"كورونا".. مشكلة صحية أم سياسية؟
تاريخ النشر : 2020-08-12 11:13

بالرغم من الأضرار الجماعية التي لحقت بالأوضاع الصحية في العالم، إلا أن هناك مؤشرات قوية تؤكد أن العالم يواجه مشكلة سياسية في الأساس، وأن الجانب الصحي منها هو أحد نتائجها، وليس هو كل المشكلة، وأن التبعات السياسية ستكون هي الأكبر، بعد أن يكون العالم وصل إلى قدر كبير من السيطرة على الفيروس.

وإذا كانت اقتصادات الدول هي الأكثر تضرراً بعد تفاقم أعداد الذين أصيبوا بالمرض، فإن الاقتصاد يبقى قضية سياسية محورية، منذ أن اتفق علم السياسة في السنوات العشر الأخيرة من القرن العشرين، على أن القدرة التنافسية، قد صعدت إلى قمة مكونات الأمن القومي للدول، متعادلة مع القدرة العسكرية، وأحياناً قد تفوقها تأثيراً. ثم اقتحمت محنة «كورونا» قلب التفكير السياسي العالمي، فراحت الأفكار النابعة من مراكز الفكر السياسي، تضيف إلى مكونات الأمن القومي، ما أسمته بالأمن الإنساني، ما يتطلب التعاون الاستراتيجي بين مختلف الدول، للتصدي لما اعتبرته «العدو الواحد»، الذي تلزمه الاستراتيجية الواحدة.

لكن يقف أمام هذا الهدف عنصران رئيسيان، أولهما ضعف الثقة بين القوى الكبرى، خاصة أن التباعد الأمريكي الصيني سيبقى مشكلة جوهرية، بل إن ضعف الثقة يمكن ملاحظة وجوده في دائرة العلاقات بين الحلفاء، وهو ما شهدناه من خلافات حول كثير من القضايا بين الولايات المتحدة، ودول أوروبا.

والعنصر الثاني يتمثل في تهافت الخيوط التي تصل ما بين صانع القرار، وبين الرأي العام. فهناك تململ قديم كشفت عنه استطلاعات الرأي العام، عن تغوّل قوى الضغط، وجماعات المصالح، على عملية صناعة القرار، في تهميش لإرادة الرأي العام - كما أن إدارة السياسة الخارجية - في حدود المفاهيم المستقرة للأمن القومي - كانت تستند إلى ما يعرف بالتوافق Consensus، أي عدم وجود مساحة اختلاف بين الجانبين حول السياسة الخارجية، وهو أمر تلاشت قوته في الفترة الأخيرة، مع بروز عدم تقبل الرأي العام لكثير من ممارسات السياسة الخارجية، ورفضه لها.

ويتفق كثير من الخبراء والمحللين في الولايات المتحدة، على أن الإحباط العام المتراكم بصورة متصلة يتحول إلى عنصر مضاد للأمن القومي، وتتداخل عدة أسباب في صنع مسببات الإحباط العام، منها حالياً ما ظهر من عدم كفاءة الدولة في التجهيز مسبقاً لكل مقدمات الرعاية الصحية، بشكل لم يتبصر مبكراً أي احتمالات لحدوث مثل هذا الوباء، الذي كانت بعض مراكز الدراسات قد نبهت لاحتمالات حدوثه منذ سنوات قليلة.

كل ذلك أثبت أن قواعد اللعبة السياسية قد تغيرت، وهي الآن أشبه بباب مغلق، لم تعد المفاتيح التقليدية تصلح لفتحه. وجاءت جائحة «كورونا» لتمثل تحدياً لمراكز الفكر السياسي، والتي تضم النخبة التي اعتادت أن تكون هي صانعة القرار، في إطار طبيعة عمل النظام الأمريكي.

حتى إن بعض هذه المراكز في أوروبا، وأمريكا، راحت تطرح على نفسها سؤالاً فحواه، أن هناك تحدياً لمراكز الفكر، وهناك من يسأل أصحابها، عن الكيفية التي تفكرون بها الآن.

بعضها طرح حتى الآن عناوين للإجابة، منها الحاجة الملحة إلى: الأمن الإنساني والتعاون الاستراتيجي - ولنجعل العالم متحداً.

لكن إذا ظلت هذه الأفكار حبيسة جدران مراكزها، فإنها لن تتحول إلى واقع جديد، إذ لابد من أن تتواصل بل وتندمج مع أفكار صانع القرار السياسي، إذا ما كان مقدراً للعالم أن يخرج من هذه المحنة القاسية، بدروس مفيدة يتعامل بها مع عالم مختلف.

وما زالت هناك عوائق تقف في طريق هذا التغيير المطلوب منها. إن التفاوت كبير للغاية بين أسباب الرعاية الصحية بين مناطق العالم، خاصة بين الدول الغنية والفقيرة، مع وجود وباء يتنقل ما بين الجميع، ويواجه الجميع بما أصبح يعرف بالعدو الواحد.