الأبعاد الإنسانية والإبعاد السياسية لرجل السلطة:عرض لمذكرات تونى بلير رئيس وزراء انجلترا ( رحلة )
تاريخ النشر : 2020-04-02 23:40

الرحلة السياسية

توني بلير (6 مايو 1953 )، رئيس وزراء المملكة المتحدة من عام 1997 إلى عام 2007 وذلك لثلاث فترات رئاسية متتالية، كما رأس حزب العمال البريطاني منذ عام 1994 ولغاية 2007. عندما تولى الحكم في 2 مايو 1997 لم يكن قد أكمل عامه الرابع والأربعين وهو بذلك أصغر من تولى منصب رئيس الوزراء منذ عهد روبرت جنكنسون الذي تولى الحكم عام 1812، وفي مايو 2010 حطم ديفيد كاميرون رقمه لأنه كان أصغر من سن الرابعة والأربعين بعدة أشهر عندما تولى منصب رئيس الوزراء.

شغل أيضاً عدة مناصب منها اللورد الأول للخزنة، ووزير الخدمة الشعبية، وعضو البرلمان البريطاني لمنطقة سيجفيلد في شمال شرق إنكلترا.درس القانون، وعمل في المحاماة في الفترة ما بين 1976 - 1983، ليقتحم بعدها العمل السياسي مع حزب العمال. ترقى في العمل السياسي تحت مظلة حزب العمال، وكان يمثل جيلا جديدا في الحزب، وقد تولى العديد من المناصب داخل البرلمان مثل الناطق باسم المعارضة للشؤون المالية، ونائب الناطق باسم المعارضة لشؤون التجارة والصناعة.

وفي سنة 1992 انتخب لعضوية اللجنة التنفيذية القومية لحزب العمال ثم رئيسا لحزب العمال بعد وفاة رئيسه جون سميث سنة 1994. واستطاع أن يقود حزب العمال لتحقيق نصر في الانتخابات العامة اعتبر من أكبر انتصارات الحزب حيث فاز بنسبة 45% من أصوات الناخبين، كما فاز الحزب بأغلبية المقاعد في مجلس العموم.

واصل السياسة البريطانية المطابقة للسياسة الأميركية في ما يتعلق بقضية الحصار على العراق، والتفتيش على أسلحته، والإبقاء على منطقتي الحظر الجوي شمالي العراق وجنوبه. ومن الطريف أن المشاركة البريطانية في الغارات الأخيرة على العراق لقيت معارضة في الحكومة وفي صفوف حزب العمال ولكن حزب المحافظين المعارض أيدها بقوة.

فاز بثلاث ولايات متتالية، مما اعتبر أكثر الزعامات العمالية بقاء في منصب رئاسة الوزراء، وقد استقال من رئاسة الوزراء في 27 يونيو 2007 وذلك بعد أن استقال من زعامة الحزب العمالي، وخلفه في رئاسة الحزب ورئاسة الوزراء وزير المالية في حكومته جوردون براون. وفي نفس يوم استقالته عين مبعوثاً دولياً للجنة الرباعية الدولية الخاصة بالسلام بالشرق الأوسط. ولذلك قدم استقالته من البرلمان البريطاني أيضا.

( رحلة )  عنوان كتاب مذكرات تونى بلير :

كتاب رحلة هو مذكرات توني بلير عن فترة توليه منصب رئيس وزراء المملكة المتحدة حيث نُشر هذا الكتاب بتاريخ الأول من أيلول/سبتمبر 2010م. ويشمل هذا الكتاب الأحداث بدءًا من تولي بلير زعامة حزب العمال في عام 1994م، ودوره في تحويل الحزب إلى حزب العمال الجديد، بالإضافة إلى الرقم القياسي لتوليه إدارة الحزب ثلاث مرات متتالية، حتى استقالته وتعيينه رئيسًا للوزراء وحل محله جوردون براون، وزير الخزانة البريطاني. كما تبرع بلير بمبلغ تصل قيمته 4.6 مليون جنيه استرليني مقدم مخصصاته الملكية، بالإضافة إلى كل مخصصاته الملكية التالية إلى القوات المسلحة البريطانية أو ما يعرف باسم الفيلق الملكي البريطاني. وأصبحت سيرته الذاتية هي الأسرع مبيعًا في كل العصور ضمن سلسلة مكتبة ووترستونز. كما أتسمت الأحداث الترويجية لها باحتجاجات مناهضة للحرب.

عرض لمذكرات تونى بلير :

احتلت مذكرات رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير والتي حملت عنوان «رحلة»، والتي بدأ بتسويقها في المكتبات العالمية واحتل  المرتبة الحادية عشرة من الكتب الأكثر بيعاً على مستوى الموقع الإلكتروني البريطاني «أمازون».ووفقاً لصحيفة "الغارديان"البريطانية فقد طالبت مجموعة احتجاج في موقع التلاقي الاجتماعي"فيسبوك"، منذ الأيام الأولى لصدور المذكرات، بتصنيفها ضمن كتب الجرائم في المكتبات البريطانية.

واهم ما جاء بالمذكرات :

قوله إنه يحس "بأسف عميق" تجاه الضحايا الذين قتلوا في الحرب بالعراق، مجدداً تأكيده عدم ندمه على قرار الغزو سنة 2003م وإسقاط نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين.

وكتب بلير «أعتذر للأرواح التي سقطت خلال الحرب»، وأضاف: «الشعور بالقلق ينبع من الحزن والألم الذي يعصر قلوبنا عندما نسمع أخباراً سيئة».وتابع بلير: «أنا متأسف جداً للأرواح التي أزهقت.. أشعر بأن كلمات التعزية والمواساة غير كافية بالمرة».

وحول الاتهامات بأن الحرب في العراق قد وسعت من نفوذ تنظيم القاعدة وإيران قال بلير: «نحن لم نتوقع أن يكون للقاعدة أو إيران دور في مرحلة ما بعد الحرب».ورغم كل الخسائر البشرية والمادية التي نتجت عن الغزو بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، أكد بلير مجدداً في مذكراته أن خيار الحرب كان صحيحاً.وقال : "على حسب المعلومات التي كنا نتوفر عليها، ما زلت مقتنعاً بأن ترك صدام حسين في السلطة يعد خطراً أكبر بكثير على أمننا".وأضاف بلير: "رغم أن الخسائر كانت فادحة، فإن الحقيقة أن إبقاء صدام وأبنائه ممسكين بزمام السلطة في العراق، كان سيكون أسوأ بكثير". وقال ايضا :لا يمكنني أن أندم على قرار الذهاب إلى الحرب.. يمكنني أن أقول إنني لم أتوقع قط الكابوس الذي تداعت أحداثه" ، في إشارة إلى أعمال العنف في العراق التي لم تتوقف منذ الغزو الأميركي.

وحول العلاقات البريطانية الأمريكية والصداقة الحمية بين بوش وبلير فقد وصف بوش بـ"السياسي الوحيد في العالم الذي امتلك الشجاعة لمواجهة تنظيم القاعدة" بعد هجمات 2001م.

وأضافت إن بلير كتب أنه سُحر بـ"شجاعة وقوة وتفاني بوش"، ورأى فيه "صديقاً شديد الذكاء والبصيرة".       

كما ذكر بلير أن الأميركيين كانوا الوحيدين الذين امتلكوا "رؤية فعالة" بشأن التعامل مع القاعدة ونظام صدام حسين ، ودافع بلير عن الطريقة التي حاول بها بوش التعامل مع احتمال وقوع حرب شبه أهلية بالعراق بعد غزوه في مارس/آذار 2003م، وعن الذهاب إلى الحرب على العراق دون قرار ثانٍ من مجلس الأمن يجيزها.

وأشار بلير في كتابه أن "السياسيين يُجبرون من وقت لآخر على إخفاء الحقيقة وثنيها وحتى تشويهها كلما تطلبت المصالح الإستراتيجية الأكبر ذلك".

وحول الحياة الجنسية للسياسيين أشار بلير فى مذكراته : "إن النواب يلجأون إلى إقامة علاقة غرامية بسبب عامل التشويق والإثارة، لكن ذلك يعد سلوكاً غبياً وغير مسؤول".ووصف رئيس الوزراء البريطاني الأسبق كيف أنه "حاول تقبيل آنجي هانتر التي عملت مساعدة لديه لفترة طويلة عندما كانا في سن المراهقة و تسلل إلى فراشها خلال حفلة في شمال اسكتلندا ولكن من دون جدوى".

كما تناولت المذكرات مواضيع مختلفة، فبالإضافة إلى غزو العراق،فتحدث بلير عن مسلسل السلام في أيرلندا الشمالية، وعلاقته "المتوترة" مع وزير المالية البريطاني ـ آنذاك ـ "غوردون براون"، الذي خلف بلير في الحكم، حيث هاجمه بشدة ، واتهمه بتقويض خططه لتحديث بريطانيا عندما كان وزيراً للمالية في حكومته.إضافة إلى قضايا أخرى تلخص عشر سنوات من تقلد بلير رئاسة الوزراء.

رؤية تحليلية لمذكرات تونى بلير :

تناولت الكاتبة البريطانية " ماري آن سيغارت " جوانب من مذكرات بلير التي نشرها عبر كتابه "رحلة"، بالنقد والتحليل، وقالت إن لدى بلير الكثير من الدروس والعبر التي يمكن أن يتعلم منها من يأتون بعده. وأوضحت "سيغارت" في مقال نشرته لها صحيفة "ذي إندبندنت" البريطانية أن كتاب بلير يحتوي على دروس وعبر يمكن حتى للإدارة البريطانية الحالية الاستفادة منها، خاصة أن قلة من رؤساء الوزراء المنتهية ولاياتهم يقدمون عصارة خبراتهم لمنافسيهم أو خصومهم السياسيين كما فعل بلير في مذكراته.

وقالت "سيغارت" إنه يمكن لرئيس الوزراء البريطاني الحالي ديفد كاميرون وأعضاء حكومته الاستفادة من الدروس والعبر التي احتوتها مذكرات بلير، والتي قد تتطلب المرء قضاء سنوات عديدة من الخبرة حتى يحصل على ما قدمه رئيس وزراء سابق من خبراته بشكل جاهز حسب ما ترى.

وأوضحت الكاتبة أن من الدروس المستقاة من مذكرات بلير تلك المتمثلة في إحاطة رئيس الوزراء البريطاني الحالي نفسه بمجموعة من المستشارين الذين لا يخافون قول الحقيقة.

وأضافت الكاتبة البريطانية أنه ينبغي لكاميرون أيضاً أن يكون مستعداً للتخلي عن مستشاريه إذا قدموا ما لديهم، وأن لا يقنع نفسه بأنه لا يمكنه الاستغناء عنهم أو أنه لا يمكن استبدالهم، وأن تلك كانت غلطة بلير بشأن أليستر كامبل وأنجي هنتر التي ندم عليها.

وبينما ترى الكاتبة أن رئيس الوزراء لا ينبغي له أن يكون جدياً فوق العادة في منصبه، تقول إن بلير فعل ذلك مشيرة إلى لقاء جمعه مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي حيث بدا الأخير حيوياً وواثقاً من نفسه وهو يشرح لمضيفه بشأن خططه تجاه بلاده فرنسا وتجاه أوروبا والعالم، مما حدا ببلير أن يصفه بكونه يشبه نابليون بونابرت.

ومن الدروس الأخرى المستفادة من مذكرات بلير من وجهة نظر الكاتبة، تلك المتمثلة في عدم سماح رؤساء الوزراء لأنفسهم بالتآكل، موضحة أن بلير يوصي في مذكراته بأنه لا ينبغي لرؤساء الوزراء الامتعاض من الشأن السياسي مهما بلغت تعقيداته.

من جانب آخر، ذكرت "سيغارت" إن المشكلة في مذكرات بلير تكمن في إصراره على قناعاته السابقة المتمثلة في اعتقاده بكونه كان صائباً في أي شيء أو مسألة أو قضية قام بدعمها أو تأييدها، من غزو العراق وما يتعلق بالدستور الأوروبي وغيرهما. وتمضي بالقول إن أبرز الدروس أمام كاميرون أن يترك منصبه ويغادر عندما تحين الفرصة، لا أن يبقى متمسكاً بالمنصب حتى يصبح محط غضب وسخرية الجماهير كما جرى مع بلير.

واختتمت الكاتبة بقولها إن بلير كان يتمنى لو أنه ترك الشأن السياسي وهو في ذروة شعبيته وتألقه عام 1997م، وتضيف: "ليت بلير أصغى لنصيحة نفسه" بنفسه.