"جمهورية غزة" تدعو رئيس جمهورية تونس!
تاريخ النشر : 2019-10-19 09:27

كتب حسن عصفور/ المتابعة لكل سلوك حماس السياسي يدرك تماما، انها تتصرف بصفتها "الحاكم العام" للمشروع الفلسطيني، كيانا وسلطة وفصائل، ممارسات بلا نهاية لتكريس ذلك، ولا تترك فرصة لنسيان ذلك السلوك المعوج وطنيا.

فهي دون غيرها من فصائل العمل العام تراسل وتهاتف رؤساء وحكام دول، بمختلف مناصبهم، ولا نعلم كم منهم يستقبل تلك المراسلات مباشرة او عبر سكرتاريا لا تملك قدرة رفض لرسالة قادمة أو مهاتفة لعزاء أو غيرها من مستلزمات الفعل الاجتماعي العربي.

هل يعتبر ذلك حقا سياسيا لفصيل ما، او هو حق لكل من يتمكن من القيام بذلك، دون ان يترك أثرا على التمثيل الوطني الرسمي – الشرعي، ما دام الاعتراف بها قائما، ولم يتم بعد سحب ذلك "قانونا"، او الإعلان عنه "انقلابا".

ربما ساهم في تعزيز السلوك الحمساوي الالتفافي على الرسمية – الشرعية الفلسطينية، أن تلك الممارسة لم تجد "صدا" مناسبا وبات السكوت وكأنه تشريع لمخالفة تطعن في حقيقة التمثيل، واستنساخا للماضي، عندما كانت دولا وحكاما يستخدمونها أداة تسميم سياسي لموقف منظمة التحرير وللشهيد الخالد المؤسس ياسر عرفات، ودون عودة لما كان، فاستمرار السلوك ذاته، ومع واقع "القسمة – الفصل السياسي تصبح المسألة لها بعد جديد.

سلوك يعزز منطق "استقلالية غزة" السياسي على طريق "الاستقلال الكياني"، والذي يبدو أن البعض يراه قريبا جدا، ويسارع في تثبيت أركان "الكيان الخاص"، تحت أي مسمى فتلك ليست القضية، ما دامت تضمن "الكيانية الخاصة"، وهناك من الشواهد الكثير منذ سنوات، وتعززت بعد أن برزت الخطة الأمريكية المعروفة باسم "صفقة ترامب"، التي تمنح قطاع غزة "مكانة ذاتية كيانية" مختلفة عن "مدن الضفة المحتلة".

ولأن السلوك السياسي ليس جملة تسقط سهوا، بل ممارسات متراكمة فما كان من دعوة "هيئة كسر الحصار"، التي تمارس كـ "قيادة سياسية لقطاع غزة"، للرئيس التونسي المنتخب قيس سعيد لزيارة غزة، تقديرا لموقفه من "تجريم التطبيع" مع العدو الوطني، جاء في سياق "ثقافة الانفصال السياسي – الكياني"، التي تعززها حماس بخطوات متلاحقة دون اعلان رسمي.

موقف الرئيس المنتخب يستحق كل تقدير أهل فلسطين، رغم ان الذين يرقصون طربا لموقفه، بعضهم يرقص طربا امام "حقائب المال القطري"، الدولة التي ترتبط بعلاقة مميزة جدا مع العدو ذاته، بل أنها تلعب دور السمسار السياسي لتمرير كل مشروع يتعارض والوطنية الفلسطينية الموحدة، ولعل "التفاهمات السرية"، ثم تمرير المستشفى الأمريكي مؤخرا، وقبلها دورها في "هندسة الانقلاب" فالانقسام، وهو ما لا يستقيم ابدا مع منطق الرئيس المنتخب لو واصل ذات الخطاب ما قبل الانتخابات.

وهي الفصائل ذاتها التي تقف صفا واحدا مع النظام التركي الغازي والمحتل لأرض عربية، ويقيم أفضل العلاقات الأمنية والاقتصادية مع إسرائيل، بل وشريك عسكري كامل مع حلف الناتو، الأداة العسكرية للإمبريالية الأمريكية، كما كانت شعوبنا تقول يوما، قبل أن تظهر علينا قوى الظلام السياسي لترسم لوحة زيف مختلفة.

من حق كل فلسطيني ان يعبر عن تقديره الكبير والعلني للرئيس سعيد، ولتضع له الصور على كل مفترقات القطاع والطرق، ويطلق اسمه على شارع البحر الرئيسي من الشمال الى الجنوب، فتلك حالة تقدير، حتى لو أجبره "المنصب" على تغيير نسبي فيما قاله، فالضرورة لها "أحكام"، وخاصة مع تونس ذات المكانة الخاصة.

لكن، ان تصدر تلك الهيئة بيانا رسميا وتدعو فيه الرئيس التونسي المنتخب الى زيارة غزة، فتلك مسألة تخرج عن نطاق الترحيب والتقدير، كون الدعوات الرئاسية لا تكون سوى من جهات رسمية، وليس عبر نداءات فصائلية أو شعبية، أي كانت "نواياها"، طيبة ام خبيثة، لكنها أرسلت إشارة سياسية للعالم بأنها تكرس وجود "جمهورية غزة"، التي ترحب باستقبال رئيس جمهورية تونس.

أن تعمل حماس وفصائلها داخل الهيئة لمثل هذه الانعزالية، فذلك ينسجم وسلوكها العام، اما أن توافق فصائل داخل منظمة التحرير عليها فتلك مصيبة مركبة، تستوجب التوضيح الفوري، بعيدا عن أي "تذاكي" ساذج.

الثقافة الانفصالية تتراكم وتتسارع في جنوب "بقايا الوطن"، مستغلين "انعزالية" شماله. فاحذروا يا من تحذرون!

ملاحظة: غضب لبنان الشعبي قد يكون المفاجأة الأبرز في المشهد العربي، انتفاضة جوع حقيقي في بلد يملك مقومات لا يملكها غيره، لكنها "الطائفية" السوداء التي تغولت جدا لتحمي كل ما هو لص وفاسد، طائفية تقاسمت المقسم والمقسوم وتركت البلد وأهله يجوع!

تنويه خاص: الاتفاق الأمريكي مع نظام أردوغان وترحيب الناتو به يحمل رسالة خوف من الدور الروسي...الأيام القادمة كاشفة لما سيكون ردا روسيا وسوريا، وهل ما كان سيحمي عورة رجب...ننتظر!