عقيدة أوباما السياسية
تاريخ النشر : 2013-10-18 09:10

أعاد الخلاف الأخير بين أوباما وبوتين حول الاستثنائية الأميركية إحياء نقاش مستمر حول عقيدة أوباما السياسية: هل يحوّل الرئيس مساره باتجاه سياسة الانعزال السياسي؟ أم أنه سيرفع بفخر راية الاستثنائية؟

والحال أن نطاق النقاش أضيق مما يبدو عليه، فثمة أمور مشتركة كثيرة تجمع بين الموقفين، وفقاً لما كشفه بوضوح هانز مورغنثاو، مؤسس مدرسة العلاقات الدوليّة «الواقعية» الطاغية الآن والقائمة على الابتعاد عن العواطف. في أعماله، يصف مورغنثاو الولايات المتحدة بأنها فريدة بين كل القوى الماضية والحاضرة، بمعنى أن لديها «غرضاً سامياً» عليها أن «تدافع عنه وتروّجه» في أرجاء العالم، ويقوم على «إرساء المساواة في الحرّية». ومن المعلوم أن مبدأي «الاستثنائية» و«الانعزالية» المتنافسين يقبلان بهذه العقيدة وبتوضيحاتها المتعددة، إنما يختلفان بشأن تطبيقها.

وفي الخطاب الذي وجّهه أوباما إلى الأمة في 10 سبتمبر، دافع بضراوة عن أحد النقيضين قائلاً، «إن ما يجعل أميركا مختلفة، وما يجعلنا استثنائيين» هو أننا ننكبّ على التصرّف «بتواضع، إنما بعزم»، عندما نرصد انتهاكات في مكان ما. «طوال سبعة عقود تقريباً، عملت الولايات المتحدة على إرساء الأمن العالمي»، وهو دور «تخطى معناه بكثير التوصل إلى اتفاقيات دولية، وأشار إلى ضرورة تطبيق تلك الاتفاقيات».

أما عقيدة «الانعزالية» المنافسة، فتفيد بأنه ما عاد بإمكاننا تكبّد تكاليف تنفيذ المهمّة النبيلة التي تقضي بالتهافت لإخماد الحرائق التي أشعلها الآخرون. وهي تأخذ على محمل الجد ملاحظة تحذيرية صدرت منذ عشرين عاماً عن توماس فريدمان عندما قال «إن السماح لمبدأ المثاليّة بالاستحواذ بشكل شبه كلّي على سياستنا الخارجية» قد يدفع بنا إلى تجاهل مصالحنا الخاصة، وسط تفانينا لتلبية حاجات الآخرين. وبالتالي، يدور النقاش محتدماً حول السياسة الخارجية بين هذين النقيضين.

وثمّة مراقبون في الكواليس يرفضون الافتراضات المشتركة، مستشهدين بسجل الأحداث التاريخية: فيذكرون مثلاً كون الولايات المتحدة قادت العالم «على امتداد سبعة عقود تقريباً»، لاجئة إلى العنف والتدمير ومطيحة بحكومات منتخبة، وفارضةً أنظمة ديكتاتورية شرّيرة، ومقوّضةً اتفاقيات دولية، ومخلّفةً دروباً من الدماء، والدمار، والبؤس.

وقد وفّر مورغنثاو إجابة لهذه المخلوقات الضاّلة. وبصفته باحثاً جدّياً، أقرّ بأن الولايات المتحدة انتهكت باستمرار «غرضها السامي».

لكنّه شرح قائلاً إنّ التطرّق إلى هذا الاعتراض هو «استعادة للخطأ الذي ارتكبه مذهب الإلحاد، الذي ينكر مصداقية الدين بالارتكاز إلى الأسس ذاتها»، علماً بأن الغرض السامي للولايات المتحدة هو «الواقع»، بينما السجل التاريخي الفعلي مجرّد «انتهاك للواقع».

وبالمختصر المفيد، تُفهم «الاستثنائية السياسية الأميركية»، و«الانعزالية» عموماً على أنهما نسختان تكتيكيتان متفاوتتان لديانة علمانية، ذات وطأة كبيرة فعلاً.

ويعرب آخرون عن العقيدة بفظاظة أكبر. وقد استحدثت جين كيركباتريك، إحدى سفيرات ريجان إلى الأمم المتحدة، طريقة جديدة لتحوير الانتقادات التي تطال جرائم الدولة. ومن لا يريد غضّ الطرف عنها اعتبارها مجرّد «أخطاء» و«سذاجة بريئة»، فيمكن أن توجه إليهم تهمة «التكافؤ الأخلاقي»!وهي وسيلة باتت مستخدَمة على نطاق واسع منذ ذلك الحين لوقاية السلطة من التدقيق. حتى أن العلماء الجديين يلتزمون بما سبق. وبالتالي، وفي الإصدار الحالي لمجلة «التاريخ الدبلوماسي»، يدرس الباحث جفري إنغل معنى التاريخ بنظر صنّاع السياسات. ويذكر إنغل فيتنام، مشيراً إلى أنه «رهناً بالقناعات السياسية الشخصية»، يقوم الدرس إما على «تجنّب الرمال المتحرّكة التي يمثّلها التدخل المتزايد (الانعزالية)، أو على الحاجة إلى منح القادة العسكريين حرية العمل بغياب أي ضغط سياسي». وتواصل حصيلة الوفيات الفيتنامية ارتفاعها حتى اليوم، بسبب الحرب الكيميائية التي أطلقها كندي.

وثمّة «إقناع سياسي» قابل للتصوّر، يتمثل بالغضب الذي يقرر الأميركيون إظهاره عندما تحتل روسيا أفغانستان، أو عندما يعمد صدام حسين إلى غزو الكويت.

وتقضي إحدى آليات الحماية الذاتية بالتحسّر لتداعيات عجزنا عن التصرف. وبالتالي، يستنتج ديفيد بروكس، في سياق تفكيره المتكرر عن انجراف سوريا في فظائع «تذكّر برواندا»، أن المسألة الأعمق تتمثل بالعنف بين السنة والشيعة، الذي يمزّق المنطقة إرباً إرباً. ويُعتبر هذا العنف شهادة على «فشل الاستراتيجية الأميركية الراهنة التي تقضي بالانسحاب بلباقة»، وعلى خسارة ما أطلق عليه غاري غرابو، المدير السابق لمكتب الشؤون الخارجية في وزارة الخارجية الأميركية، «النفوذ المهدّئ للقوات الأميركية».

وقد تستذكر الأطراف التي لا تزال غارقة في وهم «انتهاك الواقع» أن العنف بين السنّة والشيعة نتج عن أسوأ جريمة تعدٍّ خلال الألفية الجديدة، متمثلة بغزو الولايات المتحدة للعراق. إلى ذلك، حريّ بالأطراف التي ترزح تحت عبء ذكريات أوسع نطاقاً أن تستذكر أن محاكمات نورمبرغ قضت بإعدام المجرمين النازيين شنقاً، لأنه ورد، وفقاً للقرار الصادر عن المحكمة، أن التعدّي القائم هو «الجريمة الدولية العظمى التي لا تختلف عن جرائم الحرب الأخرى إلا بكونها تضم في صميمها الشر المتراكم من العالم أجمع».

ويشكّل النوع عينه من التحسّر موضوع دراسة نالت رواجاً كبيراً وأعدّتها سامانتا باور، سفيرة الولايات المتحدة الجديدة لدى الأمم المتحدة، بعنوان «مشكلة من الجحيم: أميركا وعصر الإبادة»، تكتب فيها عن جرائم الآخرين وعن ردّنا غير المتكافئ. وهي تكرّس جملة لإحدى القضايا القليلة التي يمكن فعلاً تصنيفها كإبادة جماعية خلال العقود السبعة المذكورة، وتتمثّل بالاجتياح الإندونيسي لتيمور الشرقية عام 1975، فتفيد بأنه من المأساوي أن تكون الولايات المتّحدة قد «غضّت الطرْف عنها».

أمّا دانيال باتريك موينيهان، الذي سبقها في منصب السفير لدى الأمم المتحدة في مرحلة الغزو، فرأى الأمور بطريقة أخرى. وفي كتابه «مكان خطير»، وصف بفخر كيف جعل الأمم المتحدة «منعدمة الكفاءة إلى أقصى الحدود بالنسبة لأي إجراءات كانت قد قرّرت اعتمادها» لوضع حد للاعتداء، لأن «الولايات المتحدة أرادت أن تصل الأمور إلى ما آلت إليه».

وبالفعل، منحت واشنطن الضوء الأخضر للإندونيسيين، ووفّرت لهم تجهيزات عسكرية فتّاكة. وكذلك، منعت مجلس الأمن من التصرّف.

غير أنّ ذلك كلّه مجرّد انتهاك للواقع. وإلى جانب كون استمراره سهلًا، يُعتَبر أيضاً عديم الجدوى. ولا شكّ أنّ بروكس محقّ بالإصرار على ضرورة أن تتخطّى نظرتنا الأحداث المريعة التي نراها أمامنا، وأن نتمعّن في إجراءات أكثر عمقاً، وفي الدروس المستنبطة منها.

وفي هذا السياق، ما من مهمة أكثر إلحاحاً من تحرير أنفسنا من العقائد التي تحكم برمي أحداث التاريخ الفعلية في بحر النسيان، ما يعزّز بالتالي الأساس الذي نستند إليه للإقدام على المزيد من «انتهاكات الواقع».

*أستاذ اللغويات في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا ومفكر أميركي بارز

ينشر بالاتحاد الاماراتية بترتيب مع خدمة «نيويورك تايمز»