خيار الدولة الديمقراطية الواحدة مرة أخرى !
تاريخ النشر : 2014-04-08 02:36

كان الميثاق الوطني الفلسطيني ينص على ضرورة الكفاح حتى تحرير فلسطين وإقامة الدولة العلمانية الديمقراطية لجميع مواطنيها، ولم يتم تبني خيار الدولتين على أساس إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 إلا في العام 1974 " دورة القاهرة " حيث طرحت الدولة الفلسطينية المستقلة ضمن حدود 1967 كحل مرحلي ريثما يتم التمكين للشعب الفلسطيني ويتمكن من تحرير باقي فلسطين التي تم اغتصابها بالقوة عام 1948.

لكن إسرائيل التي فهمت جيداً معنى " الحل المرحلي " قامت بالالتفاف على هذا الحل من خلال اجتياح أراضي الضفة بالمستوطنات، كما قامت بتهويد القدس ( عاصمة الدولة الفلسطينية )، كما أنها تخطط لتهويد الأغوار بدواع وذرائع أمنية، ثم كان أن قبلت إسرائيل اتفاقاً مرحلياً من نوع آخر، يخلصها من أحداث الانتفاضة الأولى ومن الاحتكاك مع المناطق ذات الكثافة السكانية العالية التي تشكل عبئاً عليها، فكان اتفاق أوسلو الذي قسم المناطق المحتلة جغرافياً ( غزة والضفة ) إلى ثلاث أجزاء هي أ، ب، ج حيث المناطق أ هي المدن والمخيمات المزدحمة بالسكان وهي المناطق الخاضعة " شكليا " للسيادة الفلسطينية. المنطقة ب سيادة مشتركة ولكن بقي منطقة مهمة جداً وهي المنطقة ج التي تنفرد دولة الاحتلال بالسيطرة عليها، وهي المناطق الأوسع جغرافياً، وقد استغلت إسرائيل اتفاق أوسلو كغطاء للاستيطان الذي تضاعف عشرات المرات منذ تطبيق الاتفاق.

ما حدث أن السلطة قد تسلمت المدن والمناطق الفلسطينية إدارياً فقط فيما ظلت السيادة الحقيقية على المعابر إسرائيلية بالكامل ! إسرائيل منذ 1994 وهي تختفي خلف هيكل السلطة من أجل تكريس الفصل العنصري للفلسطينيين ضمن كانتونات معزولة متناثرة. مخطط الفصل هو فكرة عنصرية خبيثة روج لها اليسار الصهيوني " حزب العمل "، ثم اتفق اليمين الصهيوني كله على اقتراح الأردن كوطن بديل، ومع تصاعد وتيرة العنف أثناء الانتفاضة الأولى كانت تنتصر فكرة الفصل على الضم إلى أن قرر حزب العمل إعطاء حكم ذاتي محدود لمنظمة التحرير على المناطق المزدحمة فيما احتفظت إسرائيل بالأراضي الحكومية الفارغة لأجل توسيع الاستيطان ومضاعفته بأقصى سرعة ممكنة.

ومن أجل تكريس الفصل العنصري، يوافق الآن اليسار الصهيوني على إقامة دويلة فلسطينية على حدود 1967 ولكن وفق الشروط التالية:

1 – الاحتفاظ بالأغوار

2 – الاحتفاظ بالتكتلات الاستيطانية الكبرى تحت السيادة الإسرائيلية ( 50% من الضفة )

3 - الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح.

4 – الاحتفاظ بالقدس موحدة عاصمة للدولة العبرية.

إن المتأمل خيراً في اليسار الصهيوني هو كمن يطلب الدبس من مؤخرة النمس كما يقول المثل الفلسطيني، فالدولة الفلسطينية التي تتحدث عنها تسيبي ليفني لن تكون إلا أبارتهايد ومعازل، ولن تكون قابلة للحياة وهذا أخطر ما في الموضوع بل حلقة ضمن استراتيجية للتهجير الطوعي، فالمطبلون لإقامة الدويلة الفلسطينية المنقوصة السيادة والهامشية الموارد يتقاضون من السلطة راتب مدير عام أو وكيل وزارة ( وهؤلاء بالمئات )، لكن ما مصير خمسة ملايين لاجيء يعيشون في غزة والضفة ولبنان والأردن وسوريا والشتات ؟؟

 قبل فترة وجيزة قام أحدهم بالترويج لكتاب من تأليفه في صفحته على الفيس بوك، عنوانه " الاقتصاد السياسي للدولة الفلسطينية " ! تساءلت بصدق، أين هي الدولة وأين هو الاقتصاد ؟؟! من السهل على فئة المستفيدين من دويلة الكانتونات والأبارتهايد أن يكذبوا وأن يتحدثوا عن اقتصاد كاذب مضلل، وبنظرة موضوعية صادقة على الأحوال الاقتصادية في الضفة وغزة سنجد ما يأتي:

• رواتب السلطة تدفعها أمريكا والدول المانحة وإسرائيل.

• رواتب حماس تدفعها قطر.

• رواتب الجهاد الإٍسلامي تدفعها إيران.

• رواتب وكالة الغوث تدفعها أمريكا والدول المانحة.

• ميزانيات الـ NGO s تدفعها الدول الأوروبية.

كما نرى فإن الشعب الفلسطيني برمته يعيش على الصدقات والمعونات والتبرعات والقروض، فهل حقاً لدينا إمكانيات دولة مستقلة ؟؟! وهل نصدق وجود اقتصاد فلسطيني يمكنه أن يجعل الدولة قابلة للحياة ؟؟ أم لعل البعض يعتقد أن العالم في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة سيظل يتحمل الإنفاق على شعب كامل غير منتج ؟؟!

وثمة ملاحظة شديدة الأهمية، وهي أن قوى التطرف الديني في إسرائيل تعتقد جازمة أن الضفة الغربية أراض توراتية، لهذا يوجد شك في أن إسرائيل ستنسحب منها يوماً، بل إن الواقع يؤكد أن إسرائيل قد ابتعلت فعلياً جميع أراضي الضفة الغربية الخصبة والصالحة للزراعة !!

نحن في الواقع نعيش ضمن أبارتهايد مغلق جواً وبراً وبحراً، وإن حاجة إسرائيل للسلطة إنما هي حاجتها لغطاء يبرر لها احتلالها واستيطانها. الأفضل هو حل السلطة والتوجه للأمم المتحدة والعالم بطلب إقامة دولة ديمقراطية واحدة لجميع مواطنيها.

كثيراً ما أفكر، لماذا تراجع مانديلا عن الكفاح المسلح وهو داخل السجن ؟؟! ولماذا لم يطالب بدولة مستقلة للسود مقابل دولة البيض العنصرية ؟؟! إن النموذج الذي تبناه نيلسون مانديلا حقق انتصاراً باهراً لقيمة وجوهر الإنسان، فقد بحث عن المساواة في الحقوق والواجبات، ولم يبحث عن رئاسة أبارتهايد ومنصب مدير عام أو وزير في ظل استمرار التفرقة العنصرية، ولم يفكر في إنشاء شركات احتكارية تفقر الناس ( كما الاتصالات والجوال لدينا ) .. لقد صمم مانديلا على محاربة العنصرية، والعنصرية هي معتقدات شوفينية مؤسسة على كومة من الأساطير المختلقة كالتي أتى بها النازيون سابقاً. نحن الفلسطينيون نعاني عزل عنصري داخل أراضينا التي حرمنا منها، نعاني الفقر والتشرد والحرمان والبطالة والانفجار السكاني، في حين ينعم اليهود بمساحات واسعة من الأرض الخصبة ومصادر المياه العذبة. نحن نعيش داخل أبارتهايد عنصري أقامه اليهود لنا، ونحن ساعدناهم على فكرة الفصل والعزل من خلال تبني نهج عنيف لتحرير فلسطين. لقد توصل اليهود إلى استنتاج مفاده أن الفلسطينيين يريدون قتلهم جميعاً من خلال العمليات ضد المدنيين التي يصنفها القانون الدولي إرهاباً .. كذلك إسرائيل والعصابات الصهيونية مارست التطهير العرقي والقتل والإرهاب على نطاق واسع، وبدا الأمر وكأنه صراع تناحري لأسباب دينية، فلسطين إما لنا وإما لهم، نحن أو هم، نريد دولة مستقلة بجانب دولتهم، نحن هنا وهم هناك، ليحتفظ كل منا بمعتقداته حول أحقية الملكية وليستعد إلى الجولات القادمة من العنف.

حل الدولتين يقوم على أساس الفصل العنصري، واستحالة التعايش بين الشعبين على الأرض الواحدة، حالة من الأحقاد والكراهية تعززها سرقة الأرض التي تقوم بها جرافات اليمين الصهيوني بدعوى أن الأرض توراتية !! هل حقاً أن هناك إلهاً يعطي أرض كانت للكنعانيين منذ 6300 عام ليعطيها لشعب اختلق الرواية واختلق القومية ، في حين أن المعتقدات لا تشكل عرقاً ولا قومية إلا في الحالة اليهودية ؟؟! جدير بالذكر أن مركز أبحاث بريطاني أشار قبل فترة إلى أن البحث في الأصول الوراثية لليهود الأشكناز يوضح بأن أصولهم أوروبية وليست شرق أوسطية كما تزعم الرواية الصهيونية !

المشكلة بين الشعبين معقدة جداً في الظروف الحالية، إذ يوجد أجيال إسرائيلية ولدت هنا في فلسطين ولا يعرفون وطناً غيرها، فهم ليسوا ذلك الاستعمار الذي ينطلق من وطن وقومية ثم يعود إليها. هم ليسوا كالاستعمار الفرنسي في الجزائر أو البريطاني في الهند، بل هم قوم يحملون رواية نعتبرها نحن خرافية، ولكن لماذا نرفض " يهودية " الدولة في حين نتقبل " إسلامية " إيران والسعودية ؟؟!

في الحقيقة أن الدول والشعوب التي نهضت وتقدمت وحققت قفزات كبيرة في مجال الرفاه والضمان الاجتماعي، هي تلك الدول العلمانية التي فصلت الدين عن الدولة، المعتقدات الصهيونية هي التي دفعت بجولدشتاين إلى قتل المصلين في الحرم الإبراهيمي وهي التي دفعت العصابات الصهيونية إلى ارتكاب مذبحة دير ياسين أو إلى قصف منزل عائلة الدلو أو منزل عز الدين أبو العيش أو عائلة السموني أو غيرهم من الأبرياء، كما أن العقائد الدينية لدى الفلسطينيين هي التي دفعت للانتقام بقتل المدنيين الإسرائيليين، أي أن القتل والقتل المضاد كان يتم على الأرجح انطلاقاً من عقائد دينية، وليس لأن أرض فلسطين لا تتسع للشعبين معاً !!

قدمنا عشرات الآلاف من الضحايا والأسرى والأيتام والمعاقين والأرامل واليتامى ولم تتحرر فلسطين .. نعيش داخل أبارتهايد مغلق براً وبحراً وجواً، يعاني 75 % من الشعب الجوع والفقر والبطالة، لكن أصبح لدينا سلطتين أفرزتا طبقة من المستفيدين وأصحاب الامتيازات والرواتب الضخمة والكروش المتدلية .. أصحاب السيارات الفارهة والجيبات الفخمة والفيلات الراقية التي لا تنقطع عنها الكهرباء .. الانتفاضة الأولى أحضرت لنا اتفاق أوسلو الذي شكل غطاءا أمنياً للاستيطان والتهويد والفصل العنصري .. والانتفاضة الثانية أحضرت لنا الجدار والمعازل والحصار .. أين نحن الآن ؟! نتساءل بكل صراحة ماذا فعلنا بأنفسنا ؟! لنتأمل التكاليف التي دفعناها من أجل القيام بانتفاضات وثورات فاشلة:

أولاً: 120 ألف عامل حرموا من أرزاقهم داخل الخط الأخضر دون التفكير في بدائل اقتصادية لهم أو لأسرهم .. فجاعوا وعانوا الفقر والبطالة والحرمان !

ثانياً: أكثر من 50 ألف عامل خياطة كانوا يعملون في مصانع لحساب شركات إسرائيلية أصبحوا بلا أي مصدر رزق وأحياناً بلا مأوى !

ثالثاً: عشرات مصانع الخيرزان ومناجر الأثاث التي كانت تصدر إنتاجها لإسرائيل أغلقت أبوابها وبذلك تشتت آلاف العمال وأغلقت آلاف البيوت !!

رابعاً: مصانع ثلاجات العرض التي كانت تصدر إنتاجها لإسرائيل توقفت عن العمل !!

خامساً: حمامات الزراعة التي كانت تصدر الورد والزهور والخضار للسوق الأوروبية عبر وسطاء إسرائيليين توقفت عن العمل وبذلك فقد آلاف المزارعين فرص عملهم وتشردت آلاف الأسر !!

ورغم كل هذا الدمار والنهج الانتحاري على حساب قيم الإنتاج والعمل والرغبة في الحياة وما قدمه الناس من تضحيات جسام .. رغم كل هذه الكوارث .. لم تتحرر فلسطين كما أوهمونا، بل أصبحنا أبعد ما نكون عن التحرير !!

مطلوب قليلاً من الضمير وبعضاً من العقل .. لكي نتمكن من الخروج من النفق المظلم الذي أقحمنا فيه المغامرون الطيبون وهواة العنف والتفجير .. إذا كان هدف الحصول على دويلة فلسطينية خلف الجدار منزوعة السلاح منقوصة السيادة تعيش على المعونات والصدقات وقروض البنك الدولي ( وهو هدف سلطة أوسلو / كم يبلغ راتب صائب عريقات ؟؟؟ ) .. في حين أن الاقتصاد الفلسطيني ما قبل الانتفاضة كان بواسطة إسرائيل جزءاً من الاقتصاد الأوروبي، فإن المطلب الوطني والإنساني في هذه الظروف يقضي بضرورة حل السلطة والتخلي عن وهم الدولة والعودة من ثم إلى مربع ما قبل أوسلو .. واقعياً غزة والضفة تحت الاحتلال وما زلنا تحت الاحتلال بالكامل، فما هي فوائد وجود سلطتين تحت الاحتلال تعقدان معه التفاهمات والتنسيقات الأمنية والهدنة الطويلة ؟؟! أليس امتلاك الجرأة لحل السلطة والعودة إلى ما قبل أوسلو هو الخيار الأمثل للشعب الفلسطيني في هذه الظروف ؟؟؟

 

 سياسياً .. هذه ليست دعوة للتعايش مع الاحتلال كما قد يفهم البعض عن سوء نية .. بالعكس .. بزوال سلطة أوسلو سوف تزول اليافطة التي تختفي خلفها إسرائيل، وتصبح إسرائيل في مواجهة شعب كامل موجود على الأرض ويطالب ( سلمياً ) بالحياة ضمن دولة واحدة بحقوق متساوية رغماً عنهم .. والعالم كله سوف يساندنا كما سبق وساند السود في جنوب أفريقيا بقيادة مانديلا وقام بفرض المقاطعة على حكومة التفرقة العنصرية إلى أن سقطت إلى غير رجعة، وعلى الرئيس عباس أن يمتلك شجاعة القرار في إنهاء مهزلة وجود سلطة تختفي خلفها إسرائيل لتمارس نهب الأرض والاستيطان والحصار والقتل، وتمارس القوى اليمينية نهج تزوير الواقع والتاريخ وهوية الأرض لصالح مشروع استعماري إحلالي لا يفكر إلا بتهجيرنا عن فلسطين على المدى البعيد !! ( أحزاب الترانسفير أصبحت تحصل على مقاعد في الكنيست ! )

أخيراً، علينا ألا نفقد الأمل في الإنسانية وقيم الحداثة والتقدم والتعاون والإخاء، فثمة دول كثيرة متقدمة جداً تتكون شعوبها من عدة قوميات، فمثلاً دولة الاتحاد السويسري تتكون من ثلاث قوميات هي الألمانية والفرنسية والإيطالية هذا خلاف القادمين من دول الاتحاد الأوروبي بسبب غناها وتقدمها، وقد حصلت مدينة زيورخ السويسرية على لقب أفضل مدينة في العالم للعيش فيها لثمانية سنوات متتالية ! رغم التعدد القومي في سويسرا إلا أنها تعتبر من أرقى وأغنى دول العالم، وبالتالي فإن التفكير في خيار الدولة الواحدة الثنائية القومية هو الخيار المنطقي والعقلاني والإنساني بعيداً عن خرافات قديمة حان وقت مراجعتها !