"أمد" يكشف أسرار خاصة عن عملية "بوابة أبو سمرة" شمال بيت لاهيا - فيديو
تاريخ النشر : 2019-09-20 13:00

غزة- صافيناز اللوح: عودة إلى الوراء، نخطو بأقدامنا نحو الحقيقة، ونسير مع واقع سجل لـ(3) من الشهداء وساماً لأسمائهم عُلّق على صدور أصدقائهم وذويهم، بل غزة كلها.

منذ ليالي "الإرباك الليلي"، خططت عقولهم فكرة أحادية الجانب، هم أسود منفردة بزمن الذئاب الضالة بدأوا تجهيز معداتهم العسكرية وأسلحتهم البسيطة بدون علم الفصائل المسلحة التي ينتمون إليها، حتى وصلوا إلى نقطة الصفر، وبداية التنفيذ، وحدهم الوطن الذي فرقته التنظيمات وقياداتها، وعمت قلوبهم عقولهم السوداء وفكرهم "غير السوي".

(6) أبطال، تجمعوا في إحدى البنايات المهجورة شمال قطاع غزة، جميعهم من الشباب الثائر بمنطقة "أبو صفية" شرقي بلدة جباليا، وجلّهم أصيب عدة مرات برصاص قوات الاحتلال، وأكثرهم ممن اقتحم السياج الفاصل واجتازه وقام بقصه خلال مسيرات العودة.

محمد أبو ناموس هو العقل المدبر لتلك العملية، جهز مهمته وأقدم على تنفيذها برفقة اثنين فقط من أصدقاءه، والتي كان من المفترض تنفيذها في أول أيام عيد "الأضحى"، ولكن بسبب اختلاف بعض الأمور ألغيت آنذاك.

ازدادت الفكرة شوقاً لدى "أبو ناموس" عندما نفذ الشهيد "هاني أبو صلاح" عمليته شرقي مدينة خانيونس، فشاء القدر، أن تلغى عملية "بوابة أبو سمرة" في أول أيام العيد، حتى ينضم إليها (3) آخرين، وهبوا أرواحهم فداءً للوطن المسلوب من ذوي القربي قبل العدو الذي نهب الأرض وانتهك العرض.

من هم منفذو العملية؟!

محمد أبو ناموس 27 عاماً، "الغضب" التحق به لقبه قبل اسمه، أحد عناصر "القسام"، وهو العقل المدبر واليد الأولى في تنفيذ عملية "بوابة أبو سمرة"، والذي خطط لها بكل دقة، حتى حان وقت تنفيذها، برفقة خمسة من أصدقاءه.

محمد سمير عبد الجواد الترامسي 28 عاماً من بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، شهيد "فتح" في تلك العملية، هو الآخر كانت له حكايته الخاصة مع لعبة القدر التي أنهت حياته بـ"لمحة بصر"، حيثُ طلب منه "مقص" لقص السلك، وعندما سأل عن السبب وتم الكشف عن تنفيذ العملية، اشتد عنقه وبدأ "الغضب" عليه مستوحشاً على زملاءه ورفاق دربه طوال عام ونصف في مسيرات العودة، فلن يلبي حاجتهم إلّا بالمشاركة معهم في العملية.

"سنبل" هو اللقب المتعارف على الشهيد الترامسي، والذي أخذ صداه بعد استشهاده على الفور، فالتحقه قبل اسمه من قبل أهله وذويه"، فبعد ساعة من الاتصال عليه من قبل رفاقه بتلك العملية، قاموا بتدبير سلاح وعتاد خاص به، فتواصلوا معه ليحضر لهم مقص السلك، ففرح كثيراً، وجاء وكأن الفرحة كانت في قلبه قبل عينيه بأنه سيلاقي ربه شهيداً.

محمود عادل الولايدة 26 عاماً "خطاب"، أحد عناصر "سرايا القدس"، هو الآخر التحق في ركب الشهداء، حيثُ غادر الدنيا برفقة "سنبل والغضب"، الذين كانوا كالسيف على رقاب الأعداء في مسيرة العودة وكسر الحصار قرب السياج الفاصل، في منطقة "أبو صفية"، شرقي بلدة جباليا شمال القطاع.

ثلاثة شهداء من بين (6) رفاق جسدوا الوحدة الوطنية في عمليتهم البطولية، لإيصال رسالة إلى القادة والمسئولين في كل مكان، أنّ فلسطين أغلا من الجميع، وأنّ الفصائل والأحزاب لا تفرقنا في الجهاد ضد الاحتلال، والموت في سبيل الله.

أسرار تكشف لأول مرة..

(4) ساعات اجتمعوا بها قبل رحيلهم عن الدنيا بدأت من الرابعة عصراً، تنقلوا خلالها بين الضحك والمرح، بين الفرفشة والابتسامات التي وزعت هباءً، وحتى القصص الكثيرة، والحكايات التي جمعتهم منذ أكثر من عام ونصف خلال مشاركتهم بمسيرات العودة شرقي منطقة أبو صفية شمال قطاع غزة.

انقسموا لمجموعتين، مسلحة وأخرى تحمل عتاد "الوسائل الخشنة" المستخدمة في مسيرات كسر الحصار، مثل "الآلات الحادة وقطاعة السلك، ومقص الحديد وغيرها".

استقلوا مركبتين مختلفتين، وساروا بطريقين مختلفين بلباس مدني، فيما جمّعوا أسلحتهم وعتادهم في حقيبة لا يستطيع أحد الشكوك بها، وساروا نحو منطقة قريبة جداً من السياج الفاصل قرب بوابة "أبو سمرة".

في طريقهم للوصول إلى هذه النقطة التي قرروا التجمع بها، كانت ليلة هادئة جداً، وبعد أن دقت الساعة التاسعة، سمعوا أصوات إطلاق الصواريخ من الشمال، تجاه البلدات الإسرائيلية المحاذية لقطاع غزة، والتي لم يكن لهم يد بها.

ارتدوا لباسهم العسكري، ووضعوا "الجعب" على صدورهم، وجهزوا أنفسهم للبدء بتنفيذ ما خططوا له، (6) رفاق اجتمعوا بشكل دائري، ودعوا، وألقوا نظراتهم الأخيرة على بعضهم البعض، ووعدوا أنفسهم بأن يبقوا أوفياء حتى في الممات.

دقت الساعة العاشرة مساءً، وبدأت نبضات قلبهم تثور نحو الحدود هناك، وأفكارهم تخطو باتجاه جنود الاحتلال المتمركزين في منطقة "بوابة أبو سمرة" شمال بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة.

مرة أخرى عادوا وانقسموا إلى مجموعتين، الشهيدان "أبو ناموس والولايدة وشاب آخر "مجهول" مجموعة (1)" كانت مهمتهم زرع عبوة أرضية، و الشهيد "الترامسي  و"شابين آخرين" عادا بسلام إلى منازلهم، دون أن يصابوا بأذى وهم مجموعة (2) اختصوا بقص السياج الفاصل.

تقدم الشابين "م" و "ع" والشهيد الترامسي، إلى السياج ونجحوا في قص أجزاء منه، فكانت إشارة البدء بالتنفيذ هي قدوم جيب لجيش الاحتلال فور قص السلك، أمّا الشهيد "أبو ناموس والولايدة ورفيقهما مجهول، تقدموا من الجهة الاخرى ونصبوا عبوة أرضية شديدة الانفجار قرب بوابة أبو سمرة.

بعد أن قاموا بقص السياج، عاد "م" و "ع" والشهيد "الترامسي"، إلى الوراء فوق الرمال، أي مجموعة رقم (2) بحسب ما كانوا مخططين له، وتقدمت المجموعة الأولى، وفور وصولهم إلى المكان، إذ بسماع صوت انفجار قوي هزي المكان، فكان صوت قذيفة مدفعية أطلقتها آليات الاحتلال باتجاه "الترامسي" فأصابته بشكل مباشر، ليسقط شهيداً على الفور.

بقي الشهيد "أبو ناموس والولايدة ورفيقهم "مجهول" وهما مجموعة رقم (1)، فيما لم يعرف آنذاك مصير اثنين من الشبان الذين انسحبوا بعد قص السلك، فتقدموا شيئاً فشيئاً، نحو السياج الفاصل، لكن آليات الاحتلال باغتتهم بشكل جنوني، فأطلقت القذائف واحدة تلو الأخرى وبعدة مناطق، حاولوا الهروب منها، كي يكملوا تنفيذ الخطة التي بدأوا بها.

منذ الساعة العاشرة وحتى الساعة الثانية صباحاً استمرت عملية الشبان مع قوات الاحتلال، منهم من استشهد منذ البداية ومنهم من نجح في الفرار والعودة إلى منزله بإصابات خفيفة، جراء القذائف التي أطلقت في تلك المنطقة.

عزلت آليات الاحتلال المجموعة عن بعضها البعض، وأقامت حزام ناري للقضاء عليهم جميعاً، استخدمت خلالها طائرات الأباتشي التي قصفت المنطقة بعدة صواريخ، والآليات التي أطلقت أكثر من خمسة قذائف بمناطق مختلفة قريبة من تلك البوابة.

أطلق جنود الاحتلال طائرات مسيرة بأضواء عالية، لتقوم بكشف المجموعة المشتبكة مع الجنود في المكان، ولم توفر الرشاشات الإسرائيلية رصاصاتها أيضاً، بل استخدمت نيرانها بشكل جنوني للقضاء على الشبان الـ(6).

حاول الشهيدين "أبو ناموس والولايدة ورفيقهم "مجهول"، الذي عاد مصاباً فقط، التقدم نحو السياج الفاصل ليفجروا العبوة التي نصبوها بآلية الاحتلال، إلّا أن قذيفة المدفعية نجحت في الوصول إلى مكان تواجدهم، واستهدفتهم بشكلٍ مباشر، استشهد على إثرها "العقل المدبر للعملية "محمد أبو ناموس ومحمود الولايدة"، وأصيب "مجهول" بجراح متوسطة.

سقط "أبو ناموس" فوق "مجهول"، نتيجة قوة الضربة التي حصلت بسبب سقوط قذيفة المدفعية نحوهم، وفارق الحياة هو والولايدة ملتحقين برفيقهم "الترامسي"، وبقي "مجهول، لا يستطيع التحرك كي لا تستهدفهم آليات الاحتلال مرة أخرى.

وبحسب المعلومات السرية التي وصلت "أمد للإعلام"، شاهد "مجهول" طائرات "كواد كابتر" وطائرات سيرتها قوات الاحتلال للتصوير في المنطقة، وتم تصويرهم فعليا وحينها جعل نفسه ميتاً، ولم يتحرك نهائياً وكأنه شهيداً برفقة زملائه الممدين بجانبه والآخر نائماً للأبد على كتفه.

رأى، كل شئ في هذه اللحظة، كيف ترجل عدد من جنود الاحتلال بكشافاتهم للبحث عنهم، وكيف قاموا بإطلاق طائرات تصوير بأضواء ليلية، للكشف عن مصيرهم، اعتقدوا حينها بأن يكون "مجهول" إمّا في عتاد الأسرى، أو الشهداء كرفاقه، ولكن عناية الله كانت أكبر من كل شيء، فعاد الجنود إلى داخل السياج.

بقي "أبو ناموس" مستلقياً على يد رفيقه "مجهول" بنفس الوضعية حتى لا يتم كشفه من قبل جنود الاحتلال، منذ حوالي الساعة الثانية فجراً وحتي الساعة السابعة صباحاً، بعد أن تمكن أصدقاءهم والطواقم الطبية من العثور عليهم.

"مجهول" يبلغ من العمر 25 عاماً  بحسب المعلومات التي وصلت "أمد للإعلام"، وهو ابن أسير داخل سجون الاحتلال محكوم مؤبد مدى الحياة وخاض معارك مع الإضراب المفتوح عن الطعام داخل سجون الاحتلال، كان فاقداً للأمل بالعودة إلى الحياة مرة أخرى، وعندما جاءت سيارات الإسعاف إلى المكان في المرة الأولى، وبحثوا قريباً من المنطقة التي يتواجدون بها، عاد الأمل لدى "مجهول"، ولكن عندما انسحبوا من المكان دون العثور عليهم فقده مرة أخرى".

أدى "مجهول"، صلاة الفجر بأعينه فقط، لم تغفى عينيه بتاتاً رغم شعوره بغيبوبة، وفراق للحياة، ومن بعد تأدية الصلاة غاب عن الدنيا، حتى جاء الأصدقاء والمعارف مرة أخرى في تمام الساعة السابعة صباحاً، سمع أصواتهم قريبة من المكان، لكنه لم يستطيع التركيز وبعد ذلك لم يعرف شيئاً سوى وجوده على أسرى مستشفى "الأندونيسي".

الطواقم الطبية وكيفية العثور على الشهداء!

في تمام الساعة الثالثة فجراً عاد الهدوء إلى المنطقة الشمالية من قطاع غزة، وسكتت أصوات الانفجارات، وانتهت العملية بالكامل، ليبدأ دور الطواقم الطبية في الهلال الأحمر والخدمات العسكرية بالبحث عن الشهداء الذين فقدوا من ذويهم وأصدقاءهم، وخرجوا منذ عصر ذلك اليوم ولم يعودوا.

تقدم اسعاف يتبع للخدمات العسكرية التابعة لداخلية غزة، نحو البوابة، إلّا أنّ جنود الاحتلال أطلقوا النار عليهم، لعدم وجود تنسيق معه بواسطة الصليب الأحمر، فعادوا من حيث جاءوا إلى نقاط تمركزهم.

بعد نصف ساعة، قام الهلال الأحمر فرع جباليا بالتنسيق مع الصليب الأحمر، الذي نسق مع الاحتلال الإسرائيلي للبحث عن وجود شهداء في منطقة العملية، فسمح لهم جيش الاحتلال بذلك، لكنهم لم يجدوا أثراً للشهداء أو الجرحى المتواجدين في منطقة يغطيها العشب الأخضر.

انتهت المدة المسموحة من قبل قوات الاحتلال، فعادت سيارات الإسعاف التابعة للهلال الأحمر، بخفي حنين، دون العثور على شيء، وبهذا الوقت بدأت مواقع التواصل الاجتماعي، تظهر شخصيات العملية بالصور والأسماء، وبدأت العائلات تبحث عن أبنائها، والأصدقاء حاولوا الوصول إلى المكان.

"م.ج" هو الذي وصل إلى تلك المنطقة برفقة عدد أخر، حيثُ علم من الشابين في المجموعة "3"، اللذان عادا بسلام إلى منازلهم، ترجلوا زحفاً حتى وصلوا إلى مكان تواجد الشهداء والمصابين، لكنهم تفاجأوا بترجل لعدد من جنود الاحتلال في المنطقة القريبة، بقوا بين الأعشاب متسترين على أنسفهم، خوفاً من قيام جنود الاحتلال بكشفهم، إلاً أنّ عناية الله كانت حامية لهم.

وبالفعل وصلوا إلى مكان الشهداء، وتبعتهم سيارات الإسعاف إلى المنطقة، وانتشلوا جثامين ثلاثة من بين الرفاق الـ(6)، والمصاب "مجهول"، الذي نقل إلى مستشفى "الإندونيسي" شمال قطاع غزة.

انتشرت الأخبار عبر وسائل الإعلام عن العثور على جثامين الشهداء الثلاثة، الذين استشهدوا في عملية بطولية فردية، نفذوها من دافع وطني، وما يواجهونه في غزة من ويلات الحصار المفروض على القطاع منذ سنوات، والفقر والبطالة التي طالت تلك الشباب.

عمليات فردية خاصة

 (3) عمليات فردية نفذت في أقل من شهر بتلك الفترة، بدأها الشهيد "هاني أبو صلاح" 23 عاماً، وهو أحد عناصر قوات حماس الأمنية، وكان يعمل قرب الحدود، لكنه ترجل بسلاحه بمفرده، تجاه السياج الفاصل شرقي خانيونس، وأطلق النار صوب جنود الاحتلال، ليصيب 3 منهم بجراح بينهم ضابط كبير.

أما العملية الثانية والتي نفذها أربعة شبان من وسط قطاع غزة، في عملية "بوابة النمر" شرقي دير البلح، حيثُ اكتشفت قوات الاحتلال وجود شاب قرب السياج الفاصل و3 آخرين يبتعدون عنه بعشرات الأمتار، فقامت بإطلاق النار بكثافة تجاههم، وعمل حزام ناري أدى لاستشهاد الأربعة، وهم الشهيد عبدالله اسماعيل الحمايدة 21عا، والشهيد عبدالله أشرف الغمري 19عام، والشهيد أحمد أيمن العديني 20عام، والشهيد عبد الله المصري 20 عاماً.

صدمة كبيرة ترك الشهداء في هذه العمليات الفردية بين أصدقاءهم، لكنهم غادروا إلى الأخرة بعملياتهم البطولية التي فرح بها المواطن فقط، دون مباركة من قبل الفصائل التي تخلت عنهم حتى يومنا هذا، إلّا أنّ التاريخ خلد أسماءهم رغماً عن القيادات وفصائلهم، وسجلوا في تاريخ البطولة عنواناً لهم دون سابق إنذار.