حين غابت الإجابات: نطق السكين والحجر .

تابعنا على:   18:34 2015-10-25

.د. أحمد يوسف

لقد بلغ التغول الإسرائيلي وضغط الإهانة حدَّ الانفجار، وتحركت الجموع بهبة عفوية وصار ما صار، وتخطى هؤلاء الشباب بفعلهم النضالي كل حسابات السلطة وتوقعات أجهزتها الأمنية، كما تجاوزوا بحيوية هذا الفعل وتأثيراته كل تقديرات الفصائل الوطنية والإسلامية وتوقيتاتها الزمانية والمكانية، لتطفو - فجأة - كل رغبات هذا الجيل الفتيِّ في الانتقام للأقصى والمقدسات، والثأر للحرائر وما انتهك الصهاينة من المحرمات.

في الحقيقة، إن ما جرى كان حراكاً شعبياً جاء بدون مقدمات، حيث ملَّ هذا الشباب حديث الصمت وانتظار ما هو آت.. جاء هذا الفعل غاضباً من رحم المجهول، ومن حيث لم نحتسب، هكذا الأقدار تأتي - عادة - انتصاراً للمظلومين، بعد أن (استيأسوا)، وبلغ بهم الأذى والقهر حدَّ الزلزلة، وغلب عليهم ظن (إنَّا لمدركون).

للأسف، لسنوات ونحن نناشد قياداتنا السياسية بضرورة إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة، لم نبخل - كما الآخرون - من تقديم المبادرات، ومحاولة جسر هوَّة التناقضات، وسد ما اتسع من ثغرات، واستشرى من خلافات، بعد تلك الكارثة المأساوية والمحنة الوطنية، التي جلبتها الأحداث الدامية في يونيه 2007م.. لكن – وهذا هو الواقع للأسف - ظلت مزاجية المكابرة والعناد عند بعض القادة السياسيين، وغلب الجهل على حسابات هؤلاء، وخانهم التقدير والاجتهاد .

لقد اعتقد أولئك القادة بأن رسم خطوط المرحلة سيظل بأيديهم، وتجاهلوا حركية الزمان، والجيل الذي يأتي به القهر والحرمان.. هذا الرهان وقع في خطأه الجميع، ولم يتحقق الكسب فيه لأحد؛ فإسرائيل التي عربد فيها الحاخامات وقطعان المستوطنين، وعبثوا – عنجهية واستعلاءً - بكرامة الوطن والمقدسات، غلب عليه الظن بأن الفلسطينيين قد استسلموا للذل والهوان، ولم يعد لهم على خارطة الرجولة عرق ينبض، فتغولوا عليهم، وقتلوا – بدم بارد - النساء والأطفال، وغيبوا الكبار في السجون والمعتقلات، وأحرقوا المزارع وحقول الزيتون دونما اكتراث، أما سلطتنا الفلسطينية المكبلة بالتزامات أوسلو الأمنية، فقد غدت كخيال المآتة؛ عاجزة مشلولة، وأجهزتها الأمنية – للأسف - هي عين للاحتلال أو نحو ذلك.. لذا، لم يعد هناك في هذا الجيل من الشباب من يعوَّل عليها أو يطمئن لها، أما غزة فهي كليمة بحصارها وأوجاع التآمر عليها، تحاول الخروج من أزماتها، ولكنها لم تسطيع إلى ذلك سبيلاً، فقد تحول المشهد الفلسطيني إلى مأزقٍ يصعب الفكاك منه .

 

في ظل هذا الواقع الكارثي، وتجاهل المجتمع الدولي لقضيتنا، كانت مشاهد الحيرة والقلق والإحباط، فلا أمل في التغيير، ولا رؤية للإصلاح تلوح في الأفق ولا سراج منير، وكل ما حولنا لا يبشر بفرج قريب.!!

من هنا، كانت الأسئلة التي غابت إجاباتها هي طاقة الغضب الذي حرك كل شيء؛ لأن علامات الاستفهامات تراكمت في المرجل، وارتفع منسوب غليانها، إلى أن جاءت اللحظة التي لم يتوقع انفجارها أحد، ودخلت – بقوة سهامها- على خط الاحتلال والمستوطنين.

إن مقومات الفعل كانت هي الاستجابة لأسئلة العجز الحائرة وتقطيب الجبين: ما العمل؟!

ما العمل؟ حيث الساحة النضالية تحولت بعد الانقسام إلى فسطاطين من التناقضات والخلاف، والكل بانتظار أن يأتيه الآخر صاغراً ذليلاً!!

ما العمل؟ وإسرائيل ماضية في مخططاتها لابتلاع الأرض الفلسطينية، وتهويد المقدسات واستباحة الحرمات في المسجد الأقصى وما حوله من باحات!!

ما العمل؟ وقد شعر الكل الفلسطيني بالعجز في أن يجتمع الصف وينتهي الانقسام، حيث أخفقت كل محاولات الجمع بين الطرفين فتح وحماس، وساد الاعتقاد بينهما "أن لا تلاقيا".

ما العمل؟ وانشغالات العالم والمجتمع الدولي كله مع ما يدور في سوريا والعراق من صراعات ومناجزات مسلحة، عنوانها "الحرب على الإرهاب".

ما العمل؟ وإيران وتركيا والسعودية ومصر، أهم مرتكزات هذه الأمة، أصبح بأسهم بينهم شديداً، وخرجوا لاعتبارات إقليمية وعالمية من مربع الإسناد للقضية الفلسطينية.

ما العمل؟ وهذا العجز والفشل في كل مؤسساتنا الوطنية!! وغياب القدرة على حل مشكلة وطنية واحدة؟!

ما العمل؟ وكل ما نشاهده من قيادات تاريخية بلا هيبة ولا احترام، فقد طالت أكثرها عوامل التعرية والخرف والفساد!!

ما العمل؟ إذا كانت الأحصنة لا تصهل، وتعاني رجالات الساسة من حالة إخصاء!!

إن لغز الإجابة مفقود مع خلاف الساسة وتراكم الأحقاد والإحن!!

إن هذه الأسئلة الحائرة، التي عجز هذا الجيل من الشباب في الوصول إلى إجابات لها، جعلت قراره هي تلك المفردات الرائعة لشاعر الوطن الثائر: عبد الرحيم محمود: سأحمل روحي على راحتي، وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياةٌ تسر الصديق، وإما ممات يغيظ العدا..

نعم؛ لم يعد في القوس من منزع، فخرج الشباب لإعادة بوصلة النضال والكرامة، وتذكير الاحتلال؛ الحاخامات والمستوطنين، بأن الأقصى خطٌ أحمر، دونه المهج والأرواح.

إن أروع اللوحات التي قدمتها هذه الهبة الشعبية "العفوية" وانتفاضة القدس المباركة، والتي عكست روح هذا الجيل ولخصت مطالبه وتمنياته، هي تلك "الوصايا العشر" للشهيد بهاء عليان (22 عاماً) من جبل المكبر، والتي تضمنت السطور الآتية:

1- أوصي الفصائل بعدم تبني استشهادي، فموتي كان للوطن وليس لكم.

2- لا أريد بوسترات ولا بلايز فلن تكون ذكراي في بوستر معلق على الجدران فقط.

3- أوصيكم بأمي، لا ترهقوها بأسئلتكم الهدف منها استعطاف مشاعر المشاهدين وليس أكثر.

4- لا تزرعوا الحقد في قلب ابني، أتركوه يكتشف وطنه، ويموت من أجل وطنه، وليس من أجل الانتقام لموتي.

5- إن أرادوا هدم بيتي فليهدموه، فالحجر لن يكون أغلى من روح خلقها ربي.

6- لا تحزنوا على استشهادي، احزنوا على ما سيجري لكم من بعدي.

7- لا تبحثوا على ما كتبته قبل استشهادي، ابحثوا عن ما وراء استشهادي.

8- لا تهتفوا بمسيرة جنازتي وتتدافعوا، بل كونوا على وضوء أثناء صلاة الجنازة وليس أكثر.

9- لا تجعلوا مني رقماً من الأرقام، تعدوه اليوم وتنسوه غداً.

10- أراكم في الجنة.

هذه النقاط/الوصايا العشر التي كتبها بدمه هي تلخيص لدوافع هذه الهبة، وشرح لبواعثها، وما تنطقه حروفها هو انعكاس لما يحمل هذا الجيل من الشباب من غصة وامتعاض من كل الفصائل، ورسالة واضحة بأنه لا يريد أن يتاجر أحد بدمه، وهو قدم دمه وضحى بحياته من أجل كرامة هذا الوطن وأقصاه.

عنوان المرحلة: الحذر.. والتصعيد بقدر

من المعروف أن الانتفاضات حتى تصل إلى غاياتها تحتاج إلى المرور بثلاثة مراحل، أولاها هي المرحلة التي نحن نعايشها، حيث الهبة الشعبية والتي أوشكت على الانتقال إلى المرحلة الثانية وهي التأطير والتوجيه، حيث تبدأ الفصائل في تشكيل قيادة مشتركة وتدفع بكوادرها إلى الساحات للتظاهر وتحريك المواجهات، وتأتي المرحلة الثالثة عندما يتم ضبط البوصلة وتحديد الرؤية والهدف للوصول لغايات الفعل المقاوم.

لذلك، لا أظن أن "عسكرة الانتفاضة" في هذا الوقت هي خيار حكيم، حيث إن قوتها الآن في سلميتها، وعظمتها أنها حتى اللحظة بلا تنظيمات تقف خلفها، والتعاطف معها إقليمياً لأنها هبة عفوية من أجل الكرامة والمقدسات.. أما دولياً، فالتضامن يأتي من حجم إدراك العالم لمظلومية الفلسطينيين.

إن الحكمة تتطلب ألا نحرف البوصلة، وألا نعطي الذريعة للاحتلال لممارسة القتل والتهجير لشعبنا، لا نريد أن نقدم مبررات لإسرائيل تقوم بتسويقها للعالم أنها هي الأخرى تحارب الإرهاب.. إن الفطنة السياسية تتطلب منا قطع الطريق أمام الاحتلال، وعلينا إبقاء الهبة الجماهيرية عفوية وسلمية وشعبية وفي سياق المظلومية.. سلمت أيادي الشباب؛ أصحاب الرجولة والجسارة والدفاع عن الكرامة والمقدسات، وبوركت أيدي الماجدات من بناتنا وأخواتنا في ساحات الشرف والمجد دفاعاً عن الأقصى والمقدسات، ولكل المناضلات المجلَّلات بأعلام الوطن والكوفية، سلمت أيادي الجميع، وبوركت نواصيه الطاهرة، وعاش الحجر والسكين لكسر غطرسة المحتلين، وجدع أنوف المستوطنين.

انتفاضة القدس: ملامح مرحلة التغيير

ورد في تقدير إسرائيلي بأن الانتفاضة الأولى تميزت بالحجارة، والثانية بالعمليات الاستشهادية، والثالثة استحقت لقب انتفاضة السكاكين، حيث يقوم بها فلسطينيون غير منظمين، أغلبهم يعيش حياة سعيدة وهادئة، لكن القاسم المشترك بينهم هو أنهم غاضبون من إجراءات الاحتلال الإسرائيلي ضد المسجد الأقصى.

أما الصحفي البريطاني ديفيد هرست، فإن قراءته لمجريات الأحداث تلخصها العبارات التالية: "بالنسبة لمهند الحلبي وجيله، ليست هذه قضيةً دينية فقط، فالأقصى رمزٌ للهوية الوطنية، وهو الرمز الأخير الذي يمثل هوية غيّبتها الدولة الإسرائيلية بشكل شامل. الأقصى يوحِّد الفلسطينيين؛ المتدينين والعلمانيين... إن الدفاع عن الأقصى ضد انتهاكات اليهود هو مسألة وجودية، إنها تقول للفلسطينيين: "إن لم نحارب لأجل هذا، فعلينا الاستسلام إذاً".

وأضاف: "لم يكن حلبي بحاجة إلى تحريض، ولم ينتظر أوامرَ من فتح أو حماس. لقد اتخذ قراره الشخصي مثلما يفعل آلافٌ آخرون بصرف النظر عما إذا كانوا يعيشون في الضفة الغربية، غزة أو إسرائيل.. إن الجيل الجديد يتخذ قراراته الخاصة، متحدياً فتح وحماس. وإن كانت ثمة صورة تلخص هذا، فستكون صورة الفتاة التي ترتدي الجينز والكوفية، بينما تُناول حجارةً لشابٍ مقنّعٍ يرتدي عُصابة الرأس الخضراء التي يرتديها أنصار حماس.

 الشباب العلماني والمتدين يحتجون جنباً إلى جنب، وكل شابٍ يحمل سكيناً أو يرمي حجراً هو بطلهم الخاص".

إن حالة الهلع التي أصابت الإسرائيليين مقابل مشاهد النشوة والحيوية لدى الشباب الفلسطيني، تؤكد على أن هذه الهبة الشعبية قد شقت طريقها، وهي آخذة بالتوسع والانتشار، وقد جسدت ما غدا الفلسطينيون يعتبرونه – الآن - انتفاضة القدس، والتي بحسب المستشرق الإسرائيلي "آلون أفيتار" قد حققت للفلسطينيين خمسة أهداف، وهي الآتي:

 

1- توحيدهم في المناطق الأربع المعزولة جغرافياً؛ الضفة وغزة والقدس والـ48.

2- نجاح الحركة الإسلامية بزعامة الشيخ رائد صلاح بتعزيز دور الإسلام في الصراع.

3- اكتشاف السكين كوسيلة ناجعة وقاتلة وسهلة المنال والاستخدام.

4- الشباب يخوض الانتفاضة، ويبدي استعداده لحمل شعلة الكفاح المسلح.

5- القدرة على تنفيذ العمليات المسلحة دون قيادة تديرها كالسابق.

أما المفكر الإسرائيلي "يغال عيلام" فهو يتوقع أن تفضي ثورة السكاكين لإحداث تحول في الموقف من الصراع مع الفلسطينيين؛ لأن بضع طعنات من السكاكين دللت على أن مصير إسرائيل قد يكون محل تساؤل، مما سيفضي لبلورة مقاربة جديدة فيما يتعلق بالموقف من مصير الأراضي المحتلة.

إن ما لدينا من قناعة هو أن هذا الكيان الاستيطاني الاستعماري العنصري هو أوهى من بيت العنكبوت، وهو إلى زوال؛ لأنه يحمل بذور فنائه بداخله، وهذه حقيقة لا يماري فيها أحد، وهذه الانتفاضة ومشاهداتها إنما هي إرهاصات المغيب القادم لهذا الكيان المارق .

ختاماً: لماذا يتأخر النصر وتضيع التضحيات؟!

كلما جاءت مشاهد الجنود وهم بكامل عتادهم العسكري يركضون هلعاً أمام شاب ليس في يده إلا السكين، كلما حاصرتني الأسئلة: كيف بالله كانت هزيمتنا عام 67م؟!! وكيف تصدعت سبع جبهات عربية مسلحة أمام هؤلاء الجند المخنثين، وكيف بالله ضاعت من قبل فلسطين؟!

إن الحقيقة كشفتها ثلاث حروب عاتية خاضتها غزة وحدها، حيث قاتلت برجالها وصمود أحيائها، وسجلت من الملاحم وصور البطولة ما يشهد لأهلها، ويرتقي بشبابها المقاوم إلى عليين.

السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا ضاعت ثمرة كل هذه التضحيات، وسجلات الشرف، ولم تتحرر فلسطين؟

الجواب: اسألوا السياسيين وتجار الأوطان!!

إن انتفاضة القدس سوف ترسم ملامح المرحلة ومستقبلها، وعلى القادة السياسيين العمل على جمع الصف، وتوحيد بوصلة الحجر والسكين، قبل أن يقول الشعب كلمته: إني أرى رؤوساً قد أينعت، وحان قطافها.

اخر الأخبار