المواطن العربي ما بين الحاجة للديمقراطية وحاجته للأمن
تاريخ النشر : 2013-10-27 10:01

استبشرت شعوبنا خيراً في ربيعها العربي الباحث عن الحرية والديمقراطية ، وشكلت الثورات العربية بداية مبشرة نحو تحقيق أهداف الشعوب العربية في إنهاء حقب الظلم والقمع والفساد عبر إنهاء حكم الأنظمة المستبدة التي حكمت المواطن العربي لعقود طويلة ، لكن ما سرعان ما انهارت تلك الأحلام عبر صراعات داخلية حول الحكم ما بين القوى الثورية نفسها تارة وما بين الثورة وأنصار الأنظمة القديمة تارة أخرى .

لقد كان تجربة الانتقال الديمقراطي في الدول العربية صعبة وقاسية ، ومرت بمراحل شديدة من التوتر نظراً لتراكم المشاكل العالقة والأزمات المفتعلة والمحاولات الحثيثة والقوية لإفشال أي حراك ثوري عربي يحقق الحرية والديمقراطية للمواطن العربي .

عملت أمريكيا جاهدة على احتواء ثورات الربيع العربي والتعامل مع الأحزاب الجديدة التي تولت مقاليد الحكم في البلاد العربية وكانت ذات توجه إسلامي ، وذلك بعد تيقن أمريكيا أن الإسلام السياسي هو القادم بسبب تمرسه وخبراته الطويلة وتنظيمه المتناهي على عكس القوى القومية واليسارية التي كانت مفككة ومتفرقة ، وبكل تأكيد أمريكيا لا تأبه لوجود ديمقراطية في البلاد العربية وهدفها هو الحفاظ على مصالحها في المنطقة العربية ، ولكن سرعان ما حدث صدام ما بين قوى الإسلام السياسي وبين القوى الأخرى وكانت النتيجة في مصر مأساوية ودموية بعد أن تم إنهاء حكم الرئيس مرسي ، وما زالت تونس تراوح مكانها في ظل حالة الاستقطاب الحادة ما بين حركة النهضة الإسلامية وقوى المعارضة والمواجهات التي بدأت تأخذ طابعاً عنيفاً .

أختار الشعب السوري الطريق الأصعب وكان يعرف منذ البداية أنه سوف يواجه نظام تاريخه معروف بالدموية والسفك والإجرام ، ومع ذلك واصل الشباب السوري ثورته من أجل إنهاء أصفاد الكبت والاستبداد التي عاشها لعقود طويلة ، ولكن سرعان ما دخلت الثورة السورية في ظروف قاسية ومريرة وذلك يرجع للتدخلات الخارجية خاصة العسكرية عبر قوات تقاتل مع النظام مثل حزب الله وجيش المهدي حيث أمعنوا قتلاَ وبطشاً في صفوف الشعب السوري وأخرى قاتلت مع الثوار ضد النظام السوري .

ودخول التنظيمات الإسلامية الجهادية على الساحة السورية والتي رغم أنها ساعدت الجيش الحر في تحقيق انتصارات عسكرية على أرض الواقع ، إلا أن تعاملها الميداني أفقد بعض المواطنين في سوريا التعاطف مع الثورة السورية ، علاوة على افتعال مشاكل ميدانية مع قوي ثورية أخرى .

في ضوء كل ذلك ، نجد المواطن العربي في دول الربيع العربي قد وجد نفسه واقعاً في أزمة حادة ما بين حاجته للحرية والعدل والديمقراطية وحاجته للأمن والأمان الذي كان ينعم به بشكل جيد في ظل الأنظمة السابقة طالما بقى حديثه في غير السياسة وشئون الحكم ، ولكن مع اشتعال الثورات فقد المواطن الأمن والأمان بسبب المعارك وحدوث التفجيرات والاغتيالات ، وأجبره ذلك للهجرة واللجوء للمناطق أكثر آمناً أو لدول أخرى ، لا انفكاك وانفصال ما بين الحرية والأمن والأمان وهم من أهم الحقوق التي نصت عليها كافة المواثيق والعهود الدولية ، ولا يمكن المفاضلة بين أحدهم على حساب الآخر .

إن الديمقراطية كنظام شامل للحكم لا تقبل التجزئة أو الانتقائية ولا يمكن وصف نظام سياسي بالديمقراطي إلا متى توافرت فيه القواعد والمبادئ مجتمعة التي يقوم عليها النظام الديمقراطي ، وما يحصل حالياً في الوطن العربي يعتبر بمثابة وأد للديمقراطية الوليدة التواق لها المواطن العربي بعد حقب الفساد والظلم والاستبداد التي عانى منها طويلاً ، حيث لا بديل عنها من أجل نهضة ورفعة البلاد العربية .