شيخ الليبراليين الجدد الدكتور شاكر النابلسي يترجل عن صهوة الحياة
تاريخ النشر : 2014-01-15 13:48

غاب عن دنيانا قبل أيام الكاتب والأديب والباحث والمفكر والأكاديمي المعروف الدكتور شاكر النابلسي ، أحد أبرز المثقفين العرب والليبراليين الجدد المنظرين للفكر العلماني ، والمشتغلين بقضايا النقد والإبداع والفكر والحداثة والتنوير والعلمانية والأصوليات الدينية الإسلامية .
شاكر النابلسي هو كاتب من أصل أردني ، ولد سنة 1940، عاش ردحاً من الزمن في الأردن ثم أقام في السعودية زهاء ربع قرن ، بعد ذلك سافر إلى أمريكا واستقر فيها بعد نيله شهادة الدكتوراه من إحدى جامعاتها . تعددت اهتماماته ومشاغله التنويرية ما بين النقد الأدبي ومسائل الإصلاح ومقومات النهوض العربي ونقد المقدس وتفكيك القضايا التي يعيشها الفكر العربي . انطوت كتاباته وطروحاته الفكرية على نزوع ديمقراطي تقدمي علماني، متأثراً كمعظم أبنا جيله بالمفكر الايطالي انطونيو غرامشي ، متبنياً نهجاً ليبرالياً حراً صادم فيه الكثير، وأثارت كتاباته جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية والثقافية العربية .
اتصف شاكر النابلسي بروحه الدائبة للبحث ، وحرصه على متابعة ومواكبة كل ما هو جديد وحداثي في وعاء الفكر العربي ،متتبعاً إسهامات المحدثين والمجدين العرب ، ومتبيناً قضايا التنوير والإصلاح ، متفائلاً بنظرته نحو العلمانية وانتصارها الحتمي في المجتمعات العربية .
حارب شاكر النابلسي الركود والخمول واللامبالاة ، وساهم في نشر ثقافة التنوير والعقلانية والإصلاح والديمقراطية وأفكار المجتمع المدني ، ودعم حرية التعبير والتفكير والاختلاف بالرأي ، فضلاً عن دفاعه القومي عن حق الشعوب في منطقتنا بالحرية والتنمية والتقدم .
تفرغ النابلسي للبحث العلمي والتأليف ، وترك وراءه ثروة فكرية غنية من المؤلفات والأبحاث والدراسات والمقالات بلغت نحو 60 كتاباً في مجالات النقد والتاريخ والاجتماع والفكر السياسي آخرها "الجنسانية العربية" ، ومن أبرز أعماله ومؤلفاته : العرب بين الليبرالية والأصولية الدينية ، الليبرالية السعودية بين الوهم والحقيقة ، أسئلة الحمقى في السياسة والإسلام السياسي ، الفكر العربي في القرن العشرين ، الحداثة والليبرالية ، معاً على الطريق ، النظام العربي الجديد ، الفكر العربي في القرن العشرين " وغيرها الكثير .
في كتابه "الفكر العربي في القرن العشرين " يوضح د. شاكر النابلسي النظرة العلمانية وأهميتها للمجتمع العربي، مؤكداً بكل يقين بان التيار العلماني هو الذي سيتغلب في النهاية . أما في كتابه "تهافت الأصولية " فيتطرق إلى الأصوليات الدينية الإسلامية ويرى خطرها على الحاضر والمستقبل العربي ، وهذا الخطر يتمثل في الأيمان المطلق بالحقائق المطلقة ، ومنع النقاش، والجدل، والإبداع الفكري، وفي هذا تكبيل تام للنشاط الفكري ، والاجتهاد، وازدهار الرأي الآخر، لأن الحقيقة المطلقة - كما يقول- مرتبطة دائماً بالعقائد الدينية ، وليست بالأفكار . فالأفكار تتغير ، أما العقائد الدينية فهي عابرة للتاريخ ، لا تتغير ولا تتبدل ، مشيراً أن هذا الخطر يتمثل في ارتباط ظاهرة الإرهاب بالسلفية / الأصولية الدينية .
وحين منع المفكر المصري الراحل د. نصر حامد أبو زيد من دخول الكويت للمشاركة في عدد من الندوات الثقافية ، انشأ د. شاكر النابلسي مقالاً بعنوان "الغول نصر حامد أبو زيد" ومما جاء فيه : " أفهم تماماً أن تمنع الكويت إرهابياً من دخول أراضيها . وأفهم لأن تمنع الكويت من دخول أراضيها لصاً أو مهرّباً ، أو تاجر مخدرات ، أو قواداً ، أو نخّاساً ، أو مجرماً يهدد استقلال الكويت وأمنه . أفهم أن تمنع الكويت داعية دجّال ، يتقاضى في الليلة الواحدة عشرة آلاف دينار كويتي لكي يقيم (show) ديني في مكان ما . أفهم أن تمنع الكويت أولئك الدعاة الدجّالين الذين يتاجرون بالدين كتجارة الآخرين الأشقياء بالمخدرات ، والذين يثيرون غرائز الجمهور الدينية ، ويدفعونه إلى اللطم والبكاء، أكثر مما يثيرون عقول جمهورهم ، ويدفعونه إلى التفكير وإعادة التفكير والعمل .
ويضيف قائلاً : "أفهم أن تمنع الكويت مغنية ساقطة ، أو راقصة رخيصة ، أو عاهرة فاجرة ، أو جاسوسة يهودية . ولكني لا أفهم أبداً أن تمنع الكويت الديمقراطية الجميلة ، ومشعل الثقافة الخليجية والعربية بكتبها ، وإصداراتها ، ومسرحها ، ومجلاتها، وصحافتها الحرة ، أكاديمياً وعالماً إسلامياً في مطلع الألفية الثالثة ، يحمل هموم الإسلام ليلاً نهاراً ، ويدافع عنه ، وعن قيمه الأخلاقية الجميلة ، لا بالدجل ، ولا بالشعوذة ، ولا بإطلاق اللحية ، وصبغها بالحناء ، وتضمينها بالمسك والعنبر ، وحمل المسواك ، ولبس الثوب القصير ، والشماغ ، أو الغترة ، والبست ، أو العباءة ، أو المشلح، وتعفير جسمه بالطيب والعود والبخور ، ولكن بالعلم الغزير ، والثقافة المنفتحة الواسعة على كل جهات الأرض ، والمعرفة العميقة ، والعقل السلطان..!
هذا هو الدكتور شاكر النابلسي ، المفكر الحر الشريف ، والمثقف العضوي ، والمفكر الليبرالي التنويري المثير للجدل ، الذي مات بعد رحلة عطاء وإبداع فكري خصب ، وستظل ذكراه حية بأعماله ومؤلفاته ومنجزاته البحثية وأفكاره النيرة.