ليالي التفاوض في جنيف
تاريخ النشر : 2013-10-14 11:27
تنعقد غداً الثلاثاء جولة جديدة من المحادثات بين إيران والدول الست الكبرى أميركا وفرنسا وانكلترا وروسيا والصين وألمانيا، في العاصمة السويسرية جنيف، للبحث في تسوية سلمية للملف النووي الإيراني. مرة أخرى تخطف إيران الأضواء، بحيث عاد الملف النووي الإيراني ليصبح في بؤرة المشهدين الإقليمي والدولي. تقدم جولة الغد التفاوضية فرصة ممتازة لإيران، كي تدمج الأفعال بالأقوال وتحافظ على الزخم الكبير الذي أحدثته زيارة الرئيس روحاني إلى الأمم المتحدة، وصولاً إلى إحداث اختراق جدي وكبير يسوي الأزمة، ويرفع عن كاهل اقتصادها العقوبات الاقتصادية الدولية. وفي الوقت ذاته تمثل محادثات الغد مخاطرة كبيرة لإيران، إذ ان فشل المحادثات سيقدم أفضل الخدمات لخصوم إيران الإقلييمين الراغبين في منع التقارب الأميركي ـ الإيراني، وبالتحديد لدولة الاحتلال الإسرائيلي، الراغبة في شطب البرنامج النووي الإيراني بالقوة العسكرية.
غداً توضع المهارات التفاوضية الإيرانية مجدداً على محك الاختبار عبر التوفيق بين أهداف متعارضة: إظهار «المرونة البطولية» التي تحدث عنها مرشد الجمهورية السيد علي خامنئي، ولكن مع الدفاع باستماتة عن خطوط إيران الحمراء في الملف النووي، أي الحفاظ تحت أي ظرف على الحق في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية وامتلاك دورة الوقود النووي الكاملة على الأراضي الإيرانية.
لن تكون ليالي التفاوض في جنيف شبيهة على أية حال بليالي الأنس في فيينا (مثلما غنت سلطانة الطرب العربي الراحلة أسمهان)، بل ستمر الليلتان برغم الابتسامات أمام الكاميرات صعبة للغاية على المفاوض الإيراني، نظراً لحجم الفرص والمخاطر المحيطة بهذه الجولة من المفاوضات والمعلقة على مهارته التفاوضية. على ذلك لا تحاول هذه السطور تحليل ما جرى، بل تذهب مباشرة إلى استشراف ما هو قادم.
عرض إيران الافتتاحي
يتوقع أن تقدم إيران عرضاً متكاملاً لإقناع الأطراف الستة التي تتفاوض معها بجديتها التفاوضية ورغبتها في الوصول إلى حل، ولهذا الغرض فهناك باقة واسعة من الاحتمالات ستتحرك الديبلوماسية الإيرانية من خلالها. قبل البدء في عملية استنتاج ما العرض الذي ستقدمه إيران غداً في محادثاتها، علينا أولاً تذكر النقطة التي توقفت عندها الجولة الأخيرة من المحادثات بين إيران والدول الست الكبرى. عقدت الجولة الأخيرة من المفاوضات في شهر نيسان الماضي في كازاخستان، قبل شهرين من انتخاب الرئيس الإيراني حسن روحاني. في هذه المفاوضات عرضت الدول الست رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على قطاع البتروكيماويات الإيراني وصادراته، وكذلك رفع العقوبات على تجارة إيران الدولية في المعادن الثمينة؛ في مقابل توقف طهران عن تخصيب اليورانيوم إلى درجة 20 في المئة وإغلاق منشأة فردو المحصنة داخل الجبال القريبة من مدينة قم. ساعتها لم يقدم المفاوض الإيراني وقتذاك سعيد جليلي، والمرشح لاحقاً لرئاسة الجمهورية، أية ردود أو عروض إيرانية مقابلة.
للتذكير أيضاً: عمليات تخصيب اليورانيوم يمكنها أن تتحول إلى الأغراض العسكرية إذا اقتربت نسبة تخصيب اليورانيوم من درجة 90 في المئة، حيث تكون القدرة على صنع رؤوس نووية مؤكدة. وبالتالي إذا قدمت إيران عرضاً بتخفيض نسبة التخصيب، تكون قد قدمت ضمانات بسلمية برنامجها النووي. ومن المعلوم أيضاً أن المعارف النووية التي تمكن دولة ما من تخصيب اليورانيوم إلى درجة 5 في المئة فقط، هي ذات المعارف المطلوبة لتصنيع السلاح النووي، مع الفارق التقني في كمية اليورانيوم المخصب ونسبة التخصيب. بمعنى أن المعارف النووية التي حققتها إيران حتى الآن، تكفيها بوضوح، وأن التراجع عن نسبة التخصيب المرتفعة نسبياً لا يمس بأية حال قدرات إيران النظرية والمعرفية، ولهذا السبب بالتحديد تعارض إسرائيل تخصيب إيران لليورانيوم على أراضيها بأي نسبة وتحت أي ظرف.
الأرجح أن يكون القسم الأول من العرض الإيراني متمثلاً في عرض النزول بسقف تخصيب اليورانيوم من 20 في المئة إلى أقل من ذلك، وفي هذه الحالة لا يكون هناك فرق كبير بين التخصيب لدرجة 10 في المئة أو 5 في المئة أو حتى 3,5 في المئة. في هذا السياق يمكن لإيران أن تستغني عن قسم من اليورانيوم المخصب الموجود لديها، وتسمح بنقله للتخزين إلى خارج إيران في مقابل حصولها على قضبان اليورانيوم اللازمة لتشغيل مفاعلها البحثي في طهران. لكن ذلك سيتوقف على الآليات، حيث إن جولات المفاوضات بين إيران والدول الست التي عقدت في فيينا وجنيف العام 2009 بحثت في آلية إرسال اليورانيوم الإيراني خارج أراضيها على دفعات وفي مراحل زمنية متلاحقة، في مقابل التزام الغرب بجدول زمني لرفع العقوبات. ولعل تصريح نائب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أمس، بأن تصدير اليورانيوم الإيراني المخصب خارج الأراضي الإيرانية هو «خط أحمر»، قد يعني مناورة تفاوضية، أو أن إيران ستقترح غداً تخزين اليورانيوم على أراضيها ولكن تحت رقابة دولية.
القسم الآخر المحتمل في العرض الإيراني غداً يمكن أن يكون تخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي التي تعمل بأقصى طاقتها الآن في تخصيب اليورانيوم، بحيث تقدم إيران ضماناً إضافياً بسلمية برنامجها النووي، لأنه كلما زادت أجهزة الطرد المركزي، ارتفعت القدرة على الوصول بتخصيب اليورانيوم إلى ما فوق 90 في المئة. وفوق ذلك فمن المتوقع أن تسمح إيران بالتفتيش المفاجئ على منشآتها النووية، وفي هذا السياق ربما تقترب إيران من توقيع البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما سيعني إجراء حاسماً للشفافية التي يطالب بها الغرب. باختصار ستقدم إيران غداً حزمة متكاملة منها: تخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي تحت التشغيل، كميات اليورانيوم المخصب، وتلبية رغبات الغرب في الشفافية. وتعني الأخيرة ربما توقيع البروتوكول الإضافي أو فتح المنشآت النووية الإيرانية أمام المفتشين الدوليين، أو كليهما معاً. ومن غير المؤكد إذا ما كانت إيران ستعرض إغلاق منشأة «فردو» القريبة من قم، والمحصنة تماماً داخل الجبال. من البديهي أن كل ذلك لن يتم مجاناً، وإنما مقابل رفع تدريجي للعقوبات، وهنا فمن المؤكد أن لدى المفاوض الإيراني قائمة بالحزم التفاوضية المختلفة التي يرغب برفعها أولاً، على أن يرفع الباقي مع استمرار النجاح في الجولات التفاوضية القادمة.

مطالب الدول الست الكبرى

سيطالب الغرب بالتطرق إلى تفاصيل أكثر تعقيداً في عرضه المقابل، بحيث تشمل على الأرجح إغلاق منشأة «فردو»، التي تستعصي على التدمير بالطائرات، نظراً لخشية إسرائيل من تطوير برنامج نووي سري عسكري في هذه المنشأة. الجدير بالذكر أن هذه المنشأة تحميها وحدة خاصة من قوات الحرس الثوري الإيراني، بحيث لا يستطيع الديبلوماسيون الإيرانيون ربما اتخاذ قرار بشأنها. ستعود الدول الست إلى مطلب نقل اليورانيوم الإيراني المخصب إلى دولة ثالثة، كما أنها ستفتح ملف مفاعل «أراك» للمياه الثقيلة للمرة الأولى في مفاوضاتها مع إيران.
من المعلوم ان الطريق إلى القنبلة النووية يمر عبر مسلكين: الأول تخصيب اليورانيوم إلى مستوى 90 في المئة، أو استخلاص البلوتونيوم من مفاعلات المياه الثقيلة مباشرة. لذلك على الأرجح سيكون مفاعل «أراك» على طاولة البحث بطلب غربي، مثلما هو من الأرجح ألا تضمنه إيران عرضها الافتتاحي كي تطلب تنازلات مقابله إذا استجابت لإغلاق المنشأة، التي من المتوقع أن تدخل التشغيل بحلول منتصف العام المقبل 2014. وستطالب الدول الست إيران بالسماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالدخول إلى منشآتها العسكرية غير النووية، التي تعتقد الوكالة أنها تجري اختبارات نووية مثل منشأة «بارشين» العسكرية جنوبي العاصمة طهران.
الخلاصة
يحتاج الطرفان الإيراني والأميركي إلى نتائج سريعة من جولة الغد التفاوضية، بغرض مواجهة خصوم التقارب بينهما في الداخل وفي المنطقة والعالم. تذكر عزيزي القارئ وأنت تشاهد غداً ابتسامات المفاوضين أمام الكاميرات وتلحظ طاولة المفاوضات وهي تلمع تحت أضواء الثريات المبهرة مأثورة الاستراتيجي الأشهر كلاوزفتز: «لا تستطيع أن تأخذ من خصمك بالمفاوضات، ما لا تستطيع مدافعك قصفه». بمعنى آخر أصبح امتلاك إيران لدورة الوقود النووي الكاملة أمراً واقعاً، وما يجري التفاوض عليه الآن هو فقط التحقق من شفافية البرنامج النووي الإيراني وسلميته، وليس أكثر من ذلك!
عن السفير اللبنانية