فتحي الشقاقي في ذكرى استشهاده: عنوانٌ وجهادٌ وأثر

تابعنا على:   20:12 2015-10-25

أمد/ غزة - كتب د. أحمد يوسف: كان د. فتحي الشقاقي منظّراً وصاحب رؤية، وكانت أفكاره سبّاقه، عاش لفلسطين واستشهد من أجلها، وجعل قضيتها همًّا مركزياً لكل الإسلاميين من طنجة إلى جاكرتا ومن المحيط إلى الخليج، حتى النشاط الإسلامي في الحواضر الغربية لم تغب عنه فلسطين؛ الشعب والقضية.
في الستينيات وقبل النكسة عام 1967م، رضعنا الوطنية وتشرَّبناها معًا من نبع الخطاب الناصري، حيث كانت مسامعنا تطرب لنبرة حديثه الرئيس جمال عبد الناصر (رحمه الله) وتهتز على إيقاع كلماته وجزالتها، وكنّا في حالة من الاستنفار الدائم بانتظار "البيان رقم واحد".. كانت أحلام العودة إلى أرض الآباء والأجداد في فلسطين لم تفارق مجالسنا، وكانت ترقد إلى جانبنا ليل نهار.
وقعت الحرب، وكانت الصدمة التي هزت الكيان، وأيقظتنا من سكرة الشعارات، وهوس الحديث عن القدرات العسكرية الخارقة لهذه الأمة.
وبعد الهزيمة المروعة عام 1967م، بدأنا نشاهد جيش الاحتلال الإسرائيلي يجوب شوارع المخيم وأزقته.. كان العجز والخوف يشل سواعدنا، والوهن عشش وأرخى سدوله على مخيمات غزة، وتقاصرت مع الإحباط الهمم، وكانت نظرات اليأس والقنوط تسكن الوجوه.. لقد انتصرت علينا إسرائيل أو من كنا نسميهم شذاذ الأفاق.. يا لها من كارثة طعنت كبرياء روحنا الوطنية، وأصابت اعتزازنا القومي، وألقت بنا على الرصيف، حيث أخذنا نفتش لنا عن منسأة فكرية نتكئ عليها أو مرفأ يحمل أحلامنا إلى فلسطين من جديد.
الشيخ أحمد ياسين: صحوة الإسلام في فلسطين
جاء من يسعى ليلتقطنا، ويعيد تشكيل ملامح الرؤية والمسار، وضبط البوصلة وتوجيهها.. وكانت اللقاءات الأولى في بيت الحاج محمود محسن (أمدَّ الله في عمره)، أحد الشخصيات المعروفة بانتمائها للإخوان المسلمين منذ الخمسينيات، حيث اجتمعنا هناك للمرة الأولى مع الشيخ الشهيد أحمد ياسين، وبدأنا مع روح كلماته نستيقظ من غفوة الشعارات الوطنية التي سكنتنا.. كان الشيخ - فعلا - لمن يتفرس في ملامحه ظاهرة معجزة وأسطورة تحدي... أعاد لنا الأمل بالأرض والقضية، وغرس فينا حب الوطن وعشق الشهادة من أجله.
كانت زيارات الشيخ لمدينة رفح متقطعة، ولكنا كنا نلتقي بشكل شبه يومي في بيت د. فتحي الشقاقي (رحمه الله)، لنتذاكر ونتفاكر في كل ما حمله لنا الشيخ أحمد ياسين في دروسه، ولقاءاته السرية ببيت ذلك الرجل الصالح، الذي كان يغمرنا دائماً بكرمه وابتساماته.
كان د. فتحي طالباً متميزًا، ترتيبه الأول في المدرسة، وموسوعة معرفية، يقرأ المجلات الغربية ويقدم لنا الرؤية والتحليل، فيتكامل عطاؤه مع جهد الشيخ أحمد ياسين (رحمه الله).
كان بيت د. فتحي الشقاقي لنا مثل (دار الأرقم) نتسلل لها لوذاً، ونقضي الأوقات الطوال فيها في نقاشات شبابية حية، وحوارات معمقة لا تنتهي.
سافرنا عام 1968م، إلى الضفة الغربية للدراسة في معاهدها، واستمر التواصل بيننا هناك، حيث كلفه الشيخ أحمد ياسين (رحمه الله) بمسؤولية الإشراف التنظيمي على طلاب غزة الملتزمين حركيًا بفكر الإخوان المسلمين في كل معاهد الضفة الغربية.
وفي أوائل السبعينيات، تمَّ قبولنا للدراسة في جامعات جمهورية مصر العربية، وتباعدنا بعض الوقت، حيث ذهبت لدراسة الهندسة بجامعة الأزهر والتحق فتحي بكلية الطب في جامعة الزقازيق ، وكنا نلتقي في القاهرة من حين لآخر.. بالطبع، لم يكن فتحي ليغيب عن المشهد الإسلامي الحركي، كان حاضراً في كتاباته بمجلة المختار الإسلامي، تحت اسم "عز الدين الفارس"، والتي توسعت مساحات توزيعها أضعافاً مضاعفة بفضل حيوية قلمه وروعة أفكاره، والتي شكلت إضافة نوعية للمجلة، حيث كانت التغطية النوعية والتحليل العميق – آنذاك - لأحداث الثورة الإسلامية في إيران تشدنا إليها بشكل جاذب، وكان كتابات د. فتحي الشقاقي وتعاطيه معها بمثابة مرجعية لحركة الوعي السياسي بالثورة وبالإمام الخميني لدى الكوادر الإخوانية الفلسطينية في مصر، والتي لم تكن لديها الدراية بحقيقة ما يجري هناك، فكان د. فتحي هو المدرسة التي نضجت فيها حيوية التفاعل والحراك مع الثورة الإسلامية وانتصارها، والذي كنا نرى فيها انتصارًا لأصحاب المشروع الإسلامي ولقضية فلسطين.
ولا غرو في أن كتابه "الخميني: الحل الإسلامي والبديل"، الذي صدر في عام 1979م بالقاهرة كان من أكثر الكتب مبيعاً في السوق المصري، ولقد نفدت طبعته في زمن قياسي، وجرَّ عليه نشره للكتاب خلافات واسعة مع تنظيم بلاد الشام، الواجهة الحركية لإخوان فلسطين والأردن آنذاك، ومع سلطات أمن الدولة المصرية التي قامت باعتقاله، وتعقب كل العناصر التي كانت على علاقة به.
كانت رؤية د. فتحي (رحمه الله) أن الإخوان المسلمين سيؤجلون مشروع التحرير إلى حين قيام دولة التمكين (الإسلامية) في إحدى دول الجوار، وحيث إن المؤشرات لا تحمل مبشرات قرب تحقيق ذلك، فإن انتظارنا كحركة إسلامية على أرض فلسطين سيطول، فيما المشروع الصهيوني يتجذر ويفرض بالاستيطان الحقائق القاسية على الأرض، ويتباعد مع اتساعه كل يوم حلم إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.. وبين جدلية التحرير والتمكين، قرر د. فتحي الإبحار برؤيته في المواجهة المسلحة مع الاحتلال بعيدًا عن الإخوان المسلمين، والذين كانت فلسفة انتظارهم - آنذاك - قائمة على ضرورة استكمال بناء مؤسسات الحركة، وإيصال امتداداتها إلى العمقين العربي والاسلامي، وحشد الطاقات النضالية وإعدادها عقائدياً لميادين المواجهة وساحات الوغى، مع أهمية توافر أدوات القتال التي تضمن استمرارية الانطلاق والتصدي لجيش الاحتلال، وتطوير قدرات المجاهدين بالشكل الذي يجعلهم خنجراً في خاصرة الاحتلال، وحالة استنزاف دائم لإسرائيل.
فتحي والإخوان: جدلية التحرير والتمكين
كانت رؤية د. فتحي (رحمه الله) تستند في بعض فصولها إلى درس استقاه من التجربة الجزائرية، حيث كان "العربي بن مهيدي"، أحد قيادات جبهة التحرير الوطني، يقول: "أَلقِ بالثورة إلى الشارع، يلحق بك الشارع"، أي عندما تراك الجماهير تبادر بالثورة فلن يتخلفوا عن المضي وراءك.
وفعلاً، ألقى د. فتحي بأفكاره إلى الشارع، ولحق به بعض من كانوا إلى جواره داخل الصف الإخواني، ثم تتابع تطور الرؤية والفكر حتى غدت حركة مستقلة لها قياداتها وكوادرها النضالية، وأخذت تتوسع أفقياً، وتحاول أن تجد لنفسها مكاناً يميزها داخل الصف الإسلامي.
كانت العمليات العسكرية في عام 1987م هي اللحظة التي دشنت من خلالها حركة الجهاد انطلاقتها، وفرضت حضورها كعنوان مقاوم.. وكانت عملية الهروب الشهيرة من سجن غزة المركزي لستة من كوادرها، ونجاحهم في القيام بالعديد من العمليات العسكرية داخل القطاع مثل (عملية الشجاعية) وقتل قائد الشرطة العسكرية الإسرائيلي في غزة "رون طال"، وأحد قادة الشاباك "فيكتور رجوان" في سبتمبر 1987م، هي مؤشر آخر على صدق حدس د. فتحي الشقاقي بجدلية الثورة والشارع، حيث تكاثر عدد المنتمين لها، وهي تمثل - اليوم - عنوانًا للجهاد والمقاومة، وشريكاً نضالياً لا يشق له غبار.
كاريزما القائد: الانفتاح والتحالف
لا شك بأن د. فتحي (رحمه الله) قد تفطن مبكراً لأهمية التحالف والعمل المشترك والانفتاح على الآخر.. لذلك، كانت علاقاته بالاتجاه الإسلامي داخل حركة فتح الذي كان يتزعمه سلطان التميمي المعرف باسم (حمدي) ومحمد بحيص والأستاذ منير شفيق، والتي تطورت إلى عمل تنظيمي وعمليات عسكرية مشتركة ضد الاحتلال الإسرائيلي.
كان د. فتحي أيضاً منفتحاً على باقي فصائل منظمة التحرير، وكانت له علاقة متميزة مع الأخوة في الجبهة الشعبية (القيادة العامة) أمثال أحمد جبريل وطلال ناجي، ومع الرفيق ماهر الطاهر من الجبهة الشعبية، ومع قيادات فتح الانتفاضة أبي موسى وأبي خالد العملة.. وكانت ذروة العلاقة هي تشكيل قيادة جماعية تحت اسم "تحالف الفصائل العشرة "، والتي ظلت هي الحاضنة لنبض الشارع الفلسطيني في الشتات، والشوكة في حلق كل من يحاول تجاهل وتهميش الخارج الفلسطيني، بذريعة أن السلطة الوطنية عادت للداخل، وهي من يملك القرار الفلسطيني، وبيدها كل مقاليده ونواصيه.
لقد نجحت حركتي حماس والجهاد - بحق - في تفعيل شريان الحياة الفلسطيني في الخارج، وتمكنتا من إعادة المكانة لفلسطيني المهاجر والشتات، وإيقاظ مشاعر الحنين وآمال العودة على أكتاف هذا الجيل الذي يحمل رؤية وطنية براية إسلامية، ويمد يده إلى الكل الوطني حتى يتوازن الحراك، وتصل القافلة بجهد الجميع إلى غايتها.
لقد كان د. فتحي وحدوي الهوى، منفتحاً على الكل الوطني، يرى في الشراكة والتحالف كسباً للقضية وإضافة لحركته الجهادية، حيث إن فلسطين هي مشروع جهادي للأمة، وهم يمثلون طليعة متقدمة على رأس هذا المشروع.
وبعد اندلاع الانتفاضة قامت سلطات الاحتلال بإبعاده إلى لبنان في أغسطس 1988م، بعد اتهامه بلعب دورٍ رئيس فيها، وهناك قام ببناء أوسع شبكة علاقات له مع قيادات الحركة الإسلامية في لبنان (حركة التوحيد الإسلامي، وحزب الله)، وأيضاً مع قوى المقاومة الفلسطينية في بلاد الشام.
العلاقات العربية والإسلامية: فضاء الكسب الثمين
بعد اتساع حركته وسخونة المواجهات في العديد من الساحات على أرض فلسطين، أصبح لزاماً على د. فتحي وإخوانه من حوله العمل على توفير المال والسلاح والغطاء الإعلامي والسياسي لها، فكان أن تحرك في اتجاه إيران؛ الدولة الإسلامية، التي طالما هتف لثورتها، وعبَّء الجماهير للوقوف خلفها والانتصار لها.. وتمكن د. فتحي من إقامة علاقة مميزة مع جمهورية إيران الإسلامية، سهلت له تكوين فضاء إسلامي لحركته، يرفدها بالمال والسلاح، وبكل مستلزمات البقاء والقدرة على توجيه الضربات الموجعة لإسرائيل.
لم يكتف د. فتحي بعلاقاته الوطيدة مع إيران، وسعى للقاء الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي، والذي سجل إعجابه بحركته وفكره، ولم يتوان عن تقديم الدعم المادي بسخاء له.. لقد نجح د. فتحي أيضاً في إيصال التعاطف مع حركته إلى أمريكا، حيث كانت الأنشطة والمهرجانات والمؤتمرات تعقد في العديد من المدن الأمريكية، ويشارك فيها علماء وقيادات ونشطاء إسلاميين من مختلف البلاد العربية والإسلامية، وكان لهذا الحراك الفكري والثقافي والفني أكبر الأثر في توعية الجاليات العربية والإسلامية في الغرب بمأساة الشعب الفلسطيني والتعريف بقضيته، ومن ثم تحريك الهمة لتقديم المساعدات الانسانية له، والقيام بالتظاهرات والمسيرات الضخمة أمام السفارة الإسرائيلية والبيت الأبيض للاحتجاج على المجازر وسياسات القمع، التي يمارسها جيش الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة.
العلاقة مع حركة حماس: التآخي وحدة الهدف والمصير
لم يتنكر د. فتحي (رحمه الله) يوماً لجذوره الإخوانية، وكان حنين العودة إلى ربوع الحركة الأم لا يفارقه، وكانت هناك أكثر من محاولة سعت فيها جهات من الطرفين إلى توحيد الحركتين، على اعتبار أن خلافات الرؤية التي باعدت بين د. فتحي والإخوان في مطلع الثمانينيات قد تلاشت منذ أن دخل الإخوان معترك الجهاد تحت اسم حماس، وبالتالي فلم يعد هناك ما يبرر بقاء الحركتين منفصلتين.
لقد انعقدت أكثر من خمسة لقاءات لمعالجة هذه المسألة في أكثر من عاصمة عربية وغربية، وكان لي شرف المشاركة في بعضها، ولكننا - للأسف - لم نتمكن من التوصل إلى اتفاق يحقق وحدة الحركتين، وإن كنا نجحنا في خلق تفاهمات للعمل المشترك وتنسيق المواقف والسياسات، وضرورة أن يعمل الطرفان على وئد الفتن في مهدها، وقطع الطريق أمام كل من يحاول توتير العلاقة بينهما.. ولقد شاهدنا سرعة التحرك لدى قيادة الحركتين لتطويق بعض الاشتباكات التي وقعت على خلفية تصرفات فردية خاطئة لبعض عناصر الحركتين، وقد كان لحضور قيادات من حماس لمهرجانات الحركة في ذكرى استشهاد قائدها د. فتحي الشقاقي أثراً إيجابياً في نفوس أبناء الحركتين، والذي أسس – في الواقع - إلى قيام علاقات سياسية وجهادية وتنسيقية أوسع.
لقد ظهر حرص د. فتحي على عودة العلاقة مع حركة الإخوان، حين قام عام 1993م بزيارة المبعدين في مرج الزهور والجلوس معهم، وقد كانت كلماته هناك لصديقه المهندس عيسى النشار، القيادي في حركة حماس، "عليكم أن تتعهدوا شباب الجهاد، لأننا سنعود يومًا لنصبح جسدًا واحدًا".
رحمك الله يا أبا إبراهيم رحمة واسعة، فقد كنت صاحب همة عالية، حتى من اختلف معك لا يملك إلا أن يحترمك ويدعو لك، ونحن الذين ترعرعنا في محاضن هذه الدعوة معاً، لا يمكننا إلا أن نشيد بما فيك من الخصال؛ الكرم والابتسامة والشجاعة والوطنية وروعة القلم.
ختاماً: في سويداء القلب يا أبا إبراهيم
إلى أخي د. فتحي في ذكراه، لن ننساك يا أبا إبراهيم؛ لأنك جزء من حروف هذا الوطن وصفحاته العاطرة ، وأن كل من سيقرأ هذه الصفحات، ويشاهد هذه الحركة الجهادية التي ترسم اضاءات شهدائها معالم الطريق إلى فلسطين الحرة المستقلة، سيقف بدموعه ليقول: يمضي الرجال، ويبقى النهج والأثر.
منذ كنا أطفالاً وشباباً نلهو ونلعب في حواري الشبورة، كنت متميزاً، وكنت الأفضل، حتى بعد أن اختلفنا لم تغادرنا محبتك، ولم نقل فيك إلا كل ما يحب ربنا ويرضى، ولقد حرصنا كلما حطت رحالنا في سوريا أن نأتي لزيارة جثمانك الطاهر في مقبرة الشهداء باليرموك، وفاءً للتاريخ الذي جمعنا لسنوات طوال، وحباً لذكراك التي عشقنا، ولدربك الذي لا يختلف على هديه اثنان.
رحمك الله يا أبا إبراهيم، يا صاحب الرؤية والقنديل..
أينما أَخذنا السمع ولاح البصر، كان لك بصمة وأثر..
ففي رفح هناك أثر، وفي حواري القدس صولة وأثر..
وفي دمشق وبيروت والجزائر وطرابلس وطهران مواقف وشهادات، وأذكار وأثر..
وفي مالطا كان رسم الشهادة، وكان الدم والأثر..
وفي كل المواجهات الدامية؛ الفرقان وحجارة السجيِّل والعصف المأكول كان ثأرك حاضراً، وكان الأثر..
واليوم نسائم ذكراك تتلألأ طهراً، مع هبة السكين والحجر..
وتهتف في قلب الجموع: مرَّ، وهذا الأثر.

اخر الأخبار