قبل أن ندفع الثمن باهظاً

تابعنا على:   22:28 2015-10-29

أ.د. خالد محمد صافي

يبدو أن ما نكتبه كأكاديميين لا يلقى أذان صائغة لدى صانعي القرار بخلاف ما يحدث في الدول المتقدمة التي تستند على مقالات وتقارير مراكز ومعاهد الأبحاث. فقد كتبنا عن فخ أوسلو، وكون المفاوضين الفلسطينيين كانوا موقعين وليس مفاوضين ولم ينتبه لكلامنا أحد حتى أكد كبير المفاوضات صائب عريقات عن فشل المفاوضات بعد 18 سنة من انطلاقها، وذكر اللواء عمر عاشور في لقاء له، عن إشكالية التفاوض الفلسطيني في الملتقى الفكري الذي ينظم أسبوعيا لدى زميلنا وصديقنا الدكتور فؤاد حمادة في النصيرات، وكيف كان من لا يفاوض على اتفاق هو من يأخذ الاتفاق قبل اكتمال التفاوض عليه، وقبل معالجة التحفظات ليتم توقيعه دون تحفظات. وقلنا عن أكبر خطأ وقع فيه المفاوض الفلسطيني عندما وافق على عدم تجميد الاستيطان، وكيف نفذت إسرائيل من هذه الثغرة التي كانت شرك إسرائيلي للمفاوض الفلسطيني إلى إطالة المرحلة الانتقالية، والاستمرار في الاستيطان بوتيرة سريعة جدا لخلق حقائق الأمر الواقع قبل أي مفاوضات نهائية. وأن خطأ القيادة الفلسطينية أنها تركت ملفات الثوابت الوطنية للمرحلة النهائية، وهي قضايا المشروع الوطني الفلسطيني مثل القدس واللاجئين والاستيطان ... الخ.

وتوالت الأخطاء، وبدلا من تعديل المسار في انتفاضة الأقصى التي اندلعت سنة 2000م كانت نتائجها هي فقدان أعز ما نملك وهي وحدتنا، وحتى إنجازنا الوحيد إن صح ذلك وهو إجبار إسرائيل على الانسحاب من طرف واحد من غزة، وإزالة المغتصبات هناك حولناه إلى انقسام مقيت اضعف المشروع الوطني وشله، وحرفه عن مساره.

وقد كتبنا مقالا بعد تشكيل حركة حماس للحكومة بأن ذلك أكبر خطأ وكان العنوان " خطأ حركة حماس بل خطيئتها بتشكيل الحكومة الفلسطينية"، لم نجد لكلماتنا أذان صائغة، ولم يسمعوا نصيحتنا بأن عليهم من خلال كتلتهم البرلمانية الكبيرة أن يراقبوا أداء أي حكومة أخرى، ويحاسبوها، ومن هنا يكون التغيير والإصلاح. ولكن ما حدث أننا شاهدنا التغيير دون الإصلاح. وتعرض شعبنا في غزة للحصار بسبب حكومة حماس. فحركة حماس عليها أن تبقى حركة مقاومة بعيدة عن واجهة المشهد السياسي حتى لا تتعرض للحصار ويتعرض لذلك شعبنا الفلسطيني، فلا حكومة حقيقية في ظل الاحتلال، وعلينا تحرير الوطن قبل الحديث عن حكومات حقيقية. وهنا قفزت حركة حماس على الواقع، وعانت حكومتها ما عانت من حصار دفع الشعب في غزة ثمنه باهظا حتى أدركت حماس خطأ ما أقدمت عليه، فهرولت للتخلص من الحكومة وعبئها نحو حكومة توافق وطني ضعيفة، وتوافق حركة حماس على تشكيلها حتى دون أن تعرض على البرلمان، قافزة بذلك عن القانون الأساسي الفلسطيني. وكأن حركة حماس تسند إلى القانون بشكل انتقائي حسب هواها. ولا تزال حركة حماس تدفع ثمن تشكيلاتها للحكومات خلال الثماني سنوات (2006-2014)، بعد أن حولت قياداتها وعناصرها لموظفين، أصبحوا عبئ على قرارها وقدرتها.

وهكذا كان شعبنا الفلسطيني مختبر لتجارب فصائله، أولا فتح وثانيا حماس. فهناك تجربة أوسلو وهناك تجربة الانقسام وحكومات غزة الحمساوية، ومع ذلك هل قامت كل من فتح وحماس بعملية تقييم لتجاربهم في مختبرات الشعب الفلسطيني. هل هناك عقلية جديدة فتحاوية، وعقلية جديدة حمساوية. هل هناك تعديل وتحسن في الأداء بناء على تجربة نقدية للماضي. للأسف لا فما زال كلا الطرفين يسير وفق هواه، ولا يزالا يجربا في الشعب الفلسطيني، ولا يزال الانقسام مستمر. فكيف يمكن أن تنجح هبة حتى لو كانت جماهيرية في ظل الانقسام، وفقدان كل طرف الثقة في الطرف الآخر. كيف يمكن أن تنجح هبة جماهيرية بدون دعم مؤسسي لها حتى تستمر ولا تتوقف على أعمال فردية هنا وهناك. فقيادتنا لا تقرأ التاريخ، ولا تعترف بالفشل، وحتى لا ترغب بالاعتذار من الشعب الفلسطيني على ما أصابته في مقتل بسبب أوسلو، والانقسام ... الخ. هل قامت حركة حماس بتقييم تجربتها خلال سنوات حكمها، هل حصد الشعب الفلسطيني شيئاً من ثلاث اعتداءات إسرائيلية هي بالفعل حروب على غزة (2008-2009، 2012، 2014). فحماس قالت عن كل هذه الحروب أنها انتصرت. ولكن لم نجد ذلك النصر سوى في الخطابات والتصريحات. وأخيرا يتحفنا قائد بالقول إن غزة وإن كانت تعاني من الفقر فهذا لا يضير طالما أنها تتغذى وتشبع من الكرامة. هل هذا تقييم سياسي للأداء أم خطب منبرية لا تغني ولا تسمن من جوع. أين معالجة مشكلة الشباب والخريجين في غزة التي تطل برأسها في كل مناسبة، تاركة الشباب للإحباط والإدمان والرغبة الشديدة في الهجرة والهرب من وطنهم.

وكتبنا قبل بضعة شهور مقال بعنوان " حماس والحصاد المر"، وتناولنا فيه كيف أن شعبنا يحسن التضحية ولكن قيادتنا لا تحسن الحصاد، سواء على الصعيد السياسي أو المقاوم العسكري، وطالبنا باستراتيجية تجمع بين الزرع والحصاد. لأن الفلاح الشاطر هو من يحسن الزرع ويحسن الحصاد. وهكذا فالسياسة هي فن الزرع ولكن الأهم من ذلك فن وإبداع الحصاد لأن العدو يسعى دوما كل يحرمك من الحصاد. وهنا تكون السياسة وهي أن تمنع الخصم من الحصاد. والعودة للمثل الشعبي " زي الذي يحرث ويلبد". ولم يستمع أحد لكلامنا، بل أن ما كتبناه يجد التطبيل والتزمير والتسويق عندما يكتب من قبل آخرين لا لكونهم باحثين وأكاديميين بل لأنهم قيادات حزبية. فتخرج الصحف لتصف مقال القائد الحزبي بأنه مقال جريء، هل يعني ذلك أن السياسي دوما هو من يجب أن يفكر ومن يجب أن يقرر ومن يجب أن يقيم، ومن يجب أن يكتب، أما الأكاديمي والمثقف فلا يسمع له.

إن مراقبة الأداء الفلسطيني، وتقييمه هي واجب ومسؤولية كل فلسطيني، مثقف أو حتى غير مثقف، كل يجب أن يراقب في موقعه. وليس فقط كتابات القائد السياسي هي من يجب الاستماع لها والتهليل لها، ففي الغرب يستمع الساسة للأكاديميين والباحثين وليس العكس كما هو عندنا. ولذلك نقول بأن عملية النقد والتقييم البناء هي واجب الجميع لأن الوطن ملكنا جميعا وليس لهذا الفصيل أو غيره. وكفى على الفصائل ان تجعل من الشعب الفلسطيني ودماء أبناءه مختبرات لتجاربها الفاشلة. فنحن لسنا بحاجة الآن لخوض كل تجربة للتعلم فيها الخطأ والصواب، فهناك تجارب كافية في تاريخنا وتاريخ غيرنا علينا التعلم منها قبل أن نقبل على كل تجربة.

اخر الأخبار