روسيا «بوتين».. عودة البطل المنقذ..
تاريخ النشر : 2014-05-26 15:13

»بوتين» ليس نسخة عن زعيميْ الاتحاد السوفياتي «لينين، وستالين» وإنما هو قومي بثقافة اشتراكية وتطلع إلى إعادة تنظيم روسيا من بلد الرجل المريض، إلى قوة تلعب دور المحرك ليس على محيطها القاري وإنما على العالم، وكما أن الصراعات بين الشرق والغرب صارت لازمة في السياسة الدولية، فإن روسيا التي طالما قدست الأباطرة والزعماء، وجدت في بوتين، رغم أخطائه، الزعيم المنقذ، ولعل بروز مسألتيْ سورية، وأوكرانيا، بعد تخليه عن مواقع حساسة في ليبيا وبعض دول آسيا الوسطى، أن وجد في تعزيز موقفه في بلدين حساسين، نوعاً من استرداد كرامة الدولة العظمى المتهالكة.

المزايدات في لعبة السياسة وممارسة الضغوط، والحرب النفسية التي تتسيدها وسائل الإعلام، وانتشار هذه القوة في تقنيات الغرب وأمريكا، وضعت روسيا في حالة عزلة تامة، بما تصوره تلك الأجهزة للعالم، لكن الشعوب لم تعد تقنع باللغة الأحادية الجانب أمام ما تصوره ثورة الاتصالات، وبالتالي أصبح تسليط الضوء على أي بلد يخضع لفهم الواقع مجرداً من حملات الإعلام المتبادلة، وروسيا رغم محدودية تأثيرها على العالم قياساً للصين مثلاً، فقد استطاعت أن تدير الفلك السياسي الدولي ليعطيها صورة مغايرة تماماً عن تلك التي وضعتها في موقع المهزوم المتهالك بعد تمزق الاتحاد السوفياتي..

أوكرانيا قد تكون الأهم بالنسبة لتصعيد لهجات الهجوم والضغط الاقتصادي إلا أن كل طرف لديه ما يقلق الآخر، في المواجهات الاقتصادية وحاجة أوروبا للغاز الروسي الذي لا يوجد من يعوضه على مدار عدة سنوات، ولا روسيا أيضاً تريد أن تصل الخصومة إلى تهجير أموال الداخل ومنع الاستثمارات ودفعها إلى تنافس على مضاعفات التسلح في سباق جديد، لكنها، سياسياً، نجحت في إدارة معركتها بما عكس أسلوباً جديداً في الدبلوماسية الخشنة، إن صح التعبير، أمام مواقف لا تزال مستمرة مع الغرب منذ أعوام الاتحاد السوفياتي..

فسورية، وإن لم تشكل المعيار الأساسي للاستراتيجية الروسية، فهي أنبوب الاختبار لقياس ردات الفعل فيما يجري في بلد بعيد عنها، يعتبر محركاً أساسياً في المنطقة وعلى دول حوض البحر الأبيض المتوسط، وتمسكها بسلطة الأسد يجسد رمزية الحليف القديم والجديد، بصرف النظر عن قسوة ما يحدث على الشعب السوري، إذا كانت المقايضة مع نظام يحفظ لها قيمة سياسية في مواجهة أوروبا، ثم أمريكا..

قد تكون الفرص خدمت بوتين، أمام تراجع أمريكا عن أدوارها العالمية، وتخليها عن فكرة انتشار حروبها، ونفس الوضع مع أوروبا التي تعاني أزمات دخول منافسين لها في الأسواق وتحديداً دول آسيا والصين أكبرها، ثم فقدانها أدوارها المهمة في أفريقيا وآسيا وتردي وضعها الاقتصادي، وتقليص نفوذها العسكري، وهي الأمور التي جعلت نجم بوتين يصعد ويضع بلده في المقابل للغرب، ولعل صفقة الغاز مع الصين، وإن لم تشكل إلا الربع من صادراتها لأوروبا، إلا أنها نقلة نوعية بوجود المعوض عن أي حصار مقابل من أوروبا، وبالتالي لم يعد للضغط الاقتصادي قيمته في حال وجود قوى منافسة لديها الجوع للطاقة، والتوسع في الأسواق العالمية الأخرى في مختلف المبادلات التجارية والاقتصادية..