بلاغ إلى جماهير الشعب الفلسطيني
تاريخ النشر : 2014-03-08 13:28

في خطوة غير مسبوقة إرتكب الرئيس محمود عباس فعل هو الأول من نوعه في الحياة السياسية الفلسطينية بحق العشرات من موظفي قطاع غزة العاملين في الأجهزة الأمنية، حيث قام بترقين قيودهم تحت عنوان " مخالفة السياسة العامة للدولة" بعد سلسة من التهديدات التي أطلقها أعضاء من لجنة فتح المركزية أثناء زيارة نظموها مؤخراً إلى قطاع غزة، وأثاروا خلالها عاصفة من الخلافات التنظيمية داخل حركة فتح، ووجهوا إساءات لدول عربية شقيقة طالما ساندت نضال الشعب الفلسطيني ووقفت إلى جانبه في مختلف الأزمات السياسية والإقتصادية.

مخالفة "السياسة العامة للدولة" مصطلح جديد أستحدث دون أن يعلم أحد ما هي تلك السياسة ومن يقررها في النظام السياسي الفلسطيني، وإن كانت هذه البدعة الجديدة التي يختبرها الآن مع معارضيه في حركة فتح سيتم تجربتها لاحقاً على بقية معارضيه من القوى والأحزاب الفلسطينية وحتى مع من هم خارج المنظمات السياسية دون أي مصوّغ قانوني .

أبو مازن خرج عن التقاليد الفلسطينية في معالجة الشأن الفلسطيني الداخلي أكثر من مرة خلال فترة حكمه للفلسطينيين، مكرساً نهجاً لا مثيل له من التعسف في إستخدام سلطاته بعد أن أضعف وغيّب معظم المؤسسات الفلسطينية عن صناعة القرار، وفي المقدمة منها المؤسستان التشريعية والقضائية، ليعطي نفسه صلاحيات مطلقة يتصرف من خلالها كما يحلو له، لضمان مصالحه الشخصية مع مجموعة من المستفيدين من كل خلاف فلسطيني أي كان نوع هذا الخلاف.

منذ سبع سنوات قام أبو مازن روّج أكذوبة أن قطاع غزة يستهلك نصف موازنة السلطة، والإيحاء المستمر أن غزة عبء إقتصادي على الموازنة العامة، وابتدع قانون "التقاعد المبكر" ثم صادر العلاوات الخاصة بموظفي قطاع غزة، ولم يعالج مشكلة متفرغي السلطة الذين حرى توظيفهم في العام 2005، واستثنى أسر شهداء الحرب على غزة من مستحقاتهم المالية، واغلق باب التوظيف نهائياً أمام أبناء قطاع غزة، وغيرها من خطوات بشكل تزامنت مع تقليصات على مختلف النفقات الصحية والتعليمية والخدمية المقدمة إلى قطاع غزة تارة تحت ذريعة الإنقسام وأخرى لأسباب العجز المالي الذي تمر به السلطة، وفي حقيقة الأمر أن عين عباس وخطته كانت بإتجاه تصفية أي علاقة مالية مع قطاع غزة وهذا ما أعلن عنه أكثر من مرة نافذين مقربين منه في السلطة الفلسطينية وبعض أعضاء اللجنة المركزية من حركة فتح القائمين على تسهيل تمرير سياسات محمود عباس.

تأتي هذه الإجراءات في وقت قامت به وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأنروا" بقطع المساعدات كانت تقدمها لآلاف الأسر الفلسطينية، وأقدمت المنظمات الأهلية على إنهاء مهام العشرات من موظفيها، وفي ظل عجز مالي تواجهه الحكومة المقالة في قطاع غزة، بعد تصريحات لمسؤولين أممين أن "غزة لم تعد مكاناً صالحاً للعيش" حيث الفقر المدقع والأزمات المتكررة في الكهرباء والمياه والسكن والتعليم والصحة مطالبين المجتمع الدولي بضرورة توفير إغاثات متواصلة تساهم في وقف التدهور الحاصل لحياة السكان فيها بعد أن تعرضت لحصار طويل وحربين تركاها في كارثة إنسانية يصعب تجاوزها في ظل إنقسام فاقم من كارثية هذه الأوضاع الإنسانية والإقتصادية، ليقفز إلى الذهن تساؤل مشروع لماذا تجري كل هذه الأحداث في قطاع غزة بالذات، وهل ما يجرى متفق عليه لتهيئة الظرف أمام مجهول قادم، وما هو تفسير الصمت العالمي عن مأساة أكثر من مليون وثماني مئة ألف فلسطيني دون مبادرة من أي جهة كانت لتقوم بتخفيف حدة معاناة الناس، بل كان ملاحظاً أن بعض المحاولات تم إفشالها كمحاولة حل مشكلة الكهرباء.

الإجابة لا تحتاج إلى جهد لإكتشافها في ظل مفاوضات سياسية تدور بعيداً عن الإجماع الوطني والعربي معضلتها الأساس قضية اللاجئين الفلسطينيين، وهذا ما يفسر الإستهداف المباشر لقطاع غزة بإعتباره أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين، وما يمثله من ثقل وطني وكفاحي قادر على إفشال أفكار التوطين تسربت عن خطة وزير الخارجية الأمريكي "جون كبيري" ومهد لها الرئيس عباس أثناء إجتماعه مع عدد من الطلاب الإسرائيليين منتصف شهر فبراير الماضي، وبالتالي فإن صناعة مأساة في غزة مهمة منظمة ومقصودة هدفها دفع السكان لقبول خطة الإستسلام التي يروج لها كيري وتلقى قبولاً عند أطراف فلسطينية من أصحاب فكرة المفاوضات مهما بلغت التنازلات.

لا يمكننا فصل ما يجري في قطاع غزة عن مجمل الحالة التي تتعرض لها بقية تجمعات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وسوريا، فالمشهد هناك أكثر مأساوية، ولعلّ القصور الواضح في حل مشكلة حصار مخيم اليرموك وحماية لاجئيه من الموت اليومي، والتخلي عن اللاجئين الذين شردوا مرة أخرى جراء المعارك في سوريا يبرهن بما لا يدع مجالاً للشك لما يحاك في جلسات المفاوضات بشأن قضية اللاجئين.

لن تتوقف عملية الإستهداف المالي بحق الموظفين من أبناء قطاع غزة وستتواصل معه الضغوطات والإقتصادية على أبناء الضفة الغربية في ظل التلويح الدائم بعجز مالي ستواجهه السلطة في حال فشل المفاوضات، وستترافق مع تمريرات سياسية كتلك التي أـطلقها الرئيس مع وفد الطلاب الإسرائيليين الذين إلتقاهم قبل شهر تقريباً وأثلج صدورهم بعدم نيته إغراق إسرائيل بخمسة ملايين لاجئ فلسطيني، أو قبول أطراف فلسطينية لفكرة "يهودية دولة إسرائيل" كما تم الإستسلام لواقع بقاء 80% من المستوطنات مقامة على أراضي الضفة الغربية، سيتم الإستغناء التدريجي بشكل منظم ليطال آلاف الموظفين لأسباب مختلفة، وربما يشمل موازنات لفصائل فلسطينية معارضة لعملية المفاوضات لإجبارها على قبول " خطة كيري" أو لجم قدرتها على الحركة الفعلية لمعارضة هذه الخطة وإفشالها.

ليس غريباً كل ما يجري، فالقائد المهزوم يتصرف بمسلكيات شاذة في الدفاع عن موقعه وموقفه، وفريق الهزيمة سيقوم بمحاولات تحويلها إلى "إنتصارات"، أو تبريرها "بالتكتيك" وسيستمر في صناعة وهم "معركة صمود" التي يخوضها القائد والدعوة إلى حمايته وإسناده من جماهير الشعب الفلسطيني إلى يحدث التغيير المتوقع ويطاح بكل هذه "الحالة الوثنية" التي أضرت بشعبنا ومصالحه الوطنية وفقدت شرعيتها الثورية والقانونية والأخلاقية.