النفط: الملعب المتجدد للصراع السعودي ـ الإيراني
تاريخ النشر : 2016-05-30 16:26

لا يقتصر الصراع السعودي ـ الإيراني على ساحات الحروب بالوكالة في المنطقة، وإنما يتعداها ليطال أيضاً أسواق النفط الدولية. يتمثل المشترك الأهم بين الغريمين المتصارعين في أن موارد الطاقة تشكل الشطر الأعظم من الموازنة العامة للدولة، وبالتالي يمثل النفط والغاز أهم الموارد الصراعية المتاحة لدى كل منهما لإثبات حضوره الإقليمي وحسم المنافسة الإقليمية لمصلحته. وحتى يعزز كل من الطرفين حظوظه في الصراع متعدد الأبعاد والأشكال والساحات، يظهر النفط كعامل حاسم. فمن ناحية، تريد إيران اجتذاب الاستثمارات الأجنبية لقطاعها النفطي لتحديثه وتطويره بعد سنوات طويلة من الحصار؛ وبالتالي تعزيز اندماجها في المجتمع الدولي والتحصل على موارد صراعية إضافية. أما السعودية، فتريد منع إيران من جني الفوائد الاقتصادية ومن ثم الإقليمية المترتبة على إبرام الاتفاق النووي، ووسيلتها الممتازة لفعل ذلك هي قدراتها الانتاجية الضخمة (2.10 مليون برميل يومياً)، التي تمكّنها من تعويم الأسواق ومنع إيران من الحصول على حصتها السابقة في أسواق الطاقة الدولية. كما أن تعويم الأسواق بالنفط يضغط بأسعاره إلى الأسفل ويمنع إيران من حصد عوائد مرتفعة لنفطها، ويحرمها بالتالي من موارد صراعية هي في أمسّ الحاجة إليها في ضوء محدودية نسبية لاحتياطاتها المالية مقارنة بالسعودية.
إيران تغازل الاستثمارات الأجنبية
انشغلت «شركة النفط الوطنية الإيرانية» خلال النصف الأول من العام الحالي بتوقيع اتفاقات شراكة مع شركات نفطية دولية، كان آخرها الاتفاق مع مجموعة شركات نمساوية في الأسبوع الأول من شهر أيار الجاري. وتتوخى الشركة الاستفادة من توقيع الاتفاق النووي مع الغرب لتحديث قطاع النفط الذي يحتاج إلى التحديث والتطوير، وما يعنيه ذلك من ضرورة الوصول إلى هدفين أساسين: رؤوس الأموال والتكنولوجيا المتطورة. وبرغم ذلك يدور صراع ضارٍ داخل النخبة الإيرانية حول الإطار العام الواجب أن تتدفق الاستثمارات الأجنبية من خلاله، بما يشجع الغرب من ناحية على الاستثمار في إيران ويمنعه في الوقت ذاته من الهيمنة على استقلال إيران الاقتصادي. لذلك أعدّ المدير العام لشركة إيران الوطنية للنفط ركن الدين جوادي ما يسمى «عقد إيران النفطي» الذي يتوقع الانتهاء منه قبل حلول شهر تموز القادم، أي الإطار العام للاستثمار في قطاع الطاقة الإيراني للشركات الأجنبية. ويُعتقد على نطاق واسع أن شروط الاستثمار في إيران ينبغي أن تشهد تحسناً كبيراً لجذب الاستثمارات الدولية، بحيث تتضمن تسهيلات غير مسبوقة في تاريخ قطاع النفط الإيراني. في المقابل، تظهر عقبة جوهرية مردّها أن الدستور الإيراني ينص على ملكية الدولة الإيرانية لمخزون البلاد النفطي، الأمر الذي يمنع الشركات الأجنبية من المشاركة في ملكية حقول نفطية إيرانية كجزء من أعمال التطوير والتحديث. وبالإضافة إلى عاملي الخلاف النخبوي الإيراني حول المدى الذي يجب أن يتوقف عنده التشجيع القانوني للاستثمارات الأجنبية والقيود التي يفرضها دستور الجمهورية الإسلامية على الاستثمار في قطاع النفط الإيراني، يظهر أيضاً أن الإدارة الأميركية لم ترفع العقوبات بالكامل فعلياً عن إيران. فالبنوك الأوروبية تخشى من الاستثمار في إيران بسبب عقوبات أميركية محتملة في حال أقدمت على الاستثمار هناك. ويبدو من كتابات الخبراء في الشؤون الإيرانية في أميركا ومنهم مثلاً سوزان مالوني الباحثة في «معهد بروكنغز» للأبحاث، وخصوصاً مقالها الأخير «هل ينهار الاتفاق النووي مع إيران؟»، أن هناك ضغوطاً أميركية على إيران لفتح أسواقها وتحرير تجارتها الخارجية مقابل تسهيل وصول الاستثمارات الأجنبية إلى إيران بعد أقل من عام على توقيع الاتفاق النووي بين إيران والغرب في منتصف تموز 2015.
خطوات سعودية متلاحقة
يترافق التصعيد النفطي السعودي مع محاولات متصاعدة لعزل إيران سياسياً في المنطقة، حيث قطع الأردن علاقاته مع ايران مباشرة بعد زيارة قصيرة لولي ولي العهد السعودي الشهر الماضي. وهو ما يضاف إلى قطع دول عربية علاقاتها مع ايران مثل السعودية والبحرين والسودان والمغرب وجزر القمر، في حين خفّضت الإمارات مستوى التمثيل الديبلوماسي مع إيران إلى مستوى القائم بالأعمال واستدعت الكويت سفيرها في طهران للتشاور. ولم يقتصر الأمر على سوق النفط العالمي أو العلاقات الديبلوماسية بين الدول العربية وإيران، بل تعدّى الأمر ذلك كله بمنع السعودية شركة الطيران الإيرانية «ماهان» من التحليق في المجال الجوي السعودي.
تعوم الأسواق الدولية على بركة من النفط السعودي، وقريباً ربما ستزداد تلك البركة اتساعاً بسبب الانتاج السعودي الإضافي المتوقع. ويبدو لافتاً أن سعر النفط العالمي قد هبط بنسبة ستين في المئة منذ تاريخ إبرام الاتفاق النووي التمهيدي بين إيران والغرب في تشرين الثاني من العام 2013 حتى هذا الأسبوع، ما يعني صعوبات جمة لإيران في التوفر على موارد مالية جديدة. في هذا السياق، يُلاحظ أن السعودية أقالت وزير نفطها المخضرم علي النعيمي، الذي أيد سياسات تحديد سقف الانتاج وعينت بدلاً منه خالد الفالح، الرئيس السابق لشركة «أرامكو» السعودية النفطية العملاقة. تحتدم المنافسة السعودية مع النفط الصخري الأميركي من ناحية، وإيران الطامحة للعودة إلى الأسواق بعد رفع العقوبات الاقتصادية عليها، ويبدو أن المملكة لا تريد الاحتفاظ بسقف انتاجها المرتفع الحالي والمقدر بحوالي 2.10 مليون برميل نفط يومياً فقط، وإنما رفع هذا السقف أيضاً. وقال أمين ناصر، الرئيس الجديد لشركة «أرامكو» النفطية العملاقة إن بلاده تستطيع رفع سقف انتاجها اليومي إلى 5.12 مليون برميل نفط في المستقبل. ترفض السعودية بإصرار تثبيت أسعار النفط أو أسقف الانتاج، لأن ذلك سيسمح لإيران بالاستحواذ على حصة معلومة من سوق النفط العالمي. وكان ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قد عبر عن ذلك بوضوح حين قال إن «بلاده لن تلتزم بسقف أعلى للانتاج ما لم تلتزم إيران بذلك أيضاً». ويُعتقد على نطاق واسع بين المحللين والخبراء أن هناك سبباً إضافياً لرغبة الرياض في التصعيد النفطي يتجاوز المنافسة المحتدمة مع إيران، وهو أن دوراً أقل أهمية للسعودية في سوق النفط العالمية يمكنه أن يُفقد المملكة أهميتها الإستراتيجية دولياً.
الخلاصة
لا يبدو أن رغبة الرئيس الأميركي بتعاون سعودي ـ إيراني «لاقتسام المنطقة فيما بينهما» ستجد طريقها للتحقق خلال الفترة المنظورة، ومرد ذلك أن الصراع بين الغريمين الإقليميين يمتد راهناً إلى سياساتهما النفطية والدولية، متجاوزاً البعد الإقليمي، ومتجذراً في رؤية طرفَي الصراع لنفسهما وللعالم. من المنظور الإستراتيجي العام، يدور الصراع الإقليمي الآن ـ بعد إبرام إيران الاتفاق النووي مع الغرب ـ على سؤال أساسي مفاده: هل سيتم قبول طهران كلاعب إقليمي معترف به كما تسعى إيران، أو ستُعزل طهران إقليمياً كما تروم السعودية؟ والإجابة تبدو غير محسومة حتى الآن. وحتى لحظة الحسم الطويلة والصعبة، لا يمنع تصاعد الصراع السعودي ـ الإيراني من وصول الطرفين إلى حلول وسط في ساحة صراعية ما لعوامل قد تكون مواتية لحساباتهما، لكن تصور تهدئة إقليمية واسعة عبر تفاهم سعودي ـ إيراني يبدو أمراً بعيداً عن التحقق على المدى المنظور.

عن السفير