السعودية ومقعدها في مجلس الأمن.. مسرحية هزلية
تاريخ النشر : 2013-10-25 00:00

فوجئت كغيري بموقف مملكة آل سعود من اختيارها عضواً لمدة عامين في مجلس الأمن الدولي ممثلة عن قارة آسيا، ومكمن المفاجأة كان في الأسباب التي أعلنتها وسائل الإعلام السعودية ودفعت المملكة لرفض المقعد بعد أن جرى انتخابها لشغله من بداية العام القادم 2014 وحتى نهاية العام الذي يليه 2015.

إن سعي المملكة لشغل المقعد منذ فترة ليست بالقصيرة كان لافتاً لدرجة أن هناك من توقع إقدامها على شرائه من إحدى الدول الآسيوية التي يجري انتخابها عن القارة كل عامين، بل لقد قيل أنها طلبت من لبنان التخلي لها عن المقعد حين شغلته، ومن هنا التساؤل بعد انتهاء مفعول المفاجأة ما الذي استجد لتتخذ السعودية هذا الموقف وما هي الاسباب الحقيقية لذلك؟

قبل الاجابة عن هذه التساؤلات وغيرها لابد أن نذكر أن دول مجلس التعاون الخليجي أعلنت تأييدها لقرار السعودية، وانفردت الكويت بدعوتها المملكة السعودية لإعادة النظر بقرارها رفض المقعد وأن وجودها بمجلس الأمن ربما يكون أجدى مع تقديرها للاسباب التي أبدتها السعودية للرفض على حد تعبير وكيل وزارة الخارجية الكويتي.

إن تطبيل وتهليل بعض الدول وبعض الأقلام للموقف السعودي مفهوم وخلفيته باتت معروفة وهي تتعلق بشكل رئيسي بحجم الدعم المالي الذي تقدمه السعودية لهؤلاء دولاً وأفراداً، غير أن هذا لا ينفي وجود مؤيدين للرفض السعودي على خلفية الأسباب التي ذكرتها المملكة في نقدها لمجلس الأمن وتقصيره في حق القضية الفلسطينية وتعامله بمعايير مزدوجة مع حقوق الدول والشعوب التي تزعم المملكة أنها تدافع عنها، وهو كلام حق أريد به باطل.

إن ظلم الأمم المتحدة للشعب الفلسطيني قديم جداً، أما المعايير المزدوجة فكانت على الدوام الحكم والموجه لسلوك وسياسات الدول الحليفة لمملكة آل سعود ومن لف لفها في الوطن العربي ولم يقتصر الأمر على هذا بل تعداه لاستخدام حق النقد الفيتو في مجلس الأمن عشرات المرات على امتداد عمر النكبة الفلسطينية من جانب أمريكا التي تقدم كل الدعم للعدو الاسرائيلي ولم تهتز شعرة من رأس أي ملك أو امير من تلك الممالك والامارات. إن المظالم التي ألحقتها أمريكا بشعبنا العربي على امتداد الوطن العربي لا حصر لها رغم أن حلفاءها من آل سعود وغيرهم من العائلات الحاكمة في الخليج قدموا للولايات المتحدة كل أسباب القوة والتحكم في مصير المنطقة ونفطها وكل ما يمكنها من إحكام الطوق حول الاتحاد السوفييتي السابق لتشكل في النهاية أحد أهم ركائز انتصار المعسكر الرأسمالي الامبريالي في الحرب الباردة.

الأسباب التي تكررها السعودية بلا حياء لرفض المقعد خصوصاً ما يتعلق منها بفلسطين والمعايير المزدوجة لمجلس الأمن ودوله دائمة العضوية تحول المسرحية التي أعدتها السعودية لإبهار العالم بفرادة موقفها أو "شجاعته" إلى مسرحية هزلية ممجوجة ومكشوفة.

هناك جملة من التطورات والتوازنات على الساحة الدولية أرغمت أمريكا على سلوك طريق لا يتوافق مع سياسة المملكة السعودية ونظيراتها في الخليج وهذه التطورات يمكن تلخيصها في عناوين محددة هي: 1- التراجع عن ضرب سورية والاتفاق على جنيف 2 دون شرط استبعاد الرئيس الأسد أو رحيله. 2- الموافقة على مبادرة نزع الكيماوي والاشادة بموقف سورية وتعاونها مع الأمم المتحدة في هذا المجال. 3- التأكيد بشكل لا لبس فيه على الحل السلمي للأزمة السورية في الوقت الذي تقوم فيه المملكة بتسليح قوى المعارضة والارهابيين من قوى السلفية الوهابية على أمل إسقاط النظام أو تقسيم البلاد. 4- التقارب مع ايران وبدء الحوار من أجل عودة العلاقات بين البلدين لحالتها الطبيعية والمرونة الأمريكية الظاهرة تجاه الملف النووي الايراني الأمر الذي أثار حفيظة المملكة وتخوفاتها. 5- الفيتو الروسي والصيني المتكرر للجم اندفاع الغرب الرأسمالي وعلى رأسه أمريكا لتشريع ضربة عسكرية لسورية أو التدخل العسكري الخارجي لاسقاط النظام ورضوخ أمريكا لهذا الواقع أغضب آل سعود ومعهم الصهاينة من الموقف الأمريكي. 6- التوافق بين الدول الكبرى حول جملة الملفات المتعلقة بأمن المنطقة وترتيبات المرحلة المقبلة في غياب الجامعة العربية ودول النفط التي اعتقدت انها أحكمت الطوق حول قرارات الجامعة والسياسات العربية بالعموم لتكتشف أن حلفها مع الولايات المتحدة كان دائماً في خدمة الأخيرة وليس مصالحها.   

اذن هناك ما يجب أن ننبه له الحليفة الكبرى أو الأم الحنون التي أدارت ظهرها لصغارها في المنطقة وجعلتهم كالأيتام، ولما كانت السعودية لا تمثل الا بيدقاً بيد أمريكا فإن هذا البيدق لا يستطيع أن يجاهر بعدائه أو اعتراضه على مولاه وسيده فماذا يفعل؟ يقوم بافتعال قضية لها صدى إعلامي كبير يحتج من خلاله على قيادته. في إطار البحث عما ترد به مملكة آل سعود صفعات أمريكا لها ولمن تمثل فقد وجدت أن مسرحية رفض مقعد مجلس الأمن هو الأفضل والذي يجنبها المواجهة المباشرة "لنصرة قضايا الأمة العادلة كقضية الشعب الفلسطيني و لاتهام أمريكا بممارسة المعايير المزدوجة" في ظل التطورات التي أشرنا لها.

إن الفرقعة الاعلامية التي افتعلتها السعودية والدخان المتطاير من البيانات العنترية والصخب الدائر من بعض المرتزقة حول الرفض السعودي لمقعد مجلس الأمن لن يحجب الرؤية عن الناس ولن يعميهم عن الأسباب الحقيقية لهذا الموقف الجبان والمخادع، هذه الحقيقة التي تقول أن آل سعود قد أزعجهم بل وأرعبهم التقارب الأمريكي الإيراني، وبنفس القدر الانتصار السياسي الذي حققته سورية بدعم روسيا وتراجع أمريكا، كما أقلقهم اتفاق روسيا مع أمريكا وحلفائها الأوروبيين على الحل السلمي للأزمة السورية، أما القضية الفلسطينية فهي آخر ما يقلق آل سعود، وهذه حقيقة وتاريخ لا يمكن محوه من الذاكرة.

[email protected]