مخيم عين الحلوة : قنبلة موقوتة بانتظار اشتعال الفتيل
تاريخ النشر : 2014-05-26 09:03

التوتر والحذر سيدا الموقف في مخيمي عين الحلوة والمية مية، والجميع بانتظار لحظة الانفجار ليس ذلك من باب التشاؤم وانما المراقب يشعر ان هناك شيئاً ما يحضر.

بعد تعرض العقيد طلال الاردني مع زميله العقيد ابو شادي بتاريخ 21 ايار لمحاولة اغتيال من خلال تفجير السيارة في المخيم بعبوة ناسفة ادت الى اصابت ثلاثة من مرافقيه. وبهذا الاثناء قامت مجموعة من انصار الله بإطلاق نار كثيف على المحلات التجارية في مخيم المية والمية من اجل ترويع الاهلي والسكان والمعنيين بقضية مجزرة 7 نيسان الماضي من اجل اسقاط الدعوة القضائية المرفوعة ضد قائدهم جمال سليمان والتي تحد من دخوله وخروج الى المخيم وتجعله مطلوبا للعدالة اللبنانية بعد ان بات رقما صعب في مخيم المية ومية واضحى الامر والنهائي فيها .

فانصار الله اضحت الجماعة التي تحدد وترسم سير المخيم بظل ضعف الفصائل الاخرى في هذا المخيم الصغير، وبحسب مصدر مسؤول قال:" انه في اجتماع الفصائل والقوى الاسلامية والوطنية الفلسطينية الذي في حصل في السفارة الفلسطينية حاول المجتمعون مناقشة موضوع مخيم المية مية، فكان رد انصار الله من خلال ممثله في الاجتماع محمود حمد "بأننا لم نأتي الى الاجتماع لمناقشة موضوع المية ومية وإذا كان ذلك ناقشوا الموضوع بدوننا".

تجدر الاشارة الى ان بلال بدر هو قائد مجموعة من المجموعات الاسلامية التي تنطوي في اطار الشباب المسلم والتي تتخذ الاسلام المتطرف وجها لها. وبلال شاب في العقد الثالث من العمر له علاقته القوية مع الشباب الفلسطيني ابن حي صفوري من يعرفه لا يقول عنه متطرف بل انسان عادي حتى شكله لا يدل على ذلك، لكون بلال ملتح ويترك شعره الطويل الذي تغنى به لسنوات بحسب اقوال ابناء المخيم، و يتميز بوقفه ساعات امام المرآة لتسريح شعره، ويضع مادة "الجال" عليه، لكنه فجاة اضحى اسلاميا متطرفاً وهو لم يدخل الى سورية او العراق ولم يحارب في اي مكان تنتشر على ارضه الثورة الخضراء .

لكن الخلاف الشخصي الذي حدث بينه وبين بعض شباب المخيم المنتميين الى مجموعات اللينو دفعت به لكي يكون المطلوب الاول للعادلة اللبنانية و الهروب والاحتماء بالإطراف الاسلامية التي جعلت منه قائدا ميدانيا يملك ارتباطاً قوياً ببعض قيادة القوى الاسلامية الاخرى التي مدته بدورها بالمال والعتاد والتجهيز والسلاح نظرا لشجاعته وقدراته العالية، ولتاثيره على العديد من الشبان في المخيم .

"الثأر" هو الذي قسم ظهر البعير بينه وبين قوات اللينو ، و ما ساعد على فتح جبهة لاتزال معاركها مستمرة معهم. لكن مع تجميد عمل العميد اللينو بحركة فتح وسحب الصلاحيات الفتحاوية منه جعلته يتريت في المواجهة،ما دفع بهذه القوى الى توجيه الصراع للنيل من الكوادر الفتحاوية . فكان طلال الاردني هو الهدف هذه المرة .

وطلال الاردني هو عقيد بحركة فتح له صلاته الواسعة مع الكوادر الفتحاوية ومع اللينو تحديدا وتنتشر كتيبته في مقابل منطقة بلال بدر لذلك كان هدفهم الجديد ولكونه كان من الداعمين للعميد اللينو في معاركه العسكرية التي كان يشنها ضد المطرفيين الاسلاميين. فالمعركة تصفية للحسابات الشخصية اولا وإضعاف مواقع عدائي لهؤلاء المتطرفيين. على الرغم من شن المعركة ضد كتيبة طلال الاردني كانت الكوادر الاخرى عاجزة من مساندة طلال وكتيبته. ان الظهور الكثيف للمقنعين في زواريب المخيم يعود اساساً الى المساندة التي تلقاها بلال بدر من القوى الاسلامية المتطرفة بوجه كتيبة شهداء شاتيلا، ولأن غياب اللينو وعناصره عن مسرح المواجهة الماضية ساعدت بلال بدر اكثر في التمادي والتفرد في القتال لكون جماعة اللينو معروف عنها بشراستها وقدرتها القتالية العالية وتدريبهم الجيد وسلاحهم الفتاك،اضافة الى علاقتهم المميزة مع قائدهم اللينو ابن حي صفوري حيث منشأ بلال بدر ايضاً، مما يؤمن له دعما مناطقياً وعائلياً في معركته، وفرض شروطه المحمية بتركيبة المخيم الهجينة . لقد تمادت القوى الاسلامية من استثمار هذا الحدث والخروج للعلن على كونها هي المنقذ وقوى تمتلك القدرات الشعبية والسياسية ، فالقوة الخاصة التي كانت تساند بلال بدر في عمليته العسكرية هي انصار الله ، وهذه القوة لها علاقة متينة مع بلال بدر والقوى الاسلامية الاخرى نتيجة علاقاتها السابقة بالتدخل الى مناطق العراق عن طريق سورية والتي كانت جماعة انصار الله طريقها ،اضافة الى كون ابن جمال سليمان شهيد في العراق وربطته علاقة وطيدة مع هذا الشباب المسلم مما ساعد جمال سليمان على اختراقها والتغلغل في قلب هذه القوى الاسلامية المتطرفة وفرض شروطه عليها، وبالتالي هذه فإن القوى التي تتصارع مع حركة فتح تحاول ان تبني خلفها جدار من الامن تحت ستار القضية الفلسطينية.

الخروقات اليومية التي تمارس في المخيم هي من سيجعل الاهالي يدفعون الثمن الباهظ . مشهد سريالي بات يسيطر على المخيم: " اتفاقات واجتماعات تهدئة ، اغتيالات تفجيرات واشتباكات بين القوى المختلفة. الاهالي يستنجدون بالجيش من اجل الدخول الى المخيم لوضع حد لحالة الفلتان الموجودة، تحسباً من اعادة تكرار تجربة مخيم نهر البارد .

الجميع يلعب بالنار على حساب امن المخيم، وكأنه بات حقل تجارب وتصفية حسابات للقوى والإطراف، او اشبه بصندوق بريد للمشاريع وعرض عضلات غير آبهة بوضع المخيم ،في ظل غياب لمرجعية سياسية وعسكرية فعلية تعنى بحماية المخيم واهله،وتحافظ على امنه وتمنع العبث الحاصل بلا اي مسؤولية.. على الرغم من توقيع المبادرة الفلسطينية الشهر الماضي، والتي تبنتها كل الفصائل الوطنية والفلسطينية والإسلامية لترتيب البيت الفلسطيني الداخلي في الحفاظ على امن المخيمات، حيث باتت تلك القوى تشعر بان الامن بات مطلباً شعبياً للجميع، وانها معنية بالمضي بهذه الخطوة او عليها القيام بها ، لكن الامن "بالتراضي" لا يمكن ان ينجح، كون هذه الحالة لا تزال تفرض نفسها ما ينتج عنها عدم الاستقرار والهدوء الذي يعلو صوته حينا بعد حين نتيجة مصالح خاصة لقوى وإطراف مرتبطة بأجندة خارجية ،وهذه الاطراف غير معنية بالهدوء والأمن او بما يحصل داخل المخيم .

جميع سكان المخيم يتحدثون عن الفراغ السياسي الذي تعاني منه المخيمات بسبب غياب المرجعية السياسة والرسمية، وهذا الغياب هو من يفرض هذه الفوضى والعبثية التي تمارس ضد ابناء المخيمات الفلسطينية وتحديدا في مخيم عين الحلوة .

الاشتباكات اليومية والخلافات المستمرة بين ما يسمى "قوى الشباب المسلم" وبعض الاجنحة في حركة فتح ، حيث ان الخلاف اصبح محكوماً بالعلاقات العائلية والمناطقية بين ابناء المخيم ويتحول تدريجيا الى خلافات تسيطرعليها الاجندات السياسية والمحاور الاقليمية .

العملية التصفوية التي تشن ضد كتائب من حركة فتح التي تتهم بعدائها للإسلاميين المتطرفين تهدف بالأساس لاضعاف قوة حركة فتح تدريجيا لكونها القوة الاقوى والأقدر على الوقوف بوجه الجميع، نظرا لما تتمتع به من مخزون شعبي وقدرات عسكرية وشعبية في المخيمات ،ولكن القوى الاسلامية المتطرفة تحاول اضعاف الحركة عبراستنزافها واستغلال الخلافات الداخلية العميقة بين الاجنحة السياسية للحركة والتي تترك اثارها على القوة العسكرية للحركة ،اضافة الى ترهل الحركة عبر إبعاد العديد من الكوادر العسكرية عن الواجهة نتيجة التركيبة العسكرية الهشة وهذا ما تقوم ايضا باستغلاله تلك القوى .

من جهتها، تحاول حركة فتح الانفتاح على القوى الاسلامية في محاولة للتقرب منها والحفاظ على علاقة جيدة معها واعطائها بعض الصلاحيات وعدم السماح بالصراع الفلسطيني الداخلي وتعمل هذه القوى على استغلال المواقف لمصالحها الخاصة من خلال البروز السياسي التي تكتسبه من حركة فتح بتشريع نفسها كقوى رسمية قادرة على العمل السياسي والشعبي الى جانب فصائل منظمة التحرير الفلسطينية .

القوى الاسلامية المعتدلة التي تظهر نفسها على انها صلة الوصل مع القوى الاسلامية المتطرفة و لها القدرة على ضبطها والسيطرة عليها هي نفسها متورطة بدعمها لهذه القوى نتيجة لاستغلال حالة هشة تساعدها على الاستقطاب الشعبي والسياسي داخل المخيمات الفلسطينية بظل الفورة الاسلامية والتطرف الديني المتشدد .

لكن حركة التحرير الوطني الفلسطيني"فتح" هي من تدفع فاتورة الخلافات اليومية بظل نمو الحركات الاسلامية المتطرفة على حسابها حيث تستنزف رصيدها الشعبي والسياسي .

ان مجزرة مخيم المية والمية في 7 نيسان الماضي التي ارتكبتها مجموعة "انصار الله بقيادة "جمال سليمان " والتي مرت مرور الكرام دونما التوقف امامها فلسطينياً والمطالبة بالتحقيق الفوري بهذه الجريمة وإحالتها للقضاء المختص لإقفال الباب امام الخروقات الاخرى ، التي كانت الشرارة الاولى و ساهمت بخرق الهدنة الامنية وإفشال المبادرة الفلسطينية من خلال الاغتيالات المتبادلة التي طالت مسؤول جماعة "الاحباش" في المخيم عقلة عرسال، واغتيال محمد خليل ابن شقيقة محمد الشهابي "امير جند الشام" ومرافقه الخاص،وصولا الى اغتيال علاء حجير عضو مجموعة "بلال بدر" المتشددة والتي ادت الى اندلاع اشتباكات عنيفة بين جماعة بلال بدر وكتيبة شهداء شاتيلا في حركة فتح بقيادة العقيد طلال الاردني ،حيث استخدمت فيها الاسلحة الرشاشة والمتوسطة لأول مرة بتاريخ الخلافات الفلسطينية الداخلية، ما دفع الى طلب وقف اطلاق النار عبر مكبرات المآذن واشتغلال هذه الحالة من النداءات والاستغاثة رحمة بالمخيم وسكانه خوفا من كارثة قد ترتكب بحق ابنائه، مما دفع بخروج تظاهرة كبيرة لأول مرة تحاول التصدي لهذا الفلتان والعبث الامني الذي يشهده المخيم .

لقد كانت حركة فتح بعيدة عما جرى، ولم تتحرك الكتائب الاخرى التي حاولت النأي بنفسها عن الاشكال في محاولة لتبرير على انه خلاف خاص بين جماعة طلال الاردني وبلال بدر ، وهذا ما دفع بالقوى الاسلامية الى استغلال الموقف والخروج مع الجمهور المعترض في الشارع ، الذي فرض على القوى المتحاربة وقف فوري لاطلاق النار وبعد تشكيل قوة امنية من الاسلاميين("حركة انصار الله ،عصبة الانصار،الحركة الاسلامية المجاهدة ") وانتشرت في في مسرح الاشتباك بين حي الطيرة وسوق الخضار ومسجد الفاروق عمر بين الخطاب في الشارع الفوقاني من المخيم لمنع اي خرق وتحصين وقف اطلاق النار .

لقد غاب دور فتح النهائي عن المسرح وتخلت عن مسؤوليتها السياسية والوطنية واطلقت بعض التصريحات والبيانات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، تاركة المجال بذلك امام القوى الاسلامية لكي تلعب هذا الدور، و تميز دور الداعية الاسلامية وقائد الحركة الاسلامية المجاهدة وامين سر الفصائل الاسلامية الشيخ جمال خطاب بالخروج امام المتظاهرين والوقوف معهم ورفع شعار" بأنه لن يعود الى المنزل اذا لم تتوقف الاشتباكات حتى لو بات في الشارع"، مشددا على تفعيل دور القوة الامنية وان تلعب دوراً حاسماً وجدياً لمنع تكرار هذا الامر .لكن موقف فتح المنقسم والمتشابك لم يكن بارزاً وبقي محصورا بموقف قائد الامن الوطني الجنرال صبحي ابو عرب الذي اعلن بان امن المخيم وأهالي المخيم هو مسؤولية الجميع ،والجميع يستحق ان يعيش بأمن دون العبث بأمنه والذي يخدم العدو الصهيوني.وبالرغم من الهدوء "الاصطناعي" الذي فرض على المخيم لكن النفس لم تهدأ والنار لاتزال تحت الرماد.

لكن فتح اخفقت من جديد بالامساك بالمبادرة وتطويق الحادثة والسيطرة عليها عبر تعزيز موقفها واستعادة دورها المفقود الذي يتضاعف امام القوى الاسلامية المتشددة على حسابها وبالتالي عدم دعم كادرها وتحصين موقع مقاتليها حسب الاية القرانية التي تقول" انصر اخاك ظالما او مظلوما" وهذه المناصرة لم تاتي لطلال الاردني بغض النظر ذا كان محقا او صائبا ،لن فتح من يقرر ذلك ، وبالتالي هذا الضعف والارتباك في حركة فتح يدل على غياب القائد الفعلي في الساحة الفلسطينية التي يمكنه تولى المبادرة ،وهذا ما سوف يشجع القوى المتطرفة بضرب كوادر الحركة والتطاول عليهم من قبل مجموعات وشراذم صغيرة قد تعكس سلبيتها على هذه الكوادر التي تحس نفسها مهانة وضعيفة وغير محمية من قبل قيادتها مما يجعلها ان ترمي بندقتها وتقف تتفرج على ما سيحدث في المخيم دون اخذ زمام المبادرة والتوجه نحو الحسم بطريقتها الخاصة، وربما الحالة الليبية هي الدرس او العبرة في عملية الحسم اذا امكن.