معهد واشنطن: قطع المعونة عن مصر خطأ استراتيجى سيكلف أمريكا كثيراً
تاريخ النشر : 2013-10-14 18:53

أمد/ واشنطن: أصدر معهد واشنطن ورقة بحثية للباحث الشهير إيريك تريجير بشأن قرار الإدارة الأمريكية القطع الجزئى للمساعدات عن مصر. وقال «تريجير»: إن قطع المعونات هو اقتراح يعود بالخسارة على الجميع وسيكلف واشنطن نفوذاً كبيراً داخل مصر دون تحقيق أى مكاسب، سواء للجيواستراتيجية الأمريكية أو لآفاق الديمقراطية فى مصر، وهو خطأ لا مبرر له إلى أبعد الحدود، وإن دعوات قطع المساعدات العسكرية فى أعقاب عزل محمد مرسى تعكس سوء فهم جوهرى لما حدث فى مصر فى الصيف الماضى.

وأضاف الباحث: «الحديث عن أن الجيش عزل رئيساً كان قد انتُخب بصورة ديمقراطية عن منصبه هو غض للطرف عن حقيقة أساسية جداً هى أنه فى الوقت الذى خرجت فيه مظاهرات جماهيرية غير مسبوقة ضد حكم الإخوان فى 30 يونيو، كان «مرسى» رئيساً بالاسم فقط؛ فالإعلان الدستورى لـ«مرسى» من نوفمبر 2012، الذى وضع فيه قراراته فوق الرقابة القضائية، وتمريره السريع لاحقاً لدستور إسلامى والمصادقة عليه، قوّضا بشكل حاد من شرعيته الشعبية، وقلّصا الدعم الذى كان يتمتع به فى بلد يبلغ عدد سكانه 85 مليون نسمة، بحيث أصبح هذا الدعم يستند فقط على قاعدة «الجماعة» التى يبلغ عدد منتسبيها ما يقرب من 500 ألف عضو.

وتابع: قرار «الإخوان» إرسال كوادرهم لمهاجمة المحتجين بوحشية وتعذيبهم خارج القصر الرئاسى فى 5 ديسمبر الماضى دفع الكثير من المصريين إلى النظر إلى «الجماعة» -المنظمة التى كانوا قد انتخبوها قبل أشهر فقط- على أنها نظام فاشى ناشئ، ومنذ تلك اللحظة فصاعداً، أصبحت الاحتجاجات ضد حكم «مرسى» متكررة جداً ومزعزعة للاستقرار لدرجة أنه فى أواخر يناير الماضى فرض الجيش سيطرته على مدن قناة السويس الثلاث الكبرى بناءً على طلب «مرسى»، إضافة إلى تعيين «مرسى» ربما لآلاف الإخوان عديمى الخبرة تماماً فى مناصب تنفيذية عبر جهاز مصر البيروقراطى الضخم، ما قد حفّز قيام مقاومة كبيرة لحكمه داخل الدولة نفسها، وهو شىء أقر به المُعينون من قبل «الإخوان»، لكن بدلاً من محاولة بناء الإجماع داخل أجهزتهم البيروقراطية، حوّل وزراء «الإخوان» موارد الحكومة بدلاً من ذلك نحو المنظمات المنتسبة لتنظيم الإخوان، ما فاقم المقاومة لسلطتهم داخل أجهزتهم البيروقراطية، وبحلول 30 يونيو، قام ضباط بزيهم الرسمى من نفس قوة الشرطة التى دعمت ذات مرة هجوم «الإخوان» على المحتجين بالاحتجاج ضده، إلى جانب ملايين المصريين فى الشوارع، وبعد ذلك بوقت قصير بدأ وزراء «مرسى» الاستقالة من حكومته، وبعبارة أخرى، فقد «مرسى» السيطرة تماماً، وبرفضه التفاوض على حل سياسى للأزمة، وتفضيله الصريح للشهادة على السياسة، جعل إعادة بسطه للسيطرة أمراً مستحيلاً من الناحية الفعلية.

وأضاف «تريجير»: عندما يفقد رئيس دولة تضم 85 مليون نسمة، معظمهم فقراء، السيطرة على الأمور فلن تكون هناك نهايات سعيدة.

وأضاف «تريجير»، فى ورقته البحثية: حصل الجنرالات على ما أرادوا فى الواقع فى ظل حكم «مرسى»؛ فدستور «الإخوان» منح الجيش استقلالية غير مسبوقة فى شئونه الداخلية، بما فى ذلك سيطرته على الأصول الاقتصادية الكبرى، وأكد «مرسى» قبوله لاستثناء الجيش من الرقابة الديمقراطية فى أبريل، عندما غضّ الطرف عن تقرير رسمى يبرز انتهاكات الجيش فى السلطة عقب ثورة 25 يناير، وبعبارة أخرى، كان ذلك اتفاقاً جيداً للجيش، لكنه لم يكن قابلاً للاستدامة على الإطلاق؛ نظراً لأن «مرسى» فقد السيطرة على البلاد.

وتابع: رغم تردد الجيش فى عزل «مرسى» فإن قراره النهائى فى القيام بذلك وضعه فى مواجهة مباشرة مع «الإخوان».

وتابع: ليس بإمكان واشنطن أن تغير هذه الدينامية حتى لو أرادت ذلك؛ لأنه يستحيل فعلياً ممارسة النفوذ على فاعلين منخرطين فى صراع وجودى، كما أن سياسة الإدارة الأمريكية تجاه مصر منذ الإطاحة بـ«مرسى» عملت على تقويض نفوذها المحتمل بشكل أكبر؛ فمن خلال الإصرار على التفاوض بين الجيش و«الإخوان» وحتى تحقيق المصالحة بينهما، فإن الإدارة جعلت الجنرالات يخشون من أن يؤدى ذلك إلى الضغط عليهم وانتحارهم، ومن ثم فقدت الإدارة القدرة، على الأقل، على إحراز الهدف الأكثر تحفظاً وهو منع هجوم شامل لقوات الأمن على احتجاجات «الإخوان»، وفى الوقت نفسه، فمن خلال موقفها العلنى الملتبس بشأن عزل «مرسى»، فاقمت الإدارة من خوف المصريين من رغبة الولايات المتحدة فى أن تُحكم مصر من قبل «الإخوان»، ما يراه المصريون أكثر تهديداً بمراحل من الحكم العسكرى، إن قطع المعونات العسكرية الآن -بعد مرور يومين فقط من تلقى مصر 3 هجمات إرهابية- لن يعمل سوى على تعزيز تلك المخاوف، وسيعنى فقدان عامل مؤثر قد يكون بوسع الولايات المتحدة استخدامه فى المستقبل، عندما تكون البيئة السياسية فى مصر أكثر تقبلاً للضغط على البلاد فى اتجاه أكثر تقدمية. ينبغى الاطمئنان إلى أن تلك اللحظة آتية لا محالة، وإذا تعلمنا شيئاً عن مصر خلال العامين السابقين، فهو أن الأنظمة الناشئة حديثاً سرعان ما تفقد شعبيتها بمجرد أن تصبح أكثر استبداداً، ومثلما تحوّل العديد من المصريين ضد القادة العسكريين الذين تولوا الإشراف على البلاد فى فبراير 2011، ومثلما تمردوا ضد رئيس «الإخوان» الذى فاز فى الانتخابات الرئاسية فى يونيو 2012، من المرجح أن ينتفضوا قبل أن تمر فترة طويلة على النظام الحالى، لا سيما حيث يستمر الاقتصاد المصرى فى التعثر. وإذا كانت الولايات المتحدة ترغب فى استقرار مصر، فحينها سترغب واشنطن فى استخدام نفوذها لتشجيع الجنرالات على خفض تطلعاتهم السياسية والسماح لقيام المزيد من السياسات الشاملة والديمقراطية، لكن إذا قطعت الولايات المتحدة المعونة الآن، فلن تكون حينها قادرة على الدخول فى تلك المحادثات لاحقاً. كما أن ذلك سيضع التعاون العسكرى بين الولايات المتحدة ومصر فى مهب الريح وهو تعاون يمثل قيمة كبيرة للاستراتيجية الأمريكية فى الشرق الأوسط، التى تشمل حقوق طيران للولايات المتحدة فوق أراضيها والمرور التفضيلى عبر قناة السويس، ومن خلال الإبقاء فقط على ذلك الجزء من المساعدات المصمم لعمليات مكافحة الإرهاب ومراقبة الحدود، سوف تعزز الإدارة من التصور فى مصر بأن الهدف الرئيسى للمساعدات العسكرية هو الحفاظ على أمن إسرائيل، وأن واشنطن لا تهتم بشأن استقرار الأوضاع فى مصر.

وتابع «تريجير»: لم يكن قرار إدارة الرئيس الأمريكى باراك أوباما تعليق الكثير من المساعدات السنوية المقدمة لمصر، البالغة 1٫3 مليار دولار مفاجأة إلى حد ما؛ فالقانون الأمريكى ينص على قطع المساعدات عن الدول التى وقع فيها انقلاب، وكان عزل الجيش المصرى للرئيس محمد مرسى هذا الصيف هو بالضبط ما حدث، من الناحية التحليلية، إضافة إلى ذلك، فإن سلوك الجيش المصرى خلال الشهور الثلاثة التى مضت منذ الإطاحة بـ«مرسى» جعل مصر تنحرف تجاه حكم استبدادى مُعزّز من المستحيل تجاهله، فقد قُتل أكثر من 1000 شخص فى حملة القمع التى شنتها الحكومة المدعومة من قبل الجيش ضد الاحتجاجات المؤيدة لـ«مرسى»، كما يحاكَم الصحفيون الذين ينتقدون الجيش عسكرياً، ويرجح أن يمنح الدستور الجديد الجيش مزيداً من التحصينات ضد أى نوع من الرقابة المدنية.