“عملية السلام” والبوصلة

11:20 2013-12-28

امجد عرار

حسبما تقول التقارير، فإن "إسرائيل" ستطلق سراح دفعة ثالثة من الأسرى الفلسطينيين يعدّون على أصابع اليد . الدفعة المعلنة تضم أسرى ممن اعتقلوا قبل اتفاق أوسلو، وكان يجب إطلاق سراحهم فور توقيع ذلك الاتفاق البائس . عشية هذا الإفراج الهزيل، قياساً بعدد الأسرى في السجون، الذي يناهز الخمسة آلاف، أصدر رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو تعليمات لوزاراته بالاستعداد لنشر عطاءات لتسويق ألف وأربعمئة وحدة جديدة في مستوطنات في القدس والضفة . الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي طالباه، كما يحدث دائماً، بالامتناع عن خطوة كهذه تحسّباً من انسحاب الفلسطينيين من المفاوضات، وليس لأن الاستيطان غير شرعي من رأسه حتى أخمص قدميه، ولا حتى لأنه وفق القاموس الأمريكي والأوروبي "عقبة في طريق السلام" .
هذا هو رأسمال ما تسمى عملية السلام، وهذا هو مسارها المطابق تماماً للرؤى والمخططات الصهيونية، عقائدياً وسياسياً، تكتيكياً واستراتيجياً . بدأت في مدريد باحتفالية أصرّت عليها "إسرائيل" كي توحي لدول العالم بأن أصحاب الشأن الفلسطينيين دخلوا عملية سياسية، وما على الدول التي تتردّد في بدء التطبيع معها أو استكماله، و"مكافأتها" على قبولها تبادل أطراف الحديث مع الجانب الفلسطيني، وبهذا هم يتصرفون وفق مقولة "لن نكون ملكيين أكثر من الملك"، وهي تكسب التطبيع الاقتصادي والسياسي والثقافي وإنهاء بقايا المقاطعة والعزلة، بعدما حصلت بمجرد ذهابها إلى مدريد على شطب الأمم المتحدة لوصف الصهيونية حركة عنصرية .
ثلاث سنوات من جولات التفاوض التي أجراها وفد الداخل الفلسطيني بقيادة المرحوم حيدر عبدالشافي، مضت وكأنها لعب في الوقت الضائع، حيث رفضت "إسرائيل" أي ربط بين المرحلتين الانتقالية والنهائية، بل سعت على الدوام لتحويل ما سمي الحل الانتقالي إلى دائم، مع العلم بأن ذلك "الحل" لا يحل أية تفصيلية في القضية الفلسطينية التي نشأت قبل ال 67 وقبل الفصائل والقيادات وفكرة التفاوض ونجومه . كان المخرج الوحيد من "مأزق" الإصرار على ربط المرحلتين، هو إطفاء الأنوار والتفاوض في الظلام بعيداً عن وسائل الإعلام . كان وفد "مدريد" خاض 13 جولة تفاوضية عندما جاء الإعلان عن التوصل إلى "اتفاق مبادئ" في أوسلو . هنا أيضاً أصرت "إسرائيل" على إخراجه في احتفالية على الهواء في باحة البيت الأبيض، والأمر ذاته تكرر في القاهرة وطابا، وكان واضحاً تركيز "إسرائيل" على الإخراج الاحتفالي كأسلوب ترمي منه لتطبيع العقل العربي وتضليل العالم .
ماذا بقي من عملية السلام بعد احتفاليتي مدريد وأوسلو؟ الصهاينة لا يؤمنون بالسلام طالما أنهم يخططون ل"إسرائيل" الكبرى، وطالما أن الأيديولوجيا الصهيونية هي الغلاف والمضمون والهدف النهائي . ولهذا، فإن آمال السلام ليست سوى أوهام، لأن "إسرائيل" شطبته من قاموسها ومن ممارساتها على الأرض، ولم تبق من "عملية السلام" سوى العملية، وظلّت تصعّد اشتراطاتها وسياستها الابتزازية، حتى تحوّلت المفاوضات إلى عملية دائرة في حلقة مفرّغة من أي معنى أو مضمون .
في المعطيات القائمة، ليست لدى القيادة الفلسطينية أية خطة أو حتى قرار سياسي واضح بمواجهة هذا الاحتقار "الإسرائيلي" ليس فقط للعملية السياسية ومفاوضاتها فارغة المضمون، بل أيضاً لكل ما يمت للعمل السياسي بصلة . يبقى أن الشعب الفلسطيني مطالب بنزع الأيادي الممسكة بالبوصلة، وتركها تتجه إلى حيث يجب، ثم اتباعها .
عن الخليج الاماراتية