محمود عباس... ارحل
تاريخ النشر : 2014-06-24 13:28

«يا رب كفى حكاماً مثقوبين»

مظفر النواب

جَرِّبْ هذا التمرين: لنفترض أن «منظمة التعاون الإسلامي»، التي يشبه اجتماعها الأخير مؤتمرات الحركة الصهيونية، قامت بعمل خياني من الدرجة الأولى ووجهت دعوة إلى بنيامين نتنياهو أو أفيغدور ليبرمان لإلقاء كلمة أمام اجتماع وزراء خارجية الدول الأعضاء في المنظمة، وهو أمر لم يعد مستبعداً في المستقبل. لنفترض، كذلك، أن نتنياهو (أو ليبرمان) كان في قمة الوقاحة في كلمته ولغته ومطالبه. تخيّل أوقح ما يمكن أن يقوله نتنياهو للعرب والمسلمين في اجتماع كهذا.

أطلق لخيالك العنان. ولو لجأ نتنياهو للغة الصهيونية الاستعمارية الجلفة المعهودة، فإنه سيطالب العرب بالاستسلام، وسيتوعد المقاومة ويحمّلها مسؤولية «الدمار» الذي سيلحق بالشعب الفلسطيني عقب كل عملية مقاومة. ولو طق «عرق الحياء» عنده فربما وعظ العرب عن محاسن التنسيق الأمني وأهميته، وربما تجرأ على ادعاء أن مصلحتهم تتطلب التنسيق الأمني معه. الآن، قارن كل ما تخيلت مع ما قاله محمود عباس في اجتماع منظمة التعاون الإسلامي في 18 حزيران الجاري. هل هناك اختلاف عما سمعناه من «رئيس» سلطة أوسلو؟ جَرِّبْ تمريناً آخر: تخيل أنك لا تزال تعيش في الثمانينيات من القرن الماضي، وأن هناك منافسة محتدمة على قيادة «روابط القرى» العميلة التي أسسها الاحتلال. تخيّل أيضاً أن أحد المتنافسين اليائسين لهذا المنصب، المستعدين لقول وفعل أي شيء لتحسين شروط تنافسهم وإرضاء السيد الصهيوني، حظي «بشرف» مخاطبة ممثلين «عن شعب الله المختار» لتقديم برنامج عمله ومشروعه لقيادة روابط القرى وخدمة أسياده المستعمرين الصهاينة. أطلق العنان لخيالك. الآن، قارن كل ما يمكن لك أن تتخيل من مواقف ساقطة لعميل روابط القرى مع ما قاله من يحمل ألقاب «رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير» و«رئيس دولة فلسطين» و«رئيس اللجنة المركزية لحركة التحرر الوطني الفلسطيني» في كلمته أمام وزراء خارجية «منظمة التعاون الإسلامي». ما رأيك؟ تمرين أخير: لتعرف حجم الكارثة المتمثلة بأن يكون عباس في مواقعه المتعددة، قُم بما يأتي. أولاً: اسمع، أو اقرأ، خطابه أمام «وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي» جيداً.

ارحل وخذ منسقيك الأمنيين وميليشيات دايتون ومفاوضيك الكبير منهم والصغير

ثانياً: بناءً على ما ورد في الخطاب، قم بتركيب صورة عن الشعب الفلسطيني كما يتخيلها عباس وكما ورد في خطابه. ثالثاً: قم بتقدير مدى احترام «رئيس» أوسلو لشعبه بناءً على تلك الصورة المتضمنة في الخطاب للشعب الفلسطيني. رابعاً: اقرأ ما كتبه زئيف جابوتنسكي، أحد أكثر عتاة الصهاينة تطرفاً وفاشية والأب الروحي لـ«الليكود»، في «الجدار الحديدي». خامساً: قم بتركيب صورة للشعب الفلسطيني كما تخيلها جابوتنسكي في كتابه. سادساً: قارن بين الرأيين واستنتج من يحتقر الشعب الفلسطيني أكثر. لا نعرف إن كان عباس قد قرأ ما كتبه جابوتنسكي، لكننا نعرف أنها مصيبة أن يُظهر جابوتنسكي الفاشي والعنصري وملهم بيغن ونتنياهو احتقاراً أقل للفلسطينيين من «رئيسهم». مصيبة أصلاً أن نلجأ إلى اقتباس أي صهيوني لتبيان مدى فداحة ما قاله عباس. لكن، لو استمع جابوتنسكي إلى ما قاله عباس، لاقتبس له من كتابه ما يلي بالحرف. أولاً: إن «العرب ليسوا أغبياء»، وثانياً «ليسوا كلهم فاسدين يمكن شراؤهم»، ولذكره ثالثاً أن «كل السكان الأصليين يقاومون الاستعمار»، ورابعاً إن الوصول «إلى اتفاق» بين العرب والصهاينة «مستحيل»، وخامساً إن الصهاينة يريدون كل شيء. حين تصبح أكثر الأدبيات الصهيونية فاشية ملجأنا ومعيارنا لتقويم «الرئيس» وصلاحيته، فنحن أمام ما هو أفظع من نكبة 1948. ماذا فعلت بشعبك؟

عباس نكبتنا: ارحل

لسنا بحاجة لأي خيال، ولسنا حقاً بحاجة حتى لجردة حساب مع محمود عباس لنستنتج أن عليه الرحيل. فليس في سجل من يتربع اليوم على قيادة من كانت يوماً أهم منظمة ثورية في المنطقة حتى موقف واحد، واحد فقط، يُمكنه ادعاؤه كإرث يستحق الاستذكار، أو الفخر به، أو ادعاء أن هذا الموقف يؤهله لأن ينافس على أي منصب في أي هيئة فلسطينية. كل ما في السجل مخجل في الحد الأدنى، إذا استخدمنا رطانة من يعتبرون «الخيانة وجهة نظر» ويرفضون أي عبارة تحمل هذه الدلالة، وأقل ما في هذا السجل، حتى قبل الخطاب الأخير بسنوات، ما يبرر الدعوة للرحيل، بل ويجعلها ضرورة. فلقد أصبح أخيراً بإمكان «طرطور» ومهرج برتبة «كبير المفاوضين» أن ينتقد ويشتم عباس علناً على مواقفه غير القابلة للتبرير أو التفسير بأي منطق سياسي (حتى وإن كان تسجيل عريقات المسرب له علاقة بالتنافس على وراثة عباس وليس نقده حقاً عن قناعة. يبدو أنّ عريقات هذا قد صدق فعلاً أن ورود اسمه على بعض قوائم ما بعد عباس في بعض المقالات الغربية والصهيونية يؤكد أنه منافس جدي رغم الصورة الهزلية التي يحملها له الناس. ربما على عريقات أيضاً أن يرى اختصاصياً ويستمع إلى نصائحه).

قد يعلق البعض محقاً بأن دعوة الرحيل وحدها قاصرة، فما يجب فعله حقاً هو حل السلطة وميليشياتها الأمنية وطفيلييها، هذا إذا غضضنا الطرف عن ضرورة المحاسبة والمحاكمة لمن تورط في ما وصلنا إليه. هذا صحيح. يجب حل السلطة، بل لم يكن يجب أن تتأسس أصلاً. لكن لسان حال الخليل ساعة كتابة هذه السطور: «طفح الكيل». ارحل. ارحل وخذ منسقيك الأمنيين وميليشيات دايتون ومفاوضيك الكبير منهم والصغير معك. قرفنا. فكل يوم يخرج علينا هباش من هنا أو عريقات من هناك بتصريحات تثير التقزز في النفس. نعم لدينا تحليل لما يفعلون، لكننا اليوم لن نلوم منظومة اقتصادية تستند إليها السلطة وتفترض هذا النوع من الأشخاص والأفكار. لا تحليل اقتصادياً سياسياً اليوم. لا حديث عن النيوليبرالية وقاذوراتها البشرية والفكرية. فقط ارحل. ارحل وخذ هبابيشك وعريقاتك ودايتوناتك معك. لم نعد نحتمل.

انتظر، خذ سفرائك معك أيضاً

حين تسمع أو تقرأ شيئاً لسفراء سلطة أوسلو في العالم، تجد نفسك تتساءل: هل هذا سفير لفلسطين وقضيتها وشعبها أم سفير مخلص للكيان الصهيوني؟ تعتقد أحياناً أن الكيان الصهيوني يعيّن سفيرين له في كل دولة، أحدهم ناطق بالعبرية وآخر بالعربية. ففي اليوم الحادي والخمسين لإضراب الأسرى الفلسطينيين عن الطعام خرج علينا سفير سلطة أوسلو في لندن في مقال مشترك مع صهيوني آخر من جامعة حيفا بموقف غريب من قضية الأسرى أصبح معه التمييز بين ما يقوم به ويقوله سفير فلسطين وسفير الكيان الصهيوني شبه مستحيل. ففي تصوره للحل الشامل، يقترح مانويل حساسيان على «إسرائيله» أن تفرج عن بعض الأسرى بدافع «حسن النية» لتعزيز الثقة بين الطرفين. أصبح الإفراج عن الأسرى خاضعاً لحسن نية الكيان الصهيوني، وأصبحت المشكلة مع العدو مسألة «غياب ثقة» بعرف السفير حساسيان، الذي لا يجد غضاضة بالاعتراف بـ«إسرائيل» «دولةً يهودية» ولا بالمساومة على حق العودة كما جاء في مقاله – يبدو أن سيئ الحظ هذا، السفير العبقري لقضيتنا، لم يكن قد قرأ الأخبار القادمة من الخليل حين كتب نصه الوقح في مجلة «فاثوم»، إحدى أحدث أدوات الدعاية الصهيونية الجديدة. لكن، فيما يستمر الطامحون إلى وراثة رئيس سلطة أوسلو، أو إلى العمل لضمان موقع لهم في مرحلة ما بعد عباس التي يبدو أنها بدأت، بتقديم أوراق اعتمادهم للكيان الصهيوني والولايات المتحدة ويتجاهلون شعبهم عبر تسريبات أصبحت عادة هذه الأيام لكل الطامحين، يستمر الأسرى في إضرابهم عن الطعام ولا يخالجهم أي وهم بأن حريتهم وحرية فلسطين مشروطة بهمة سفراء أو رئيس من هذا النوع. لكن سفير أوسلو في لندن لا يمثل نفسه في ما يفعله طبعاً، حتى لا نظلمه، وهو ليس الوحيد على كل الأحوال الذي يمثل الكيان الصهيوني أكثر مما يمثل فلسطين. فكل السفراء أدوات مختارة بعناية كما يبدو لتسويق سياسة الأخ الأكبر. يكفينا فقط بحث سريع في أرشيفات التقارير الإعلامية حتى يتمكن المرء من أن يكتب مجلداً عن مدى إخلاص أغلب سفراء أوسلو في العالم في تمثيل الكيان الصهيوني. ارحل. ارحل وخذ سفراءك معك. لا تنس أن تأخذ «تبع لندن» معك أيضاً، فربما كتب لنا كتاباً جديداً في تقاعده عن العمل في خدمة «القبائل السياسية» يكون الجزء الثاني لكتاب تافه عن قبيلة ظل يهاجمها حتى اشترت سكوته بتعيينه سفيراً لها.

\لا تنسَ، خذ قيادات الفصائل معك أيضاً

هل سمعتم ردود فعل من تجرأ من الفصائل على نقد الخطاب؟ مرة أخرى لم تفاجئنا أغلب الفصائل الفلسطينية في قدرتها على إصابتنا بالخيبة. ربما كان يخشى البعض منهم أن يُمنع من تسلم الراتب، فبعضهم موظفون عند عباس برتبة قادة فصائل لا أكثر. كانت أقوى التصريحات رفضاً تعتبر أن ما قاله عباس «غير مبرر» أو «غير مناسب» أو «غير مقبول». حين تسمع «غير مناسب» تعتقد أن الحديث هو عن تنافر لون ربطة العنق مع لون القميص مثلاً، لمن يهتمون بهذه الخزعبلات. وحين تسمع «غير مقبول» لا يراود عقلك مطلقاً أن الحديث هو عن قضية العرب المركزية، وعن وطن وشعب وتاريخ وجغرافيا. لا داعي لجردة حساب الآن. التاريخ لم يكتب بعد «ويا ويلكم من التاريخ». لكن، كل من استنتج منكم أن ما قاله عباس «غير مقبول»، عليه أيضاً الرحيل. ارحل. ارحل وخذهم معك و«حلوا عن هالشعب».

خاتمة قصيرة جداً: إلى أبطال مجهولين

كنتم من كنتم، «يِعْمِرْ البطن اللي حملكم».

عن الاخبار اللبنانية