الرئيس يأكل السمك في عمان!

تابعنا على:   22:11 2015-10-31

نافزعلوان

لقد اخطاء الشعب الفلسطيني خطاءً فادحاً عندما ألقى ببندقية المقاومة ورضخ لعملية الجلوس الى طاولة المفاوضات دون بندقية تدوي هنا وهناك لتصحيح مسار اي تفاوض حول القضية الفلسطينية. لم يشهد التاريخ اي حركة تحرر في العالم قامت بالتخلي عن سلاحها بالكامل وجلست الى طاولة المفاوضات سوي حركة التحرير الفلسطينية! يا اخي حتى الكامير رووج في فيتنام كانوا يتفاوضون مع الأمريكيين وبنادقهم تعمل القتل في صفوف الجيش الامريكي ليل نهار، وعلى الرغم من ان أمريكا كانت تصب حممها النارية على المقاومين في فيتنام الا ان المفاوض الامريكي كان ينصت لما كانت تقوله البندقية الفيتنامية على الارض فتؤثر هذه البندقية البسيطة على الخطوة القادمة للمفاوض الامريكي وهكذا حتى انسحبت الولايات المتحدة الامريكية بعظمتها وجبروتها من امام البندقية الفيتنامية الهزيلة. هذه البندقية البسيطة الهزيلة، الا انها وعلى الرغم من هزالتها ظلت تطلق الرصاص وتؤثر في القرار الامريكي وحتى خروج اخر جندي أمريكي من فيتنام. وهناك العديد من أمثلة المقاومة المسلحة التي استمرت على الرغم من وجود المفاوضات ورغم والتهديد بوقف المفاوضات الا ان أياً من تلك، لم تتوقف عن المقاومة المسلحة ولا حتى ساعة وحدة من الزمن كل بنادق الثوار لم تخمد نيرانها أثاء المفاوضات الا البندقية الفلسطينية.

والمؤسف ان الذي اخمد هذه البندقية الفلسطينية لم يكن عدواً جباراً قام بتدمير هذه البندقية وإخمادها، ان من قام بعار اتخاذ قرار اخماد البندقية الفلسطينية هم الفلسطينيون أنفسهم! نعم نحن الفلسطينيون قررنا ان نلقي السلاح من أيدينا وان نذهب الى طاولات المفاوضات عُزلاً من السلاح. لم تجبرنا قويً عظمى على ذلك ولم ندخل في حرب مُنينا فيها بهزيمة نكراء وتم مصادرة سلاحنا بعد تلك الهزيمة، ولكن هكذا وبدون اي مبررات قررنا ان نفعل ذلك. والمثير للسخرية في هذا الامر ان المطالب التي كانت مفروضة علينا هو التوقف عن الاعمال الإرهابية والعمل الإرهابي كما قام بتوصيفه القانون الدولي هو كل عمل إجرامي ما من شأنه ارهاب اي مجتمع من المجتمعات لأغراض مادية كمحصلة نهائية لسياق الجريمة. عبارة صريحة واضحة لا يلزمها جهابذة القانون لفهمها وتفسيرها. لا علاقة لها بالمقاومة الوطنية والتي أيضاً قام القانون الدولي بتوصيفها على انها عمل جماعي لمقاومة عدو للبلاد او لأي مجتمع من المجتمعات يبيح استخدام وسائل الموت على المعتدي من اجل صيانة او استعادة الوطن او المجتمع.

إذاً اختيار التوقف عن المقاومة جاء، اما عن طريق الخدعة او عن طريق الغباء البحت ونحن نرجح الأخير. لا يعقل ان تتم خديعة مقاومة عجزت عن كبح جماحها كل قوي العالم مجتمعة، مقاومة كانت تخطف الطائرات متى شاءت وتقوم بعمليات في قلب عواصم العالم الحديث المتطور في ميونيخ وغيرها، معنى هذا اننا كنّا حركة مقاومة على قدر مذهل من الذكاء والعبقرية لذلك أسقطنا ان نكون قد وقعنا في خدعة ولكن كما قال المثل الشعبي ( غلطة الشاطر بعشرة )، يبدو وان حالة من الغباء انتابتنا فقررنا ان نلقي السلاح وان نلقي بمؤخراتنا المتعبة المنهكة من المقاومة الشاقة على مقاعد المفاوضات الوثيرة وما ان لامست مؤخراتنا تلك المقاعد الوثيرة حتى تبخرت البندقية من أيادينا وحلت مكانها الاقلام المذهبة وكست معاصمنا الساعات الرولكس وأعجبنا بشدة التنقل بعربات فارهة مكيفة الهواء.

في المقابل كان المفاوض الصهيوني وشركاءه من المفاوضين الاوربيون والامريكيين، يمعنون في توفير أقصى وسائل الراحة للمفاوض الفلسطيني ابتداء بتوفير رحلات الدرجة لأولى هذا اذا استعصى الامر في تدبير طائرات خاصة للوفد الفلسطيني وقال حيدر عبدالشافي كبير المفاوضين الفلسطينيين آن ذاك: كنت انظر الى صائب عريقات وهو غاطس في مقعد الدرجة الاولى ونحن في طريقنا الى مباحثات مدريد، انتابتني ساعتها وانا اشاهد مدى استمتاعه بكرسي الطائرة الوثير هو وبقية وفد المفاوضات، انتابتني الام سقطت في قعر صدري وشعور عارم ان هناك راحة متعمدة يتم توفيرها لنا ومنذ ساعتها ادركت اننا في فخ كبير سيسلبنا القدرة والرغبة في المقاومة بعد ان أذاقونا طعم الرفاهية، ادركت ساعتها ان أيادينا ستصبح ناعمة ولن تقوى على حمل بندقية الثائر بعد اليوم.

قام كبير المفاوضين الأمريكيين بزيارة لمقر إقامة كبير المفاوضين الفيتناميين في باريس وكانت دهشته بالغة عندما اكتشف ان الوفد يقيم في فندق متواضع جداً جداً في احد الأحياء العادية في مدينة باريس وازدادت دهشته عندما دخل كبير المفاوضين الأمريكيين الى الغرفة ووجد ان كبير المفاوضين الفيتناميين كان يأكل من طبق من الأرز قام بتغطيته بعناية بقماشة رقيقة وقام بتعليق البدلة التي يرتديها كل يوم على مسمار في حائط الغرفة ويفترش وينام على حصيرة مصنوعة من الخوص اصطحبها معه من فيتنام على الرغم من ان السرير في تلك الغرفة كان متواضعاً وشبه متهالك ولن يحسده عليه اي مخلوق في العالم لو نام على هذا السرير الحقير. عندما سأل كبير المفاوضين نظيره الفيتنامي عن سبب ما يراه قال له كبير المفاوضين الفيتناميين : ان اخواني المقاتلين في فيتنام يحسدوني على صحن الأرز الشهي هذا لأنهم لا يجدون مثله ليأكلوه ويحسدونني على نومي على هذه الحصيرة الوثيرة بالنسبة لهم لأنهم ينامون على سرر مصنوعة من الطين وأحياناً على جثث رفاقهم في السلاح الذين سقطوا تحت حمم ونيران طائراتكم. لقد هز المشهد كيان كبير المفاوضين الأمريكيين وعند لقاءه مع الرئيس جونسون حين عودته الى واشنطن قال له: نحن في حرب مع شعب ينام قليلاً تحت أحسن الظروف ويأكل قليلاً حتى عند وفرة الغذاء ويعمل كثيراً .. كثيراً جداً .. كم أنا خائف على جنودنا من هؤلاء الفيتنام.

لقد اصاب الصهاينة في حسن قراءتهم لنا وأخطأنا عندما كشفنا لهم مدى حبنا للرفاهية والعيش الرغيد في غير أوانه، لقد أحسن الصهاينة والغرب صناعة الطعم واحسنا التهام هذا الطعم وكما نشاهد الشعب الفلسطيني يموت في انتفاضة عزلاء من السلاح امام مستوطنين مدججين بالسلاح ورئيس الفلسطينيين يتناول وجبات السمك المختلفة في عمان ورجالات حكومته في رحلات ترفيهية بين القاهرة وروما ...

نافزعلوان - لوس انجليس

اخر الأخبار