الاستغوال أبشع مراحل الامبريالية (10)
تاريخ النشر : 2016-05-27 13:06

تعتبر القارة الإفريقية رسميا القارة الأفقر والأكثر تخلفا بين قارات العالم رغم أنها تضم أكثر عدد من الدول المنتجة للنفط حيث تضم 21 دولة نفطية مقابل 19 دولة في آسيا و19 دولة في أوروبا و10 دول في أمريكا اللاتينية وتشير الإحصائيات أن 7 من الدول الإفريقية تنتج الغاز الصخري وأهمها جنوب إفريقيا ويقدر الاحتياطي فيها من الغاز الصخري ب 13 تريليون متر مكعب وليبيا ب 8 تريليون والجزائر ب 6.5 تريليون متر مكعب وحسب كتاب " التكالب على نفط إفريقيا " للصحفي " جون جازفنيان " فان الإحصائيات الدولية إلى أن اكتشاف النفط الإفريقي والشروع في استخراجه منذ نهايات القرن العشرين خلق فرص عمل في أمريكا وأوروبا أكثر بكثير مما في إفريقيا نفسها ذلك وحسب الكتاب نفسه فأن 5% فقط من المليارات، التي يتم استثمارها في مشروعات النفط الأفريقية كل عام، تنفق في تلك البلدان، في حين أن الباقي يذهب إلى تطوير آلات الاستخراج، وصناعة السفن، ومد خطوط النقل وغيرها، أما البيئة المحيطة بإنتاج النفط فتبقى في وضع شديد البؤس.

نيجيريا التي تعتبر أول الدول التي اكتشف فيها النفط يصنفها البنك الدولي حاليا على ان الدولة الأكثر فقرا في العالم مع أنها تعتبر سابع اكبر دول العالم إنتاجا للنفط وتنتج أكثر من 2 مليون برميل يوميا ويعزى ذلك إلى الفساد أولا ثم الاضطرابات العرقية والصراعات القبلية والانقلابات العسكرية وينقل جون جازفنيان في كتابه إلى أن هناك 33 من حكام الولايات الـ36 في البلاد عام 2006 خضعوا للتحقيق بتهم الفساد أو غسل أموال أو غيرها من جرائم المال العام! والخلاصة أن 80% من عائدات النفط والغاز في نيجيريا تعود إلى 1% فقط من السكان! وعلى سبيل المثال فإن عائدات النفط النيجيرية بلغت خلال ربع القرن المنصرم نحو ثلاثمائة مليار دولار، ومع ذلك فإن معظم سكانها لا يزالون يعيشون بأقل من دولار واحد يومياً ، ولا تزال نيجيريا تعاني من الفساد وعدم الاستقرار حيث تسعى بعض الجماعات المسلحة في منطقة حوض دلتا النيجر الغنية بالنفط إلى إعادة توزيع العوائد النفطية في البلاد بصورة عادلة وطبعا حسب مفهومها هي لهذه العدالة والتي لن تطال سوى امراء الحرب هناك.

النفط في إفريقيا شكل لعنة على شعوبها وتعتبر الغابون مثالا حيا على ذلك فهي الدولة التي كانت قبل اكتشاف النفط تعيش حالة من الاكتفاء الذاتي فقط من زراعة وتجارة الموز الافريقي في حين وبعد اكتشاف النفط أصبحت تستورد كامل احتياجاتها من الموز من الكاميرون المجاورة لها وفي انغولا يبدو التناقض هو الأخطر فهناك فئة قليلة فاسدة مترفة مقابل الملايين من الذين يعيشون حالة الفقر المدقع وتقول تقارير الأمم المتحدة عن حالة الفقر هناك أنه " في عام 2003 كان ثلثا سكان أنغولا يعيشون تحت خط الفقر وهو دولار وسبعة أعشار الدولار في اليوم، بل إن واحدا من بين كل أربعة يكافح من أجل البقاء بأقل من ثلثي دولار في اليوم، وهو المعروف بـ "الفقر المدقع". أما غينيا الاستوائية التي يحكمها قاتل وفاسد من الطراز البشع ورغم أن الأرقام تقول أن حصة الفرد المفترضة من الدخل القومي تصل إلى 6200 دولار وهو قد يكون أعلى الدخول في كل إفريقيا إلا أن غالبية مواطني غينيا الاستوائية غير متعلمين وتعاني من سوء التغذية وتعيش في عشوائيات عفنة، وكريهة الرائحة، بلا ماء ولا كهرباء.

عن جمهورية تشاد يقول جون جازفنيان " هذه الدولة، الواقعة على بعد مئات الأميال في أي اتجاه من محيطات العالم الكبيرة، عبارة عن مأساة حارة وخانقة ومهملة لدولة تحتل باستمرار قاع كل مؤشرات التنمية البشرية، في حين تبلغ مساحتها ضعف مساحة فرنسا، ويعيش ثلاثة أرباع السكان بأقل من دولار في اليوم (الفقر المدقع)، ويمزقها العنف العرقي والديني، وهو ما يجعل موارد النفط -مع الأسف- أداة لإذكاء الصراع بدلا من التنمية. " وتصدر تشاد النفط منذ عام 2003 بما معدله مائتي ألف برميل يومياً ورغم ذلك فإن عائدات النفط لم تساهم في إحداث أي تغيير ايجابي يذكر في حياة مواطنيها ذلك أن حوالي 80% من المواطنين هناك لا يمكنهم حتى الحصول على مياه الشرب النقية ويموت طفل واحد من بين كل أربعة أطفال قبل بلوغهم سن العاشرة, وحسب تقرير منظمة الشفافية الدولية فإن تشاد قد شهدت معدلات فساد مرتفعة منذ تدفق النفط فيها, وهو ما يعني أن أموال النفط كانت سبباً في إعاقة جهود التنمية هناك, وفي كتابه يحذر جون جازفنيان من تكرار التجربة الأمريكية في الشرق الأوسط لضمان تدفق النفط الإفريقي وهو الاستعانة بحكام فاسدين وإثرائهم على حساب شعوبهم وضرب أسس الديمقراطية ومنع ظهورها أو تجذرها هناك بهدف الإبقاء على قدرة الشركات العملاقة على نهب ثروات هذه الشعوب والتي تعتبر أساس رفاهية الغرب والدول الصناعية جميعها

الاستعمار لم يمت في إفريقيا بل هو عاد وبكل قوة وان بطرق وأشكال اقتصادية ومن خلال شركاته لا من خلال جيوشه التي تحمي هذه الشركات ومصالحها عن بعد وبكافة الأشكال والسبل مما يسهل عليها نهب خيرات هذه الشعوب وتقول دراسة لمركز الجزيرة للدراسات أن الولايات المتحدة تهيمن من خلال شركاتها النفطية على منطقة خليج غينيا وساوتومي، في حين أن فرنسا تهيمن على الغابون والكونغو برازافيل، بالإضافة إلى ذلك فإن المصالح النفطية الأنغلو أمريكية تحافظ على وجود قوى في نيجيريا. أما الصين فإنها تثبت أقدامها في السودان وأنغولا وتسير الدراسة نفسها إلى أن ثمة من يرى أن التكالب الجديد على أفريقيا إنما يرتبط بالدور الصيني تحديدا منذ أعوام التسعينيات وسعيها الدءوب للحصول على النفط والمواد الخام وفتح أسواق أفريقية جديدة. فالتحرك الصيني الجديد في أفريقيا أخذ ينحي جانبا عوامل السياسة والأيديولوجيا وذلك مقابل هيمنة الاقتصاد والمصالح النفعية البحتة ،

فالصين باتت تفكر بمنطق براجماتي مصلحي صرف؛ فهي تهتم بقضايا التجارة والاستثمار والوصول إلى مصادر النفط والمواد الخام أكثر من اهتمامها الأيديولوجي بقضايا مثل الصين الواحدة أو تضامن العالم الثالث... وهكذا وهو ما دفع بأمريكا وحلفائها من الدول الغربية والصناعية إلى التنبه إلى أهمية تحصين وجودها في إفريقيا وضمان استمرار ارتباط حكام هذه الدول بها وخضوعها الكامل لإرادتها وبكل الأحوال فان اكتشاف النفط في إفريقيا وبدل أن يكون عامل تنمية وتطور بات احد اخطر عوامل التخلف والتبعية والفقر وما شابه من مآسي.

نقل عديد الصحفيين عن الرئيس الكونغولي الراحل لوران كابيلا الذي أطاح بحكم الرئيس موبوتو أنه قال أثناء زحفه نحو العاصمة كينشاسا لأحد الصحفيين "إن القيام بتمرد عسكري عمل سهل وميسور في أفريقيا. فالمرء ليس بحاجة إلا إلى نحو عشرة آلاف دولار وهاتف جوال" فحالة الفقر المدقع تجعل الحصول على مقاتلين مقابل المال من أيسر الأمور كما أن الهواتف النقالة تستخدم لانجاز صفقات النفط والماس والكولتان وسواهما من الثروات والموارد الطبيعية المطلوبة أمرا سهلا وحسب التقديرات الصحفية فقد استطاع كابيلا هذا ان ينجز صفقات تقدر بنصف مليار دولار قبل أن يستولي على السلطة في زائير أو ما تسمى الكونغو الديمقراطية حاليا وهذا يفسر كيف تدار الدول الإفريقية ولصالح من ومن هم هؤلاء الذين يسعون للوصول إلى السلطة ولصالح من ينهبون ثروات بلدانهم