يعيّش ، حالة فريدة

11:15 2013-12-30

مروان صباح

لعل ، إن لم يكن مؤكداً ، يعيّش النظام السعودي حالة فريدة بعد أن تقلمت أوراق وأغصان الشجرة العربية ، كونه قائم على جغرافيا ، نبتت جذورها في ذات الأرض ، وقد تكون نادرة عبر المراحل التى تعاقبت على نظامه السياسي ، إلا أن ، اختطاف العراق وتدجين مصر ووضعها خلال الأربع عقود داخل المختبرات المتعددة ، أنتجت انماط متضاربة السلوك ، مما أخلّ بأمنها القومي والوطني معاَ ، لتشمل الأصعدة جميعها ، مقابل تطورات اقليمية دولية جديدة ، تحمل نمط متسارع الإيقاع ، لكنه ، لم يكن في الواقع الأمر منقطع عن المرحلة السابقة من الإعداد والتهيئة التى وفرت لبعض الدول الإقليمية الفسحة في الانتقال وصولاً إلى التفوق الذي بات ظاهراً ، بل قائماً ، يشكل حالة من التوتر والمتوترات داخل مربع يضيق كُلما قلة لغة الحوار والسياسة ، لكن ، لِم العجب ، إذا كانت دول مثل العراق ومصر وسوريا دُمروا بأشكال مختلفة أدى تدميرهم إلى استباحتهم بنسب متفاوتة ، رغم ، أنهم الأكثر عدداً وعتاداً ، ويمتلكون جغرافيات ديكتاتورية في المجال الحدودي ، البري والبحري ، وأيضاً ، الجوي ، التى اتاحت لهم عبر القرون ترسيخّ ثقافات متنوعة تحولت إلى حضارة لا يمكن اقصاءها أو شطبها مادامت المياه تجري بين قنوات الأرض والدماء تصل إلى أدمغة أهلها .
يحتاج النظام السعودي ، وليس على المدى البعيد ، الإستراتيجي طبعاً ، البحث والاستقطاب للعلماء العراقيين المشردين في العالم ، خوفاً من التنكيل المزدوج ، الأمريكي المالكي معاً ، او بالأحرى المتبقي منهم على قيد الحياة ، لمعالجة أمورهم وتوفير البيئة العلمية والأمنية من أجل إعادة بناء المراكز البحث الذري ، وليست ، المهمة فقط مقتصرة على جغرافية الخليج بقدر ما هو مطلوب تماماً ، الدعم الكُليّ للبرنامج الأردني النووي ، بحيث توّضع التفاصيل المتعلقة في إعداد قواعد يستطيع الجيل الحاضر والقادم الاستفادة والارتكاز إليها لاحقاً ، وتكون نواة في انشاء مفاعل نووية قادرة أن تضع حدًّ ، للإطماع الاستعمارية المتنامية يوم بعد الآخر ، وهذا يتطلب إلى ترجمة النوايا دون القبول بالمعوقات أو العُصي الغليظة التى من التأكيد سيحاول الكثير وضعها في عجلة التحرك نحو مثل هذا المشروع ، فالتحرك أمر ملح ، جداً ، كون المتغيرات الأمريكية تقترب من إعادة صياغة سياستها وتحالفاتها الخارجية أو على الأقل اضافة أعضاء جدد إلى النادي الإقليمي بمواصفات قوية ، وهنا ، الصياغة ليست مقتصرةً على منطقة الشرق الأوسط فقط ، بل ، تشمل بحر الأصفر وامتداداته بذات القدر والأهمية ، ولأن هذه الدول باتت تشكل مصدر قَلّق عن ما كانت عليه في السابق من هوان وشرنقة ، حيث ، انفجرت ديمغرافياً وتنامت اقتصادياً وأيضاً عسكرياً ، كما تضخمت اراداتها من العوائد المختلفة ، هيئهَاَ أن تشعر بقدر ما بالاستقلالية التى دفعها أن تتحرك نحو رغبات خارج الاطار الأمريكي في بعض المواقف والمحطات أحياناً ، لكن ، في الواقع المسألة لا تعيب الإدارة الأمريكية بقدر ما تعيب بالتأكيد الذهنية العربية في استقراء الأمور ، غالباً ما يتم قراءتها على النحو القاصر ، الناتج عن أمنيات ، وفي أفضل الأوقات يتفوق الاستماع المبني على الاستنتاجات بعيداً عن التحقق ودون المراقبة ، هذا ، تماماً ، يجري عادةً عندما تنتقل إدارة البيت الأبيض من قيادة حزب الجمهوري إلى الديمقراطي ، الذي دفع الكثير التورط في مقارنات واهمة ، أو أشبه بالخيالية ، بأن السياسات بين الإدارتين منفصلة أو أنها تتجه نحو التغيير ، وهنا يأتي التغيير لدى البعض حاصل جمع نتائج دروس طويلة من الماضي القريب ، تماماً كما ، هناك من يتبرع بالقول ، ويزيد ، أن الديمقراطيين أقل عسكرةً للأزمات التى تواجهها إدارتهم في بقاع الأرض ، على الرغم ، ومن منطلق البديهيات ، ف ، المسائل لها تابعياتها ، وجميعها تشيرّ عن حجم ابتعادها ، كلياً عن تلك الأنماط التى يعتقد البعض أنها سائدة ، بل ، هي ، سياقات تبلورت بشكل أكيد من أفكار ناتجة عن دراسة عميقة ووافية للجغرافيا والثقافات ، وقد تكون الولايات المتحدة ، ليس سواها ، من القوى العظمى ، التى أصدرت موسوعة تفصيلية عن الإثنيات في العالم ، مصحوبة بمراقبة دقيقة حول تطورها افقياً وعمودياً ، حيث تصدرت المنطقة العربية الحيز الأوسع ، أكثر من مائتان وخمسون أثنية يتواجد على أرضها ، التى يكفى ويفيض ، إن ما حُركت بعد نبشها بالاتجاه المعاكس ، ويأتي التساؤل في ذروة الاشتباك عن المبالغة في صرف الجهد والوقت بالبحث عن تلك الإثنيات وما يكمن وراء تأسيس هيئات التى تحولت إلى مراجع يتراكم في صفحاتها العديد من الأنماط والسلوك والسياقات المتبعة للفرد والجموع ، مما يتيح سهولة تحريك الخيوط عن بعد وبأقل الضرر عما سلف من اخفاقات جزئية قامت بها إدارة بوش الأبن ، إلا أن ، إستراتيجية الإمبوراطوية مازالت مستمرة بقوة ، لم تنقطع أبداً عن تحقيق اهدافها ، مادامت تمتلك في ادراج مكاتبها العديد من المخططات البديلة ، القادرة على معالجة وتغطية ثغرات تبرّز في امكان متنوعة .
لقد بدأت بالقرن السابق في أواخره ، وأيضاً متبوع بهذا القرن الجديد معارك عسكرية وسياسية ، آخرها معركة الانتخابات العراقية في اذار 2010 م التى حصلت قائمة علاوي على ما مجموعه 91 مقعداً من أصل 325 مقعد الذي جعله أكبر تحالف في المجلس النواب ، كان واضحاً دعم المملكة السعودية للتيار الوطني العراقي الذي يقوده الرئيس الوزراء الأسبق أياد علاوي ، لكن ، اصرار ايران على بقاء المالكي في منصب رئيس الوزراء ، لم يأتي إلا بعد نجاح التجربة اللبنانية ، حزيران / 2009 م عندما فازت القوى 14 اذار ب 57 مقعداً وبذات الاصرار ادى إلى فرض معادلة شبيهة على الساحة اللبنانية ، يا لعيب يا خريب ، صارت الأمور دون شك بالاتجاه التى ترغب وتريده ايران ، هكذا بدت المسألة تتعقد بعد كل اخفاق ، كأنها مجرد اختبار ، إلا ما فاقم الأمور ولم يكن على البال أو الخاطر سقوط مصر في يد جماعة الأخوان المسلمين ، مما افقد النظام السعودي محور اخر ومفصلي أدى إلى استحضار جميع الإحتياطات بهدف اعادة مصر إلى ما تركها السادات عليه ، ورغم استردادها السريع لدرجة لم تتأثر الدولة أو النظام بحكم الاخوان ، إلا أن ، هذه الأيام ألعن من تلك الساداتية ، كون جيشها يخوض حرباً في سيناء وبعض الثغور المتفرقة مع الجماعات التى تنتمي إلى الجهاد العالمي بأعضاء أممين ، هذا تماماً يعيدنا إلى حادثة ، هي عابرة لكنها حملت في طياتها دوافع كبيرة كانت وراء التفكير في انشاء قوة مضادة على غرار قوات حزب الله ، عندما نزل الحزب في السابع من أيار 2008 م واستعمل القوة لردع الحكومة عن القرارين ، كانوا محل نزاع ، الأول اقالة رئيس الجهاز أمن المطار ، والثاني ، شبكة الاتصالات الخاصة بالحزب ، فالمُحّصلة ، وجدت الرياض نفسها الخاسر دائماً في أي خلاف سياسي أو عسكري مع طهران ، مما أفقدها تباعاً موقع تلو الأخر دون ان تستدرك الأخيرة ردود الأفعال بالمفعول بهم وتقلّب المزاج العام بالمنطقة ، بدفع الاوّلى إلى حشد ما يمكن حشده لوقف الانهيارات المتتالية .
وللوهلة الأولى يخال للمرء أن المستجدات على تدفقها المتسارعة ، ناتجة عن إرث حملته فئات المتصارعة على مدى عقود ، خالصةً ، دون التدخل الخارجي ، وهذا ينفيه جملة وتفصيلاً سلسلة من المفكرين والصحفيين ذات شهرةً وسيطاً رنانان بين قارئ الصحف الالكترونية الغربية ، والمقابلات الخاصة التى على الأغلب تحصل في برامج أكثر انتشاراً ومشاهدةً على الإطلاق ، بدايةً من بريجنسكي وجيجيك وطارق علي إلى غالاوي وروبرت فيسك وغيرهم من خلطة الّيِمين واليسار ، الأوروبي الأمريكي معاً على ذات الوتر ، . والإشارة ، إن التحول في الآراء ، عامداً ، يتم توجيه الرأي العام ، رغم مجيئه بعد مرور أكثر من سنتين ، كان قد اسقطوا جميع أوراق التوت عن النظام السوري ، تحديداً ، بنفس المرحلة ، جرى تعامي مقصود ، عن تسلل كميات هائلة من عناصر الجماعات المسلحة الإسلامية ، مازال التدفق جاري ، خصوصاً ، أن هناك معابر تسيطر عليها تلك ، مما شكل سيطرة شبه كاملة على المناطق التى فقدها النظام خلال الأعوام الثلاثة ، طبيعياً ، وفي نقلة غير طبيعية ، بدأت الحدية أقل تدريجياً اتجاه النظام السوري وتوقفت الإغراءات المالية بهدف تحفيز الانشقاقات لكبار الموظفين ، كأنها عملية ترميمية مقابل سّعار جنوني نحو المعارضة التى كما يبدو بات فقط الآن ، التصور مكتمل لدى هؤلاء ، كأن ستائرها من نوع عريض لم يكشف من قبل عن ما يدور خلفها من مشروع يحمل في طياته تهديد مباشر للسلم العالمي ، بالإضافة إلى امكانية اختلاله إن ما نجحت تلك المجموعات بالسيطرة الكاملة على الجغرافية السورية ، وما يفاجئ المرء ، عندما تتقدم الأفكار والتحليلات بنقصان واقعيتها ، تُبقى الحال على ما هو عليه من مراوحة تخندق ، كي لا يتقدم أي نوع من حلول الجذرية ، طبعاً ، لسوريا الغارقة بالدماء ، أو أي منطقة أخرى شبيهة بالتوتر ، كأن المطلوب اضعاف أولاً النظام لدرجة ايصاله إلى حافة الهاوية ومن ثم تزويده بجرعات محدودة ، تبقيه على قيد الحياة ، يقاتل دون امكانية الحسم ، وهذا تماماً ، يحصل في مصر بعد ما اُضعف تأثيرها الإقليمي وبات قرارها متنقلّ بين واشنطن والدوحة ، والآن بالرياض ، رغم معاناتها من نزيف أهلي ، صحيح أنه بطئ ، لكن الحال ، أنَّ ، مؤشراته ، تقول بأن الخلل في نسيج الوحدوي للوطن ، حيث تدلل بنيويته على تشققات قابلة للتوسع مادام المشروع الوطني ألاستنهاضي غائب وبعيد عن المتحكمين اليوم في مصر .
لقد ارتكبت الأنظمة بشكل عام جملة خطايا في حقها وحق الشعوب عندما تخلت بشكل صريح عن تنامي قوتها ، بل ساهمة مساهمة رئيسية في طمس تلك المحاولات الشابة ، والتهت في مناوشات وصلت إلى حد الإستهتار بالمستقبل وما يحمل من افخاخ مُعدة وتنتظر ساعة التنفيذ ، لهذا ، ليس سهلاً على النظام السعودي معالجة السفينة العربية المتعثرة في عمق البحر ، في ظل عراق مستنفذ الطاقات ويبحث عن فرصة ملائمة كي يعلن عن انقساماته الجغّرافية ، بالإضافة للواقع السوري ، ايضاً ، تسير على ذات الخُطى ، كما هي مصر المنهمكة في وحلّ الإقصاء والتمرد على الدولة ، الذي يجعل من مهمة الرياض صعبة إن لم تكن مستحيلة في اعادة انتاج دول واقعة بين الفتنة والبحث عن هويات فرعية ترى فيها ، بديل طبيعي عن هوية الأم .
والسلام
كاتب عربي

 

اخر الأخبار