تلفزيون فلسطين والفضيحة
تاريخ النشر : 2014-07-02 17:26

فجأة, ودون سابق انذار, ألقى رئيس تلفزيون فلسطين رياض الحسن بالمذيعة منال سيف والمخرج محمد عمرو الى الشارع, وخصم نصف راتب على كل منهما!! وبالتالي وقف برنامج \"لاجلكم\" الذي تقدمه ويعنى بشؤون الاسرى في السجون الاسرائيلية . لماذا؟

القضية باختصار أن أحد المتدخلين انتقد السيد الرئيس في اتصال هاتفي, والقى باللوم عليه, فظن \"الحسن\" أن المذيعة تحضّر اوراقها لاعلان البيان السياسي أو العسكري رقم (1) للانقلاب على رئيس التلفزيون أو وزارة الاعلام, فاستبق \"الجريمة\" المتوقعة بقرارات تنتهك آدمية الانسان أولا ثم مهنية وكرامة المذيعين والمخرجين والصحافيين. لم يكلف رئيس الهيئة نفسه إصدار قرار يبين فيه الأسباب الوجيهة , وانما كلف مديرة مكتبة بالمهمة, فاوعزت الى الحرس المحيط بالمبنى, فالقي بهما خارجا.

في ضؤ ذلك اتوقع لو اتصل نفس المشاهد بكافة البرامج الحوارية المفتوحة ووجه نقده ولومه للسيد الرئيس, عندها قد يغلق الحسن شاشة تلفزيون فلسطين ويطرد جميع المذيعين والمخرجين ليبقى وحده مغردا ومذيعا ومخرجا وصحفيا..

أظن أنه كان بالإمكان معالجة الموقف بأكثر حرفية تعبر عن مصداقية شاشة وطنية تتوجه الى خليط من الآراء والمواقف, لكنها تصب كلها في المصلحة الوطنية العليا التي يعبر عنها رئيس السلطة وليس رئيس التلفزيون. ولكن ماذا نتوقع من شاشة مهزوزة تعاني مرضا خطيرا اسمه رياض الحسن.

يحتاج الأسير إلى فسحات من الأمل كي يتمكن من مواجهة صعاب ومشقات نفسية وحياتية ونكد سجانيه .. يحتاج إلى مسحات من الهدوء يستمدها من اشياء كثيرة من حوله تتيح له أن يخرج من السجن الذي يشعره بالضيق والاختناق. ينتظر السجين برنامج منال سيف ليتعرف على أخبار أسرته وأهله, يتواصل معهم فلا يشعر انه بعيد عنهم .. وتجتهد المذيعة سيف لتأتينا بجديد ومتجدد تزرع من خلاله الامل باللقاء.

صحافيو التلفزيون يتحدثون عن قلق الاحتلال من البرنامج ومضامينه التي تشكل نوعا من التحريض والدعوة للصمود, ووسيلة اتصال بين الاسرى وذويهم .

أما الحسن المشغول دائما بكل شيء وفي لا شيء فقد انشغل بمخرج ومذيعة فطردهما بشكل مهين . لم يشغله الاعلان عن مستوطنة جديدة في ضواحي رام الله, فاكتفي بخبر في نشرة باهتة لا تحرك فلسطينيا ولا عربيا , فكيف بعرب لاهين بكرة القدم في البرازيل. انشغل فقط بطرد مذيعة ومحرج وأوقف البرنامج بشكل مفاجئ, بطريقة لم يرتكبها من سبقه في رئاسة هيئة الاذاعة والتلفزيون.

الأصل أن العقوبة بنص وليس برغبة انتقامية. وان البرنامج الذي يحظى بشعبية اكبر يستحق مقدمه ومخرجه ومُعده تشجيعا لفظيا على الاقل, وليس قرارا شفويا بالطرد, وكأن المذكور يقسم بالطلاق على زوجته !

نحن أمام أزمة ضمير وانعدام ضوابط في كل شئ, أزمة ضبابية في المعايير. كل شئ مباح ومبرر. حتى حقوق الناس وتاريخهم وكرامتهم, وعلى الذين يريدون لقمة عيش أن لا يرفعوا صوتهم والاعتراض على اجراءات مسؤول أصابه الغرور في مقتل, فافقده القدرة على التمييز وتراءى له أن الصحافية التي اشتهرت ببرنامجها ارتكبت خطأ تستحق الطرد لأنها طالبت بالاطلاع على قرار الطرد مكتوبا وليس شفويا. المكتوب يرسم على الورق ما لا يستطيع المغفل نكرانه, أما الشفوي فيمحوه لحظة انتهاء الكلام. المكتوب يقدمه للمحاكمة أما الشفوي فينقذه من الفضيحة.

رغم ذلك, ليس واضحا بعد ما هو رأي نقابة الموظفين, ونقابة الصحافيين, وديوان الموظفين العام. لماذا يصمت كل هؤلاء؟ في ظني, اذا كان من الواجب احترام الموظف مرة , فالأجدر أن يحترم الموظف الصحافي مرتين , لانه يتحمّل سوءات بعض المسؤولين وجرائمهم؟.