هيبة الأمن وقوة القانون

تابعنا على:   15:19 2013-10-03

د. مصطفى يوسف اللداوي

لا حياة للإنسان دون أمنٍ من خوف، وسلامةٍ من خطر، واطمئنانٍ من قلق، يكون فيها مطمئناً على نفسه وماله وعياله وما يملك، في بيته ومتجره، وفي عمله ومعمله، وفي سفره وإقامته، وبين أهله وفي غربته، فلا يخاف قتلاً ولا اعتداءً، ولا سرقةً ولا سطواً، ولا احتيالاً ولا خطفاً، وإلا استحالت الحياة إلى غابة، يعتدي فيها القوي على الضعيف، وتتسلط فيها فئةٌ من الناس على أخرى، فتضيع الحقوق، وتهدر الدماء، وتستباح المحرمات، وتتشكل العصابات، وتنشأ مجموعات البلطجية، وقطاع الطرق واللصوص والحرامية، ممن يجعلون الحياة معقدة، ويسلبونها أهم أركانها وأعظم أسسها، التي تقوم على أساسها الحياة الكريمة، والمجتمعات السليمة، والدول الآمنة المستقرة المطمئنة.

حاجتنا إلى الأمن ضرورةٌ ملحة، فلا غنى لنا عنه، وهو الأمن الشامل، السياسي والاجتماعي والاقتصادي، الذي يحقق الطمأنينة والراحة، ويبعد شبح الخوف والقلق، ويحقق الاستقرار والهدوء، ويمكن المواطنين من العمل بلا خوف، والسفر بلا قلق، والتنقل بلا مغامرة، والاستثمار بلا خسارة، وإلا فإن أحداً لن يغامر في البقاء في أرضٍ غير آمنة، والعيش في مناطق خطرة وغير مستقرة، ما يضطر المواطنين إما إلى الهرب والرحيل، أو اللجوء إلى تشكيل حماياتٍ أمنية ذاتية، تتسلح وتتقوى، وتمارس أمنها بنفسها، وتفرض سلطتها بأبنائها، ولو كان فيها اعتداءً على حرية الآخرين وحقوقهم.

الأمن الذي تحققه الدولة، وتوفره السلطة هو الأمن المقصود والمنشود، وهو الذي يتطلع إليه المواطنون، ويبحث عنه الإنسان، وتحتاج إليه المجتمعات، إذ هو الأمن الإيجابي، الذي لا يفاضل ولا يحابي، ولا يميز ولا يصنف، وهو الذي تفرضه السلطة بالقوة، وتنفذه بأمانةٍ، وتمارسه بمهنية، وتطبقه بالتساوي، وتحققه للفقير والغني، وللمواطن العادي وللمسؤول صاحب السلطة والنفوذ، الذين يتساوون جميعاً أمام القانون، فلا تكون لأحدٍ ميزةً على الآخر إلا بالحجة والدليل، ما يدفع المواطنين إلى احترام الأجهزة الأمنية، والتعامل معها بوطنية، وتقدير عطاء رجالها وتفاني أبنائها، والالتزام بتعليماتها وتوصياتها بأمانةٍ ودقة، إيماناً بصدقيتهم لا خوفاً من عصيهم، ولا هروباً من سطوتهم ونفوذهم.

الأمن يجب أن يكون قوياً وذا هيبة، يخافه الناس ويحسبون له ألف حساب، فلا يتغول عليه أحد، ولا يستهين بسطوته مواطنٌ مهما كان صاحب قوةٍ ونفوذ، مسؤولاً أو متكئاً إلى سلطة، يعتمد عليها في التفلت والتملص، والهروب وعدم الالتزام، ممن يكون له في الأجهزة الأمنية رجالٌ ومعاونون، وعيون وممثلون، ممن عينهم بنفسه أو توسط لتعيينهم، أو غيرهم ممن يشملهم بعطاياه، أو يغدق عليهم من ماله، فيمتثلون بأمره، ويلتزمون بنهيه، وينفذون تعليماته ولو كانت إمعاناً في الظلم، أو إيغالاً في الباطل.

يجب أن يمارس الأمن وينفذه بالقوة رجالٌ مخلصون صادقون، مهنيون وأصحاب مصداقيةٍ ومحترفون، ممن يحبون الوطن والمواطن، ولا يعملون بإمرة أحد، أو خدمةً لفرد، وإنما غايتهم تحقيق الأمن، وتنفيذ القانون، وبسط سلطة الدولة بالعدل، فلا يكون في أجهزة الأمن عاملون مرضى ومعقدون، وحاقدون وفاسدون، ومرتبطون ومرتهنون، ممن يعملون لأجنداتٍ خاصة، وينفذون تعليماتٍ شخصية ليست وطنية، ولا تتعلق بأمن الوطن وسلامة المواطنين، ويستخدمون ما بين أيديهم من سلطاتٍ في إيذاء المواطنين وظلمهم، وفي الاعتداء على حقوقهم وأموالهم، فيعتقلون للابتزاز، ويستجوبون للترهيب والتخويف، ويستدعون لبث الرعب والهلع، ويستخدمون العصا لإجبار أصحاب الحق على التنازل، أو الخضوع القبول والنزول عند شروط خصومهم، الذين يلجأون إلى بعض المسؤولين الأمنيين لتحقيق مآربهم، ومساعدتهم في الوصول إلى أهدافهم، مقابل وعودٍ أو إغراءاتٍ مالية، ولو كان في ذلك ظلماً واعتداءً، وغصباً وعدواناً.

لا ينبغي أن يكون في الأجهزة الأمنية رجالٌ يعتقدون أنهم خليفة الحاكم، وأداة السلطان في الضرب والقمع والسحل والتعذيب والقتل، يمارسون سلطاتهم بلا رقيبٍ ولا حسيب، ويستغلون أسرار المواطنين وخصوصياتهم، ويتعقبونهم في بيوتهم وداخل أسرهم، ويتتبعون مكالماتهم واتصالاتهم، بقصد إذلالهم وإخضاعهم، كما يجب ألا يسمح لهم باستخدام العنف المعتدل إلا في مواطن محددة، وبموجب القوانين المرعية، وتحت رقابة القانون ولجان حقوق الإنسان، ومؤسسات الرأي والضمير، ولا يكون هذا إلا استثناءً وفي أضيق الظروف، على أن يكون آخر الوسائل والسبل، في ظل توافر أدلةٍ وقرائن، وشواهد وبراهين، يصعب دحضها أو نفيها، لا أن تمارس لاختلاق شواهد جديدة، وفرض وقائع مختلفة، تخالف الحق ولا تتطابق مع الأصل، تبرئ المجرمين وتدين وتجرم المظلومين وأصحاب الحقوق.

وكما يجب أن تكون للأجهزة الأمنية هيبتها ورهبتها بما يحقق الأمن والسلام، فإنه يجب أن يكون للقانون قوته وسطوته، وسموه وسيادته، وعدالته ونزاهته، فلا يسمح لصاحب سلطة بتجاوز الحدود، وارتكاب المخالفات، أو ممارسة الظلم والافتئات على المواطنين، بل يجب عليه أن يمارس الرقابة بشدة، والمتابعة بدقة، ليضمن عدم اختراق القواعد، وانتهاك الأصول، وأن تكون له كامل السلطة في محاسبة المخطئين، ومعاقبة المخالفين، وإيقاع أقصى العقوبة على المسيئين، الذي يتجاوزون القانون، أو يسيؤون استخدام القوة لصالحهم أو خدمةً لغيرهم، أو أولئك الذين يفرطون في استخدام العنف، ويلجأون إليه في كل الأوقات، دون إذنٍ أو موافقة، أو إخبارٍ وإعلام، ليس إلا إرضاءً لشهوة النفس، وسعياً لتحقيق شهرةٍ أو كسب، أو محاولةً لفرض سطوةٍ وهيمنة، وتحقيق رهبةٍ وخوف.

الأمن لا يتحقق بخوفٍ وعصا، ولا يكون بضربٍ وإهانة، ولا بإرهابٍ وترويع، ولا يفرضه شرطيٌ ولا سجان، ولا ينفذه قويٌ أو متسلط، بل هو خلقٌ يلتزم به المواطنون، ويتعهد به السكان، حباً لبلادهم، ووفاءً لأوطانهم، إيمانهم منهم بوجوبه، وحرصاً منهم على تحقيقه، وهو خلقٌ دعاناً إليه إسلامنا العظيم، وحرضنا على تحقيقه وتأمينه رسولنا الكريم، ضماناً لاستمرار العيش ومواصلة الحياة، وتحقيق السلامة والاستقرار.

 

 

اخر الأخبار