التقدير الفلسطيني المطلوب
تاريخ النشر : 2014-02-17 12:01

ثلاثية شلومو ساند، أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة تل أبيب: 1 – اختراع الشعب اليهودي، 2- اقتراع أرض إسرائيل، 3- كيف لم أعد يهودياً ؟؟، أضافت إلى المكتبة العبرية، والعربية والعالمية فهماً جديداً، ورؤية نقيضة بالكامل للفكرة الصهيونية التضليلية في قراءة التاريخ، وفي نسف المشروع الاستعماري الصهيوني الإسرائيلي برمته، مثلما أضاف كتاب إيلان بابيه وثيقة منهجية عن عمليات التطهير العرقي التي مارستها الفصائل والمنظمات الصهيونية اليهودية ضد الشعب العربي الفلسطيني ونكبته العام 1948 وما قبلها وما بعدها لجعل فلسطين مكاناً أمناً، وقاعدة عسكرية، وأداة أيديولوجية ضد عودة الفلسطينيين إلى بيوتهم ومدنهم وقراهم التي طردوا منها، وإسكان مهاجرين أجانب مكانهم، ومن خلالهم وبواسطتهم قيام دولة إسرائيل على أنقاض الشعب العربي الفلسطيني وتشرده، وحرمانه من حقه في تقرير المصير، وبما يتعارض مع قرارات الأمم المتحدة التي أقرت هذه الحقوق، وطالبت باستعادتها له.

مشروع شلومو ساند، عبر كتبه الثلاثة، مشروع يعتمد المهنية والتدقيق وسير الواقع المصحوب بالشجاعة السياسية، والرؤية الحادة الواضحة لتفريغ أساس المرتكزات الصهيونية وفضحها وتعرية أدواتها وبرنامجها وأهدافها.

وأضاف كتاب ماكس بلومنتال، الكاتب الصحافي اليهودي الأميركي "جالوت" وثيقة إدانة عبر مشاهداته الحسية وقراءته الواقعية، للاحتلال الإسرائيلي وممارساته، فاضحاً قيمه العنصرية وسلوكه الاحتلالي الكولونيالي، والفاشي للمجتمع الإسرائيلي ضد الشعب العربي الفلسطيني، سواء في مناطق 48 أو مناطق 67، ما يشكل هذا كله ظاهرة علمية أكاديمية مهنية سياسية من قبل قطاع من اليهود ومن الإسرائيليين، رفضوا الصهيونية ومشروعها الاستعماري وأدواتها التوظيفية، وامتلكوا المصداقية وكانوا أكثر شجاعة في رفضهم لإسرائيل وانحيازهم لفلسطين، من كتاب عرب ومسلمين ومسيحيين، وفي بعض الأحيان أكثر من قطاع من المثقفين الفلسطينيين وأكثر وضوحاً في تحديد أولوياتهم.

لم يكن لأي فلسطيني أو عربي أو مسلم أو مسيحي، فضل على إيلان بابيه أو شلومو ساند أو ماكس بلومنتال، لدفعهم حتى يكونوا في المواقع المتصادمة مع المشروع الاستعماري التوسعي الصهيوني الإسرائيلي اليهودي، بل إن دوافعهم الأخلاقية، وامتلاكهم لأدوات المعرفة، وحسهم بالمسؤولية، وتوظيفها في رفض التضليل الصهيوني، والتعاطف نحو المعاناة الفلسطينية، ما يستوجب حالة من الاهتمام الفلسطيني والعربي والإسلامي والمسيحي بهؤلاء وتكريمهم وتشجيعهم ليكونوا في الأماكن التقديرية الواجبة التقدير والاحترام لهؤلاء، أمام "اليونسكو"، أمام الأمم المتحدة، أمام مؤسسات أكاديمية، للحصول على شهادات التقدير، والأوسمة الأخلاقية والمعنوية التي يستحقونها.

ما قدمه هؤلاء إضافة إلى الوقائع اليومية التي يكتب عنها جدعون ليفي وعميرة هاس، يجب أن تدفع الرئيس الفلسطيني، عبر محمد المدني مفوض العلاقات مع مؤسسات المجتمع المدني الإسرائيلية، وقادة الفصائل اليسارية والقومية الفلسطينية كي يستضيفوا هؤلاء ويكرموهم بما يليق بهم كبواسل شجعان يقفون في الخنادق الأمامية ضد الاحتلال وضد الصهيونية وضد المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي، بل ويقفون في خنادق القتال السياسي والأخلاقي لمصلحة الشعب العربي الفلسطيني وإبراز معاناته وعدالة قضيته، إن هؤلاء وأمثالهم من اليهود والإسرائيليين هم الذين يستطيعون إعطاء المصداقية لتطلعات الشعب العربي الفلسطيني ويحمون قضيته ويؤكدون عدالتها وديمقراطية نضالها.

هؤلاء وأمثالهم لا ينتظرون الشكر والعرفان، ولكن الواجب علينا كفلسطينيين وعرب ومسلمين ومسيحيين أن نقدم لهم واجبات الامتنان لما فعلوه، ولما يمكن أن يفعلوه.