابقة هيلاري كلينتون والتي تدور رسائلها في بعضها حول ما سُمي بالربيع العربي وأحداثه تحديدا في مصر.

ربما يكون ما قرأناه في تلك الرسائل ليس مفاجئاً لنا في اطاره العام، ولكن الخطير في الامر وهو ما كشف عنه الكثير من المحللين السياسيين الذين رأوا ان المستهدف الأوحد من زوبعة الربيع العربي التي كانت تديرها كلينتون هو قوى الامن المصرية بجيشها ووزارة الداخلية وهو ما يجعلنا نسلم لنظرية أن الاحداث السياسية الدولية ما هي الا سلسلة لا تنفك حلقاتها عن بعضها البعض ، واذا ما عدنا في الأحداث عقدين من الزمن نجد اننا نخلص الى نتيجة واحدة وهي الربيع العربي كان يهدف لخلق اختلال في التوازن العسكري في المنطقة العربية لصالح إسرائيل وذلك عن طريق تدمير جميع الجيوش العربية القوية والتي يمكن لها ان تهدد الكيان الإسرائيلي يوما ما ، وللتدليل على ذلك والشواهد كثيرة ففي يوم الجمعة الموافق 23/5/2003 أعلن الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر والذي نصبته الإدارة الامريكية بعد احتلالها للعراق عن حل الجيش العراقي وجميع المؤسسات الأمنية والعسكرية والشرطية، وجميعنا نعلم ما كان من تالي الامر حيث لم تقم للجيش العراقي قائمة منذ ذلك الوقت الا من بعض التشكيلات الضعيفة التي لم تقوى على حماية نفسها ،

كما اننا نستطيع ان نرى الهدف نفسه في سوريا ولكن بطريقة أخرى حيث يُستنزف الجيش العربي السوري ويُنهك من قبل مجموعات إرهابية تُمول وتُسلح أمريكيا وهذا ما جاء حرفيا برسائل هيلاري كلينتون بحسب ما قال مؤسس وكيليكس جوليان أسانج الذى نشر هذه الرسائل قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، عن مساهمة كلينتون الرئيسية في تسليح الإرهابيين في سوريا أملا في اضعاف الجيش السوري وتقسيم الدولة السورية حتى لا تُشكل خطرا على الدولة الإسرائيلية الطامحة بالتوسع والهيمنة ،

كما اننا نستطيع ان نرى نفس المشهد الضعيف للجيش اللبناني والذي لا يقوى على مجابهة التنظيمات المسلحة اللبنانية التي تفوقه عددا وعدة، كيف لا وحركة حزب الله احتلت العاصمة اللبنانية بأقل من ساعة في مشهداً لا يمحى من ذاكرة التاريخ .

كل الذين تحدثنا عنهم سابقاً كانوا قد اُرغموا تحت وطأة القوة الامريكية واذنابها في المنطقة على ما حدث في بلدانهم، ولكن الغريب في الامر هو ما قام به رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس من إجراءات خدمت في جوهرها وأهدافها الخطة الامريكية – الإسرائيلية وفي نفس التوقيت تقريبا ،فعندما لم يبقى في المنطقة العربية من يستطيع اطلاق النار على إسرائيل علانية سوى الفلسطينيون من قادة وضباط الأجهزة الأمنية الفلسطينية وأشراف مباشر من قادة لهم تاريخهم في المواجهة مع جيش الاحتلال الإسرائيلي حيث انهم في جلهم كانوا من أبناء الثورة الفلسطينية وعادوا الى الوطن مع قدوم السلطة الفلسطينية بعد اتفاق اوسلوا ، و التقت عقيدتهم العسكرية الثائرة على إسرائيل مع شجاعة وشكيمة عناصرهم من أبناء الأرض المحتلة الذين مرغوا أنف المحتل في جنين وغزة وفي كل الأرض الفلسطينية ، ولعل اكبر دليل و مثال على ذلك كان ضابط الارتباط العسكري أبو جندل الذي لم يكن يتورع عن اطلاق النار على المحتل اذا ما خالف نص الاتفاقات ، وكيف ان إسرائيل انتقمت منه بشكل خاص ابان معركة السور الواقي في جنين، حيث تم إعدامه ميدانيا ، هذه العقيدة العسكرية التي لم تعجب الرئيس عباس فقام من فوره على إحالة كبار الضباط الى التقاعد المبكر وحل كل التشكيلات العسكرية المنظمة وسحب أسلحتها وزج قادتها المعارضين في السجون ، ولم يكتفي الى هنا بل قام بتغيير جميع قادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية بقادة جدد لا ينتمون لنفس عقيدة من سبقوهم فرأينا ضباط برتب عليا قاموا بتغيير دولاب جيب عسكري إسرائيلي أثناء مهمة لهم في الأراضي الفلسطينية واخيرا حملة التقاعد الاجباري لضباط وجنود الأجهزة الأمنية وحركة فتح في غزة والخصومات المالية والعقوبات التي أرهقت كاهل هؤلاء الرجال والمقاتلين الذين كانوا عصب النضال الفلسطيني ،وفي ضوء سيطرة عباس على كل السلطات الفلسطينية التنفيذية منها والتشريعية والقضائية وصمت العالم عن ذلك ، هنا نتساءل وبكل وضوح ألا تتفق تلك الإجراءات التي اتخذها الرئيس عباس نسقاً وروحا مع الرؤية الامريكية المسماة زوراً الربيع العربي وانها تمهد لمرحلة لها ما بعدها من تداعيات على القضية الفلسطينية وتخدم في مضمونها الطموح الإسرائيلي في التوسع في المنطقة العربية على كل الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية وهل يمكننا الآن أن نقول للأمريكيين والاحتلال هنيئاً لكم بخصومكم الناعمين؟؟.