الانتخابات التركية: الحسم بيد القوميين

تابعنا على:   13:24 2015-10-30

ماجد عزام

كانت الأحزاب القومية الرابح الرئيس في الانتخابات التركية الماضية، التي جرت في حزيران/ يونيو الماضي مع حصول حزب الحركة القومية اليميني على 16 بالمائة من أصوات الناخبين، أي أنه زاد قوّته بمقدار الربع تقريباً عن الانتخابات التي سبقتها، بينما تجاوز حزب الشعوب الديموقراطية الكردي لنسبة الحسم العالية أصلاً إثر حصوله على 13 بالمائة من أصوات الناخبين.

انتخابات حزيران الماضية شهدت كذلك تراجعاً في مكانة الحزبين الكبيرين أي حزب العدالة والتنمية الذي فقد  تسعة بالمائة من قوته قياساً لانتخابات 2011، مع تسرب أصوات منه للحزبين القوميين التركي والكردي بينما فقد حزب الشعب الجمهوري وهو حزب المعارضة الرئيسي ثلاثة بالمائة من قوته الانتخابية قياساً أيضاً إلى الانتخابات قبل الماضية.

الآن وعلى أعتاب الانتخابات المبكرة المقررة في الأول من تشرين ثاني/نوفمبر يبدو وكأن العكس يحدث مع تراجع في مكانة الأحزاب القومية التركية والكردية وزيادة في قوة الحزبين الكبيرين العدالة والشعب الجهوري.

وحسب استطلاع للرأي نشرت نتائجه صحيفة راديكال اليسارية المقربة من المعارضة - 23 أكتوبر الجاري - يحصل حزب العدالة والتنمية على 43 بالمائة من أصوات الناخبين، بينما ينال حزب الشعب نسبة 26  بالمائة، وحزب الحركة القومية 15 بالمائة، وحزب الشعوب الديموقراطية 12 بالمائة من الأصوات.

هذا يعني زيادة شعبية حزبي العدالة والشعب باثنين بالمائة لكل منهما وتراجع حزبي الحركة والشعوب بواحد بالمائة لكل منهما، علماً أن استطلاعات أخرى تتحدث عن أن نسبة التراجع قد تصل إلى اثنين بالمائة لكل منهما، بينما ترتفع نسبة حزب العدالة بثلاثة بالمائة تقريباً لتلامس حدود الـ44 بالمائة ما يعني حصوله على الغالبية البرلمانية واستعادة قدرته على تشكيل الحكومة منفرداً.

ما الذي حصل بالضبط؟ وما الذي تغير في المزاج الشعبي التركي من حزيران/يونيو حتى الآن؟

فيما يتعلق بحزب الحركة القومية رأى مصوّتوه أو نسبة منهم على الأقل أي تلك التى تسرّبت إليه من حزب العدالة التنمية كونهم يغرفون من  نفس المعين الانتخابي أن إداء الحزب لم يكن على المستوى المأمول، وأنه فوّت فرصة تشكيل ائتلاف قومي يميني مستقر عبر شروطه التعجيزية، وبل وإقفاله باب الائتلاف مع العدالة منذ الساعات الأولى لإعلان نتائج انتخابات حزيران الماضي.

إلى ذلك تعتقد نسبة معتبرة في الشارع اليميني أن إضعافهم لحزب العدالة والتنمية لم يأت بالنتائج المرجوّة، حيث أدّى إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي الاقتصادي والأمني، وإن الحزب هو وحده القادر على انتشال البلد من الوضع الذي وصلت إليه في الشهور الخمسة الماضية.

أمر مماثل حدث لدى مصوّتي حزب الشعوب الكردي من الأكراد، حيث تدهورت الأوضاع فى مناطقهم على كل المستويات وارتدّ تصويتهم سلباً عليهم مع جنوح الحزب إلى مزيد من التطرّف وانحيازه إلى جانب عسكر جبال قنديل على حساب منطق التسوية الحكمة التعقل والهدوء، كما أن  حالة الاستقرار التي سادت المناطق الكردية في السنوات العشر الماضية، انهارت مع استئناف حزب العمال لعملياته بعد الانتخابات بل وذهابه إلى حد إعلان الإدارة الذاتىة في بعض المناطق - جيزرة مثلاً - ما أدّى إلى رد فعل عنيف من السلطات، وكما في الشارع التركي تميل شريحة من الناخبين الأكراد إلى إعادة النظر في طريقة تصويتهم وستعود نسبة منهم بالتأكيد إلى حزب العدالة والتنمية، خاصة مع تصحيحه للخطأ الذي ارتكبه في الانتخابات الماضية، بما يخص مرشحيه في المناطق الكردية تحديداً.

يجب الانتباه كذلك إلى أن نسبة معتبرة من مناطق الغرب التركي صوّتت لصالح حزب الشعوب، أيضاً ما ساعده على تجاوز عتبة الحسم، وهذه النسبة تضم أساساً شريحة يسارية علمانية متشددة من أنصار حزب الشعب الجمهوري التي صوّتت للشعوب بقصد إضعاف حزب العدالة، ومنعه من الحصول على الغالبية البرلمانية أو بغرض الاحتجاج على حزبها الأمّ أي حزب الشعب، وعجزه عن تحدي الحزب الحاكم بشكل جدّي. وهذه الشريحة ستعود إلى جذورها إمّا لأنها متيقّنة أن حزب الشعوب بات قادر على أن يتجاوز نسبة الحسم بنفسه أو لأنها تفهم أن أي زيادة في قوة حزب المعارضة الأكبر ستجعله في موقع أفضل عند مفاوضات ائتلافية قادمة إذا ما فشل العدالة في نيل الغالبية البرلمانية مرة أخرى.

في هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أن منسوب التجييش لصالح حزب الشعوب في مناطق الغرب وتحديداً في القنوات اليسارية العلمانية أو حتى تلك التابعة لجماعة غولن انخفض كثيراً في ظل تنامي الشعور القومي التركي، واتهام شرائح واسعة لحزب الشعوب بالتماهي أو حتى بالصمت عن أفعال وجرائم حزب العمال الكردستاني.

حزب العدالة من جهته لم يكتف بمراجعة الناخبين القوميين لطريقة تصويتهم، بل بادر إلى مراجعة جذرية لحملته الانتخابية مع التقليل قدر الإمكان من التصويب على الأحزاب المنافسة خاصة حزب الحركة القومي والتركيز في المقابل على برنامجه الانتخابي، وليس برامج منافسيه والحديث عما سيفعله، وليس ما فعله خاصة فيما يتعلق بالشباب والمرأة، ودعم أصحاب المشاريع الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة، إضافة طبعاً إلى المضي قدماً في المشاريع العملاقة التي بدأها.

الحزب سعى  كذلك للتمييز بين حزب الشعوب وقيادته وناخبيه بشكل عام، ومع اتهام القيادة بالتماهي مع الإرهاب والتراجع عن عملية التسوية من ناحية أخرى ركّز على المضي قدماً في المشاريع التنموية في المناطق الكردية على  قدم المساواة مع المناطق التركية، كما كان الحال في الفترة التي سبقت الانتخابات.

غير أن أهم ما ميّز الحملة الانتخابية للحزب الحاكم كان تأكيده الدائم على أنه وحده القادر على حماية مصالح البلد والدفاع عنها، وأن إعطائه التفويض اللازم للحكم منفرداً يعني حكماً العودة إلى الحالة المستقرة سياسياً وأمنياً والناهضة اقتصادياً التي عاشتها تركيا خلال العقد الماضي.

حزب العدالة تلقى في الأيام بل في الساعات الماضية أخبار جدّ سارة مع الإعلان عن زيادة الإقبال على التصويت من قبل المغتربين الأتراك بنسبة 43.7 بالمائة، وهي نسبة لافتة وكبيرة كما استفاد الحزب الحاكم من تدفق المسؤولين الأوروبيين على أنقرة، بما فيهم أنجيلا ميركل لطلب المساعدة في قضية اللاجئين والتطورات في سورية بشكل عام، مع اتفاق  مبدئي على مساعدة تركيا في تحمل أعباء اللاجئين، كما على تسهيل سفر المواطنين إلى دول الاتحاد الأوروبي، وهي قضية كانت وما زالت جد مهمة ومؤثرة بالنسبة لتركيا.

قياساً إلى المعطيات السابقة  وباختصار يتجه  حزب العدالة والتنمية  نحو  زياده قوته بنقطتين او ثلاث مئوية وهو نفس حال حزب الشعب الجمهورى المعارض ، بينما يفقد حزب الحركة القومى نقطة الى نقطتين وهو نفس حال الحزب الكردى ، ما يعنى اننا  أمام احتمال جدّي  لحصول حزب العدالة على الغالبية البرلمانية، او الوصول على بعد مقاعد قليلة منها، وربما لن يعانى كثيرا فى تشكيل الحكومة عندئذ وقد  تتأثر الخريطة الحزبية بنتائج الانتخابات، ولكن المشهد السياسي   سيظل على حاله، حيث الكتل البرلمانية  ستكون مضطرة للتحاور والالتقاء فيما بينها تحت سقف البرلمان، من أجل حلّ الأزمات الداخلية والخارجية التى تعانيها تركيا ،وطبعاً على قاعدة احترام آراء الناخبين، كما ستتبدّى في صناديق الاقتراع بعد أيام.