«شكراً قطر»... «السعودية إلى اللقاء»... و«خوش آمديد»
تاريخ النشر : 2013-10-21 09:35

بعض العرب ما زال يسأل: هل ستُعقَد صفقة أميركية - إيرانية أم لا؟ وإلى أن ينضج اقتناع هؤلاء بأنّ عناصر الصفقة مكتملة، منذ سنين، ستكون إيران قد ربطت مياه الخليج بالمتوسط!
السعودية في قمّة الغضب، فهي أدركت أنها ضُرِبت من بيت أبيها. وربما وصلت إلى مسؤوليها معلومات أو تحليلات أخطر من تلك المعلنة، والمتعلقة بتسوية النووي الإيراني على طريقة الكيماوي السوري:

الأميركيون، برغبة إسرائيلية، سيَقبلون بإطلاق يد إيران في الشرق الأوسط. وسيكون الثمن الذي يُحصِّله الإسرائيليون هو: ضمان أمنهم على الحدود مع سوريا كما مع لبنان، وإضاعة الملف الفلسطيني تماماً، وإضعاف القوى العربية السنّية، وفي مقدّمها السعودية.

وأمّا الملف النووي فلا يخيف الإسرائيليين كثيراً، ولم يكن للأميركيين في أيّ يوم توجُّه حقيقي إلى ضرب المنشآت الإيرانية. وسيعالَج الملف بهدوء. وفي أيّ حال، يقدّم الأميركيون والبريطانيون تقارير مفصّلة إلى الإسرائيليين، تِباعاً، عن نتائج محادثاتهم النووية، التي يُفترض أنها "سرية"، مع الإيرانيين في جنيف.

وتلتقي المخاوف السعودية مع ما يتداوله محلّلون غربيون عن فرصة تاريخية يَغتنمها الإيرانيون كي يفرضوا نفوذهم على دول عربية عدة:

- في لبنان، يكرِّس "حزب الله" إمساكه القرار، وهذا يعني أن المحكمة الدولية ستتأخّر أيضاً، ومع تأخُّرها قد "تطير" حلقات أخرى بعد اللواء الركن جامع جامع والذين سبقوه. والإمساك بالقرار يعني أيضاً أن لا الحكومة ولا المجلس النيابي ولا رئاسة الجمهورية، ستقوم خارج إرادة "الحزب".

- في سوريا، سيفرض الرئيس بشّار الأسد نفوذه على بقعة حيوية على الأقل، بما فيها العاصمة، تمهيداً لتسوية تُحدَّد خطوطها العريضة لاحقاً، وبناء على اتفاقات إقليمية - دولية شاملة تراعي أساساً رؤية إسرائيل لمستقبل المنطقة.

- في العراق، تثبيتٌ لنفوذ رئيس الوزراء نوري المالكي. علماً أنّ أهمية دولة العراق لا تكمن في كونها منطلق النفوذ الإيراني نحو الغرب فحسب، بل أيضاً في كونها المتراس القادر على محاصرة الخليج.

فإذا تحقّقت السيطرة في الدول الثلاث، تكون إيران قد مدّت نفوذها بلا انقطاع جغرافي حتى المتوسط، أي حققت "الهلال الشيعي". وستكون ممالك الخليج وإماراته ودُولهُ محاصَرةً بإيران والعراق، ومخروقة شيعياً من داخلها. وهذا ما سيترك تداعيات سريعة على دوَل كالبحرين والكويت والسعودية واليمن.

وأمّا قطر، التي لطالما كانت الأقرب إلى إيران، والتي تقيم ارتباطات مثيرة للجدل مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، فتُراجِع حساباتها. وثمّة معلومات عن دورها في التقارب الأميركي - الإيراني، لعلّ ذلك يؤمّن لها الحماية إزاء الاستحقاقات المنتظرة.

وهذا الموقف القطري يَستفِزّ السعوديين. وقد تلقّف الإيرانيون توتر العلاقات بين الجارتين الخليجيتين ليصطادوا في الماء العكر، ووجّهوا رسالة إلى الرياض بعدم مشاركة رئيسهم حسن روحاني في مراسم الحجّ.

والنفور السعودي - القطري يُسَعِّر الصراع بين أجنحة المعارضين للأسد، ويكرّس التقاسم لمناطق النفوذ بين القوى المحلية المعارضة، من درعا على الحدود الجنوبية إلى الحدود الشرقية والشمالية.

ويسرّب البعض أن إيران ستستغلّ الفتور السعودي - الأميركي، واستغناء واشنطن عن النفط السعودي نسبياً بعد عثورها على بدائل. وستحاول إيران إضعاف الدور الإقليمي للسعودية. ويخشى البعض إشغال السعودية وأخواتها الخليجيات بأوضاعها الداخلية.

إنها صورة قاتمة في نظر السعوديين. ولأنهم أدركوها أخيراً، جاء موقفهم الاعتراضي صادماً في نيويورك. لكنّ الاعتراض ربما تأخر. فحتى اليوم، هدَرَ السعوديون سنوات، وهم يراهنون عبثاً على استيعاب إيران وكسب ودّها ومحاولة فكّ ارتباط الأسد و"حزب الله" بها.

ففي لبنان، دفعت السعودية بالرئيس سعد الحريري إلى تسويات الـ"سين سين"، وزيارته "السوريالية" للأسد. واليوم، تحتضن السعودية 14 آذار وتحمي الحريري، ولكنها لا تمتلك المخارج، بل النصائح بالمراهنة على الوقت.

ولاحقاً، إذا صحّت التحليلات بتشديد القبضة الإيرانية على دول عربية، قد يرفع السعوديون شعار "السعودية أولاً"، فيعملون على حماية أنفسهم ومصالحهم، قبل حماية أيّ كان. وهذا سيكون مصيرياً لـ14 آذار والمعارضة السورية.

إنه زمن الصفقة. وهي تُتَرجَم بـ"صفقات فرعية" في لبنان وسوريا والعراق والخليج، وبينها الإفراج عن مخطوفي أعزاز. فأقطاب الصفقة هم: إيران، أي "حزب الله" والأسد، وتركيا وقطر. ولا دور فيها للسعودية.

وعلامات التقدير التي نالها القطريون في الضاحية الجنوبية مَحت جزءاً من ذاكرة المعارك والشتائم المتبادلة، والمتأتية من "المرحلة السورية". ولمَع شعار "شكراً قطر"، المولود هناك بعد حرب 2006... كما لمَع في 2005 شعار: "شكراً سوريا"، فردَّ آخرون: "سوريا إلى اللقاء".

الإتجاه الظاهر اليوم هو: "شكراً قطر"، و"السعودية إلى اللقاء"... وما بينهما "خوش آمديد".

إنها الصفقة المعقّدة... والمعقودة ضمناً، وبنودها ستنكشف تباعاً. لكن المؤكد أنّ اهتزاز الحصانة السعودية ستكون له ارتدادات استراتيجية لا يتسِع لها خيال الكثيرين، من المتوسط اللبناني - السوري إلى الخليج العربي - الفارسي.

عن الجمهورية اللبنانية