امرأة في لحظة باهره "قصه قصيره " محمد جبر الريفي
تاريخ النشر : 2014-04-14 01:29

وحيده بكل خفاياها تقف على الرصيف ترتدي

معطفا طويلا أسود وتضع على راسها منديلامن القماش الآسود وتحمل بيدها حقيبه ايضا سوداء تسرح في الفضاء والغيم الماطر من تحت حاجبين مقطبين وتبقى مع الحرقه الجائره والوجع الابدي ...لوقت طويل وهو يتامل من نافذته الصغيره تلك المرأه المتسربله بالسواد مثقل الرآس يجول باصابعه الطويله في شعره المنبوش وجهه الكبير واعضاء جسمه الشقيله لكن هياج الطبيعه قد اختفى من عينيه اللتين ظلتا تعكسان نوعا من الفضول فنظر اليها نظرة متأمله محطما هواجس ضجره اليومي ولم تكن قد تحركت بعد ...حنانيك يا زهرة الارض بيني وبينك شوق قديم تمر بك الريح غضبى وانت ما زلت صامده مع الوحده والغضب متوتره بين الحزن والقهر ..كان همسه لنفسه جميلا فلم تسمع الريح صوته ولا هي احست به وما بينهما مسافه قصيره ..خطوه يا زهرة الارض واقترب اليك مع الطيور سائلا ..كانت المدينه تئن بين الحين والاخر تحت هجمة الريح البارده فتتلوى من جرائها كل الطرقات والازقه وكان هو وراء زحاح نافذته يداعب قسوة الطبيعه يبحث في الاشياء عن وهجه الخاص اغلق النافذه ومضى مع الريح بثيابه الانيقه ينشد اللقاء الباهر الشعور بالفضول يتضخم في نفسه فيدفعه بالقرب منها ..احست به فقالت ..لماذا اتيت ايها الرجل ؟

فيحيب بهدوء اطباء النفس : في علاقتي مع الناس أحذر السقوط في عاطفة الشفقه ؛ فتزوي عينيها الواسعتين دلالة على الغضب وتقول : الى هذه الدرحه تراك تشفق علي ؛ فلم يرد بشيء ظل صامتا منصرفاـ عنها لكن وجه دلال الذي له لون الشمس يراه في تلك اللحظه يملاْ الاْفق يلوح له من بعيد كضياء الفجر يعلو فوق الجبال والبراري والمدن الغافيه ، منذ وقت طويل وهو يبحث عنه ، كان يرى فيه دومـا حجارة هذه الارض ، قامتها الفارهه ايضا ووحهها الابيض المستدير المليء بالغضب ، ليس ثمة امراْه عرفها في حياته خيرا من دلال ..والحق ان العمليه البطوليه الحريئه التي قامت بها تجعلها على نفس مستوى الرجال العظام الذين قرا’ عنهم ، يومها نشروا لها صوره كبيره في الصحف ....بقى كذلك محترقا خافض الرآس، الشوق والهوى والرغبه القاهره في اطالة اللقاء الباهرحضوره يثقل عليها ، كانت على وشك ان تقول له آذهب واتركني حين بادرها بالقول : ان جميع حجارة هذا الوطن تقطر بالالم ، فتح عينيه أكثر مستمتعا باللقاء الباهر فرأى في عينيها نظرة غائمه تكشف في بياضها الازرق عن عروق حمراء دقيقه ، تزوي ما بين عينيها مرة أخرى وتظل منصرفه عنه ..."عمري خمسة وثلاثون عاما ، قضيتها في الطهو والنوم ، أنجبت اطفالا وغدا يكبرون ، منذ ثلا ث سنوات استشهد زوجي أسعد ، أسعد كان اسكافيا فقيرا يجلس كل يوم تحت شحرة الزيتون ، وحهه الاسمر المنقوع بالشمس وعيناه المليئتان بالتمرد والآصرار ولم يكن يهتم بشيئ اكثر من اهتمامه بالاولاد ، كنت أمنعهم من الخروج الى الشوارع اثناء المواجهات مع المستوطنين والجيش وحين يجيب عن شكواي منهم يضحك بصوت عال ويقول : أتركيهم يا امرأه ..لا تخمدي نيران الكره تجاه المحتلين في قلوبهم ..

اللقاء الباهر يتواصل ، يقترب من عينيها اللتين غيبتهما عن المكان ذكرى الشهيد أسعد ، يبصر عن قرب توهجهما بالحزن ..لكن أسعد ظل زيتونه مغروسه في الارض ..كانت الريح قد عادت تلفح سائر الطرقات حين سمعت اصواتهم المجنونه ...اما هو فما زال واقفا يبحث قي عينيها عن وهجه الخاص ..هاجمه السؤال الصارخ وكان وجه الجندي الصهيوني كئيبا وأملس : هل تنتظر أحدا ؟ أ غفى عن االسؤال قليلا واقترب منها أكثر ، أحست بكتفه يلاصق كتفها، لكن فمها لم يعد يخرج منه أي صوت ، لم تكن تحس في تلك اللحظه الا بدفء هذا الكتف الذي أضجى مرفأ للامان فأجاب على سؤال الجندي بعد اعياء : أجل أنتظر وقوف العاصفه يا خواجه ..لقد سدت منافذ الطريق كما ترى ؛

الرياح قد هدأت وهو ما زال هائما ينتظر بشوق اللقاء الباهرونافذته الصغيره التي اعتاد ان يطل منها صبحا علمته أن المرأه التي حرقها نار الحزن والوجع لم تعد تبدو منتصبه على الرصيف ، لقد مضت مع الريح واختفت ...كلما ضاق ذرعا من ضجره الابدي حضن تلك النافذه الصغيره يبلع الهواء التي تحركه نسمات البراري البعيده اه يا زهرة الآرض جوادي لا يكل في البحث عنك ...ترى هل نلتقي مرة أخرى وفي لحظه باهره ؟

في ذلك اليوم من أوااخر شهر أذار مارس وكان الريح ما زال يهب هبوبا لعوبا سمع في الدرب هتافات فيهتف معهم من قلبه المسكون بالعشق : تعالي أيتها المرأه من هذه الارض التي يملؤها الخصب ...انني انتظرك ..كم تمنى ان تكون زهرة الارض هناك ، أخذ يسير عبر شوارع الصخب والدخان فتختلط عليه الاصوات والآعمار والآلوان وعندما أنبثقت أمامه فجأة كضياء الغسق كان رأسها الحميل ما زال مغطى بالقماش الآسود ..بين الخطوات والهتافات يندفع فأ خذت المسافه التي تفصله عنها تضيق ..."مرحبا بك أيتها المرأه القادمه مع الريح المتوهجه عشقا للوطن ...مرحبا بك يا زهرة الآرض المتقدمه معنا احتفالابذكرى يوم الآرض .."

كان على وشك ان يلامسها بكتفه العريض حين دوت طلقات متتابعه من الجندي الصهيوني ، وفي اللحظه التي اعقبت ذلك كانت الحجاره والريح والدم الطاهر الذي ينزف غزيرا من الرأس الجميل الذي يميل ببطء على الجسم الدقيق .