الدبلوماسية في عصر العولمة

تابعنا على:   00:48 2013-12-30

د. عبد الحكيم سليمان وادي

مقدمة

من المهم الحديث عن موضوع "الدبلوماسية في عصر العولمة "، فهو مرتبط بالعمل الدبلوماسي الذي عرفته البشرية، فخلال العصر الحالي،و في خضم الوضع الدولي الراهن، والذي عرف جملة من المتغيرات خاصة في إطار العلاقات الدولية، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وبروز قوة عالمية وحيدة استفردت بالعلاقات الدولية،وهو ما نتج عنه ظهور أنماط واستحداث أساليب في إطار العمل الدبلوماسي ،الذي يواكب المرحلة ويكون وعاء لخدمة المصالح المتميزة للطرف الأقوى (USA)، ففي إطار الشرعية الدولي وسيادة القانون الدولي العام،يبدو من الملاحظ أن العالم بشكل عام اتجه نحو ما يسمى العولمة، عبر فتح الأسواق وتلاقح الأفكار، وهو ما فتح قنوات جديدة في الدبلوماسية، التي تشمل نواحي جديدة،أي عبر المؤتمرات البيئية، والحقوقية والثقافية، والاقتصادية والاجتماعية، مما يخلق وضع برامج وتوصيات تهم بعض هذه المجالات، وهذه المجالات كلها لا يتم التفاوض فيها بين دولتين فقط، بل تشمل عدة دول ومنظمات، حكومية وغير حكومية تهتم أو تختص في هذا المجال أو ذاك.

وحتى نضع تصورا واضحا لهذا التطور الذي لحق العمل الدبلوماسي،و ذلك في إطار الحديث الدبلوماسي في عصر العولمة، سنعمد إلى استعراض تعريف للدبلوماسية قصد توضيح هذا الإطار، ثم تعريف العولمة كمحدد جديد للعمل الدبلوماسي، فما هي الدبلوماسية إذن، ثم ما هو مفهوم العولمة؟.

الدبلوماسية: تشتق كلمة دبلوماسية من الكلمة اليونانية (Diplôma)، ومعناها الوثيقة المطوية، وهذه الوثيقة تكون مطوية وتحتوي على المهمة التي سيتكفل المبعوث بأدائها، وفق ما تحتوي عليه، ويعرف د. حسن صعب الدبلوماسية بأنها "علم وفن وقانون وتاريخ ومؤسسة ومهنة"[1]، فهي علم لأنها تنطوي على قواعد، وعلى أصول محددة تحكم ممارستها ،وكيفية تطبيقها في العلاقات بين الدول، وفن لأنها تستلزم مواهب شخصية، كالقدرة على الإقناع والمفاوضة، ومحاولة التأثير على الطرف الآخر أخلاقيا ونفسيا، وقانون لأن ممارستها أصبحت محكومة بقواعد قانونية، وفق اتفاقيات وضعت لهذا الغرض،تاريخ لأنها سجل لتاريخ التعامل والتواصل بين الأمم، فمنذ ثلاثة آلاف سنة خاصة عند الهنود حيث اعتبروها "أنها القدرة على إثارة الحرب وتأكيد السلام بين الأمم". مؤسسة لأنها أصبحت تمارس في إطار مؤسسات، وهيئات كوزارة الخارجية والسفرات، ومهنة لأن الذين يمارسونها يتقاضون عنها أجور ورواتب مالية من طرف دولهم.

كما تجدر الإشارة إلى أن معجم أكسفورد عرفها بأنها " أولا: علم رعاية العلاقات الدولية بواسطة المفاوضات، ثانيا: الطريقة التي يتبعها السفراء والممثلون الدبلوماسيون في تحقيق هذه الرعاية".

وفي الأخير نشير إلى رأي د. لبابة عاشور في إطار حديثها عن تطور الدبلوماسية ضمن دائرة العلاقات الدولية، حيث تقول: " ومنذ عصر النهضة حتى الآن، والدبلوماسية تتطور ضمن دائرة العلاقات الدولية، تتأثر بها وتؤثر فيها، فمن دبلوماسية مؤقتة، أي غير دائمة وغير مستقرة ومتجولة إلى دبلوماسية دائمة، ومن الدبلوماسية السرية إلى الدبلوماسية العلنية أو المكشوفة، ومن الدبلوماسية الثنائية إلى متعددة الأطراف والمتنوعة الأشكال تمارس من قبل المنظمات الدولية والإقليمية على السواء".

وهذا ما جعل اختيارنا لهذا الموضوع ينصب على دراسة التغير الحاصل في العمل الدبلوماسي في إطار عصر العولمة، على اعتبار أن هذه قد أثرت على العمل الدبلوماسي، وذلك عبر جملة من المتغيرات الدولية، واكبت ظهور مفهوم العولمة.

العولمة: يعتبر مفهوم العولمة حديث الاستعمال والشيوع ، وهو يعني بالانجليزية Globalization، والفرنسية La Mondialisation ، وهذا المفهوم يتميز بكونه يعكس هيمنة غربية بزعامة USA والاتحاد الأوروبي، بحيث أصبحت العولمة تعني سلفا جعل العالم يسير وفق نمط الايديولوجية الليبرالية، وذلك وفق قيمها الثقافية والاقتصادية، والاجتماعية والسياسية، وكسر كل ما من شأنه إعاقة فتح الأسواق العالمية، ونقل المعلومات والبضائع، وتنقل الأشخاص ورؤوس الأموال، وتعتبر في الوقت الراهن الأزمة المالية العالمية من أبرز تجليات هذا المفهوم.

المبحث الأول: التطور التاريخي الدبلوماسية ومفهوم العولمة.

سنتطرق في هذا المبحث للتطور التاريخي للدبلوماسية ولظهور ومفهوم العولمة وذلك عبر مطلبين:

المطلب الأول: التطور التاريخي للدبلوماسية

لعل تفحص تاريخ الدبلوماسية، يظهر لنا أنها قديمة قدم الشعوب نفسها، وذلك لأن تطور هذه الأخيرة، فقد ارتبط بشكل أو بآخر بتطور حاجات الجماعات الإنسانية المختلفة، ففي سعيها لتنظيم العلاقات فيما ببينها، عمدت القبائل مثلا البدائية،والتي كانت تعيش في أجواء تسودها الصراعات والتناحر، خاصة اتجاه الفئات الغربية، أو الدخيلة على مناطقها، وحتى إزاء القبائل الأخرى التي تجاورها، وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا الوضع البدائي كان يفرض في بعض الأحيان التعامل مع الآخر، عبر الزعماء الذين يتفاوضون عبر المصاهرة وتبادل الهدايا، والتحالف قصد إيجاد سبل أفضل للتعايش وحماية القبيلة من الأعداء.

ومع تشكل الممالك والإمبراطوريات، كانت الحاجة إلى دبلوماسية ذات أبعاد أخرى، تكون عادة عقب نشوب الحروب فيفرض المنتصر إرادته عبر المبعوثين،ذلك لفرض شروط على الطرف الآخر، أو تقديم الهدايا لتجنب الدخول في صراع من القوى الكبرى.

وبحديثنا عن تطور العلاقات البشرية، وانتقالها من القبيلة إلى الدولة المدنية، أو الممالك والإمبراطوريات، لابد من أن نستحضر تطور الدبلوماسية، والتي عرفت أهمية كبرى كما أشار إلى ذلك الأستاذ فيليب كاييه Chater جنيف (1961) "الدبلوماسية هي الوسيلة التي يتبعها أحد أشخاص القانون الدولي لتسيير الشؤون الخارجية بالوسائل السليمة وخاصة من خلال المفاوضات"[2]. وقد عرفت الدبلوماسية أيضا عبر مراحل تاريخية مهمة كما أشار إلى ذلك (د. سهيل حسن الفتلاوي في مؤلفه الدبلوماسية بين النظرية والتطبيق) حيث اعتبر أن المراحل التي مر منها هذا التطور هي:

1- مرحلة البعثات الدبلوماسية المؤقتة: 476م – 1475م

وكانت هذه الفترة محكومة بعوامل مساعدة، خاصة على ظهور الدبلوماسية، أهمها ضعف الإمبراطورية الرومانية، وكثرة النزاعات بين الإقطاعيين والحكام في أوروبا، وكانت لغة الدبلوماسية هي الهدايا والزواج السياسي،هذا الأخير هو المساعد على خلق نوع من الترابط العائلي بين الممالك قصد فض النزاعات.

2- المرحلة الثانية: 1475- 1815

حيث يعتبر (د. سهيل حسن الفتلاوي) أن هذه المرحلة اتجهت الدبلوماسية نحو نوع من التنظيم داخل أوروبا، كما أشار في نفس السياق د.هاني الرضا[3] إلى أن المؤرخين ذكروا أن أول بعثة دبلوماسية أنشئها فرانشسكو سفورزا دوف ميلان في جنوا 1455، كما عينت فيينا 1496 تاجرين لها في لندن كمساعدي سفير بحجة مخاطر الطريق إلى الجزر البريطانية، ويعد كل من الكاردينال زيشوليو و الملك لويس الرابع عشر هما اللذان وضعا أساس وزارة الخارجية الفرنسية، كما جاءت معاهدة وستفاليا 1648 المعقودة بين ألمانيا وفرنسا والسويد، لوضع حرب الثلاثين سنة، والتي أسفرت عن ميلاد الدولة الحديثة في أوروبا نتيجة سقوط القوى السياسية المسيطرة سابقا (البايوية والامبراطورية الرومانية المقدسة)، وظهور فكرة المساواة القانونية بين الدول، كل ذلك ولد حراكا دبلوماسيا عبر ظهور السفراء المعتمدين، والمقيمين بشكل دائم وفق قواعد عرفية، ستؤدي إلى ظهور مؤتمر فيينا عام 1815.

3- المرحلة الثالثة: 1815- 1914

تأثرت الدبلوماسية حسب رأي دهاني الرضا بالعديد من المؤلفات لبعض الفقهاء القانونين، أمثال (جونيت ليس Gentillis) (وغروسيوس Grotius) وكاليير Callière وريكفورت Wicquefort) وبنكروشي Bankershook وقد ساهموا في وضع قواعد للممارسة الدبلوماسية ،أكدها مؤتمر فيينا لعام 1815، والذي عالج أيضا قضايا تتعلق بالتسلسل الوظيفي وقواعد البروتوكول، وقد تميزت هذه المرحلة أيضا بعدة خصائص جديدة ولجت العمل الدبلوماسي، وتمثلت في جملة من التغييرات التي كرستها اتفاقية فيينا 1815 ومن بين المستجدات:

أ- اعتبار الممثل الدبلوماسي ممثلا لدولته، وليس لشخص الحاكم، فهو مسؤول عن تصرفات دولته اتجاه الدولة المضيفة.

ب- اعتبار الممثل الدبلوماسي شخصية محترمة، وذات حصانة دبلوماسية وفق اتفاقية فيينا 1815 .

ج- أعضاء البعثة الدبلوماسية يعتبرون جزءا من إدارة دولتهم، وهم يعلمون من أجل رعاية مصالحها ومصالح رعاياها المقيمين بالدولة المضيفة.

د- اعتبار التجسس والتخريب أدوار أصبحت تضمحل في مقابل التعاون السياسي والعسكري، وتأسيس اتفاقيات تجارية وتعاون بين البلدان الأوربية.

غير أن هذه المستجدات بحكم الواقع كانت غير مثالية، بل نوعا ما غير مطبقة بالشكل الصحيح، وهو ما جسدته الدبلوماسية السرية، التي كانت عاملا حاسما في تكوين الأحلاف والدخول في حروب، ليست من ورائها أية مصلحة لشعوب القارة الأوربية، والتي ابتدأت بالحرب العالمية الأولى.

4- المرحلة الرابعة: 1914 إلى حدود الوقت الراهن

ترى في هذا الإطار د. لبابة عاشور أن الدبلوماسية مرت بمرحلة جديدة، حيث تقول : " كانت الدبلوماسية حتى الحرب العالمية الأولى تتميز بالسرية، بكونها محصورة في حلقة ضيقة من الدبلوماسيين المتخصصين، لكن الحقبة التالية تحولت إلى دبلوماسية متفتحة وعلنية أو ما يمكن تسميته بالدبلوماسية الديمقراطية"،ولعل هذا التحول هو الذي ساعد على بروز قواعد دبلوماسية جديدة، مثلتها اتفاقية فيينا 1961 للعلاقات الدبلوماسية والتي كان من أهم مصادرها أيضا:

1. العرف والذي هو العادات الدولية المرعية والمعتبرة بمثابة قانون دل عليه تواتر الاستعمال.

2. الاتفاقيات والتي تشكل الإطار القانوني المكتوب، وتضم نوعين:الاتفاقيات الثنائية، والمتعددة الأطراف.

3. القوانين الداخلية الوطنية: التي يعود للدولة حرية اختيارها وتحديدها للعمل الدبلوماسي بها.

4. الاجتهاد والفقه الدوليان ويضم هذا النوع قرارات المحاكم التحكيمية، ولجان التوفيق وقرارات الدائمة للعدل،وآراء الفقهاء الدوليين عبر مؤلفاتهم القانونية.

وإذا كان هذا التطور التاريخي للدبلوماسية عرف تسلسلا زمنيا متتابعا، فإنه في العصر الحاضر محكوم بآليات وميكانزمات دولية وإقليمية ومحلية، تجسدت في ظهور أنماط جديدة من التواصل والتفاعل في إطار جديد سمي بعصر العولمة، فما هو معنى العولمة وتطورها التاريخي الاستشراف

المطلب الثاني: مفهوم العولمة

يعتبر مفهوم العولمة مرتبطا بجملة من المتغيرات، خاصة على الصعيد الدولي، وذلك بالنظر إلى التحولات التي عرفها العالم إبان سقوط الاتحاد السوفياتي، وتزعم الولايات المتحدة العالم كقوة عسكرية واقتصادية كبرى، وفق إيديولوجية ليبرالية وجدت نفسها بدون منافس حقيقي بعد سقوط جدار برلين وانهيار المعسكر الشرقي، وتفكك الأحلاف العسكرية التابعة له مثل حلف وارسو وانحسار المد الشيوعي، والتغيير السريع في دول العالم من دول اشتراكية إلى أسواق مفتوحة في وجه البضائع الأمريكية.

وفي هذا الإطار يشير المفكر المغربي د. عبد الواحد الناصر[4] إلى الأبعاد الحقيقية للعولمة،وذلك بوصفها أداة للهيمنة بقوله:" العولمة مفهوم يتميز بالجد وبالتعقيد وبإثارة الجدل، فهي مفهوم جديد لأنها اقتحمت عالم ما بعد الحرب الباردة، واستطاعت أن تنتزع لنفسها هالة كبيرة لم يحظ بها مفهوم آخر في السنوات العشر الأخيرة" وتقصد هذه الفترة منذ بداية التسعينات القرن الماضي حتى يومنا هذا، (عبد الواحد الناصر العلاقات الراهنة).

ويؤكد أيضا في هذا الإطار على أن أساس العولمة، وأهدافها الحقيقية ليس هو خلق عالم مثالي، حيث تكون خدمة البشرية وكوكب الأرض هي الغاية الكبرى، بل يرى أن هناك ظواهر سلبية لهذا المفهوم أهمها ثلاث رئيسية وهي:

السبب الأول: من الناحية الاقتصادية ستؤدي إلى نتائج غاية في الخطورة، وغير قابلة للإصلاح بالنسبة لدول الجنوب.

السبب الثاني: في العولمة من الناحية العقائدية تعني قيام مجتمع دولي يسوده المشروع الليبرالي دون غيره من المشروعات، وفي مقدمتها المشروع الإسلامي.

السبب الثالث: العولمة هي صناعة الأقوياء وهم بذلك يسعون في الحاضر كما هو الحال في الماضي إلى فرض سيطرتهم الاقتصادية، ومفاهيمهم السياسية وثقافتهم الأيديولوجية عن طريق ما توصلوا إليه من تقدم اقتصادي وتطور علمي وتكنولوجي (عبد الواحد الناصر ع.د. الراهنة ص 97-98).

وللإشارة فالعديد من المفكرين الغربيين والعرب، اعتبروا أن ظاهرة العولمة تحمل في طياتها العديد من السلبيات، على كافة الأصعدة والمستويات خاصة الاقتصادية منها، وفي هذا الإطار يثير د. عبد الله بن جبر العتبي[5] إلى هذا الاتجاه بقوله:"يشير التعريفات الاقتصادية للعولمة إلى مستوى النشاط الاقتصادي الذي يتجاوز حدود الدولة القومية، فالإدارة الاقتصادية وصنع القرار الاقتصادي وقرارات الإنتاج والتوزيع، والتسويق يتم تنظيمها على مستوى عا لمي، الأمر الذي حد من قدرة الدولة القومية على التحكم في تنظيم الأنشطة الاقتصادية" (اللجنة العربية للعلوم السياسية ص 81، العدد 23 صيف 2009م).

وحتى لا نجحف في تعريف مفهوم العولمة على مستوى واحد، فإننا سنتطرق إلى مفهوم العولمة حسب عدة مستويات، كما أشار إلى ذلك د. غازي صلاح أبو العينين[6] حيث اعتبر أن هذا المفهوم الشامل لم يتم تحديده لأنه يتمحور حول عدة مستويات أهمها:

المستوى الاقتصاد: حيث اعتبر أن أساس مفهوم العولمة في هذا الإطار هو اندماج الأسواق وإزالة كافة القيود والحواجز أمام حركة الراساميل والسلع والأفراد، وإزالة مختلف الإجراءات والتدابير الحمائية، أمام حركية عمليات الإنتاج، مما يسهل عملية التصنيع، بفتح كافة الأسواق أما كافة المنتجات في جميع الدول، وفي هذا السياق يقول د. غازي أن "يمكن أن يصل بها في هذا المعنى (الاقتصادي) إلى حد الهيمنة على اقتصاديات العالم وجعل هذا الأخير سوقا واحدا مفتوحا لمنتوجات الدول الأقوى أو أقدر على خوض المنافسة وفرض الإرادة على الأطراف الأضعف وهذا يجد ذاته يمثل امتدادا للأفكار الاستعمارية القديمة"

المستوى السياسي والعلاقات الدولية: أصبحت العولمة رمز الليبرالية الجديدة المعبرة عن انتهاء مراحل تناقضها الإيديولوجي مع الشيوعية، وتأكيد نظام القطبية الأحادية الذي يعكس الهيمنة الأمريكية، هذه الأخيرة تجلت في العديد من الأحداث التي شهدتها أروقة الأمم المتحدة، حيث أصبحت صناعة القرار الأمي بيد الولايات المتحدة الأمريكية فهي تستخدم حق الفيتو بشكل مبالغ فيه ضد كل من يخالفها التوجه أو يرفض الانصياع لمطالبها، وهو ما أدى إلى غياب دور حقيقي لمنظمة الأمم المتحدة وعجزها عن حل القضايا والنزاعات الدولية خاصة الشرق الأوسط وملف إيران النووي وكوريا الشمالية ونزاعات القارات الإفريقية، السودان وحركات التمرد في التشاد وبعض الدول الإفريقية.

أما على المستوى السياسي فقد اعتبر. غازي صلاح أبو العينين،أن العولمة لدى الليبراليين، تعني تعميم تطبيق مبادئ الديمقراطية، والتعدية واحترام حقوق الإنسان، هذا ما تجلى في بعض دول أوروبا الشرقية، حيث ثم تدعيم الحركات السياسية ذات التوجيه الليبرالي، والمحسوبة على الغرب، في مواجهة القوى الشيوعية المنهارة.

المستوى العسكري: وتعني العولمة في هذا السياق، التركيز على مفهوم الخضوع لمنطق القوة الواحدة في العالم، عبر تعميم ثقافة الخوف، وسيادة الرعب من خلال عنصري القوة العسكرية (حاملات الطائرات الأمريكية وكذا الأوروبية في إطار حلف الشمال الأطلسي)، ومن الفكر الاستراتيجي عبر التنسيق مع مجموع دول العالم، لمحاربة ما يسمى بالإرهاب الدولي المتمثل في تنظيم القاعدة.

المستوى الثقافي: ويرى د. غازي في هذا السياق أن العولمة في مستواها الثقافي تتجلى في تجانس أنماط الحياة، حيث يقول : "أنها تعني تجانس أنماط الحياة أو العيش عبر تعميم ونشر ثقافة استهلاكية موحدة، تهدف بالأساس إلى استلاب العقول" مع الإشارة إلى أنه في صميم حديثه عنها، يعتبر أنها نوع من الغزو الثقافي، يهدف إلى تكريس النمط الأمريكي وتسويقه، وجعل دول العالم الثالث مناطق مستهدفة بهذه الثقافة الاستهلاكية، التي تخدم مصالح الشركات الأمريكية العملاقة.

المستوى الجغرافي: وفي هذا الإطار تسعى العولمة، إلى جعل العالم سوقا استهلاكيا قريبا، حيث تغير السلع جميع الحدود وفق اتفاقية الكات، مع فتح الأسواق وعدم وضع حمائية ضد الواردات.

وفي هذا الإطار يرى د. غازي يقول: "فهي تعني تدمير الحدود السياسية ووضع حد لنهاية الجغرافية، وليس فقط لنهاية التاريخ كما يرى بذلك فوكوياما"، وعلى هذا الصعيد فالشركات المتعددة الجنسيات، تضطلع بدور هام من خلال فروعها في جميع بلدان العالم وفي هذا يبرز أنها القوى المحركة.

المستوى التقني والتكنولوجي: يتجلى هذا المستوى في التطور التكنولوجي، الذي يعتبر المعبر الحقيقي عن الثورة المعلوماتية، لما بعد الثورة الصناعية، وهذا التطور جعل العالم وحدة واحدة، وقرية عالمية صغيرة، فأجهزة الاتصال والمعلوماتية ووسائل النقل الالكترونية، كما أثبتت أن الشبكة العنكبوتية أتاحت الفرصة للأفراد، في دخول عالم افتراضي يسمى بعالم "الانترنيت"، تعبر من خلاله الدول والشركات، والمؤسسات والمنظمات والأفراد، عن وجهات نظرها وعن مدى تبادل المعلومات، ومدى التواصل بين هذه الأطراف.

المبحث الثاني: الدبلوماسية في عصر العولمة: الإطار الثنائي

اتخذت الدبلوماسية الثنائية طابعا مميزا تكرس بتوسيع كبير منذ الستينات في الاعتماد على السفارات المقيمة أداة رئيسية للاتصال والتعامل بين مختلف دول العالم، ومظهر من مظاهر سيادة الدولة، وكان السفير يقوم بدور رئيسي بصفته ممثلا لرئيس الدولة ولنظامها الحاكم. وكان وضعه المميز وثقله السياسي في دولته المعتمد لديها من هذه الزاوية، وهكذا تداخلت متغيرات العصر في تقليص صلاحيات ووضع السفير والسفارة[7].

المطلب الأول: مظاهر التأثير في الإطار الثنائي

أصبح من المألوف أن تتم اتصالات رؤساء الدول بعضهم ببعض مباشرة، هاتفيا أو بواسطة رسائل مباشرة، وأحيانا – وليس دائما، تعطي الدولة سفيرها فكرة عن هذا الاتصال، وأدى ذلك إلى تقليص دور السفير كحلقة للاتصال الرئاسية بين بلده والبلد المعتمد لديه، ففي المسائل الحيوية الحساسة يفضل رؤساء الدول وحتى وزراء الخارجية حسمها بالاتصال مباشرة، وفي بعض الأحيان عبر زيارات متبادلة على مستوى صنع القرار.

وهذه المشكلة ليست بالجديدة، فلقد أحست السفارة الأمريكية في لندن في عهد الرئيس كارتر في أواخر السبعينات، أن المكالمات الهاتفية عبر الخط الساخن بين كارتر ورئيس الوزراء البريطاني كالاهان، تناولت مجموعة من الأمور، خفيت عن سفيرها الذي أحرج نظرا لجهله بها، وخاصة وأن الخارجية البريطانية كانت تحيط سفيرها في واشنطن بفحوى هذه الاتصالات، ولنا ان نتصور الوضع حاليا وقد تضاعف عدد المؤتمرات والقمم، على المستوى العالمي أو الإقليمي عشرات المرات عما كان عليه الوضع في القرون الماضية[8].

كما أن أداة ثورة الإعلام والاتصال إلى استباق وسائل الإعلام العالمية السفارات في نقل المعلومات والأحداث والتطورات في مختلف بلاد العالم، وفي استضافة أكبر الخبراء لتحليلها والتعليق عليها وفي عرض خلفياتها التاريخية ن بحيث لو وقع انقلاب عسكري مثلا في دولة افريقية أو لاتينية ، فإن وسائل الإعلام تنقل ذلك فورا وتعلق عليه ولا يبقى لسفارة الدولة المقيمة في عاصمة دولة الانقلاب إلا أن تضيف جوانب ربما تمس تأثير هذا الحدث في علاقة البلدين، ويعني هذا أن جانبا من مهام السفارة المحددة في معاهدة فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، وهو إحاطة بلدها بالتطورات والأحداث، وهذا قد قلص دورها بشكل كبير، وأدت كذلك ثورة الاتصال إلى التأثير على دور السفارة المنتمية إلى إحدى بؤر التوتر والصراع، مما أدى إلى تشابك التعاملات الدولية ووجود قنوات موازية للعمل الدبلوماسي منها مثلا الدبلوماسية الشعبية من خلال مؤسسات المجتمع المدني المتزايدة الأهمية والوفود البرلمانية، إذ ساهمت مباراة الطاولة مثلا في فتح الطريق أمام بداية الاتصالات بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، في أبريل 1970، في عهد الرئيس نيكسون، فيما سمي وقتها" دبلوماسية البنج بونج"، وفي نهاية التسعينات أدت مباراة في كرة القدم بين فريقين أمريكي – إيراني، إلى كسر الجمود بين البلدين.

ومن الواضح أن التغيرات الدولية، قد غيرت النظرة السابقة التي كانت تعرف كثرة التمثيل الدبلوماسي لدولة في الخارج دليلا على نشاط دبلوماسيتها ومتانة وضعها الدولي، ومكونتها العالمية. وأصبحت معظم المالي، إذ تعرف تراجعا في عدد أفراد البعثة، خصوصا الدبلوماسية بما يتوافق مع وضعها المالي، إذ تعرف تراجعا في عدد أفراد البعثة، خصوصا إذا علمنا ان معظم الدول تعاني من أزامت مالية.

وباتساع ميدان العلاقات الدولية، لم تعد الدبلوماسية التقليدية هي الآلية الوحيدة التي تستعملها الدول لتنشيط أو متابعة علاقاتها فقد مكنها التقدم وروح الانفتاح من إحداث وسائل أخرى منها ما هو رسمي يبدو في العلن ويضم الجهاز الدبلوماسي التقليدي (رئيس الدولة، السفراء، القناصل..)، منها ما هو سري (أجهزة المخابرات التي أصبحت من أهم الوسائل التي تعتمد عليها الدول في سياستها الخارجية، وكثيرا ما تكون هذه الأجهزة مرتبط بأعلى سلطة في البلد، مما يجعل منها منافسا قويا للجهاز الدبلوماسي لوزارة الخارجية).

وهناك أيضا، الدبلوماسية الموازية وتتمثل في:

1- وسائل الإعلام التي كثيرا ما تسبق البعثات الدبلوماسية في عملها إيصال الخبر وتحليله والتعليق عليه بخبرة ودراية، وهنا تبرز المنافسة الغير المتساوية التي بدأت هذه الوسائل تهدد بها الدبلوماسية الكلاسيكية[9].

( النص منقوص من المصدر)

اخر الأخبار