فوز قائد «داعش» ورسوب إردوغان

تابعنا على:   11:12 2013-12-28

سوسن الأبطح

تتويج صحيفة «الإندبندنت» قائد تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» أبو بكر البغدادي، على قائمتها نهاية العام، كأنجح قائد في الشرق الأوسط، متقدما على رئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان، والرئيس الإيراني حسن روحاني، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رغم الأدوار الماكرة التي لعبها هذا الأخير، وفاز بها فوزا عظيما طوال العام، له دلالاته وما يبرره.

وإذا صحت تسمية العام الماضي اسما آخر غير «عام الدم»، فلربما استحق نعت «عام صعود القاعدة» التي صار لها، وللمرة الأولى، على أراض عربية، مساحات تحكمها، وهيئات ومحاكم شرعية وبمقدورها أن تعلن رغبتها وسعيها لإقامة دولة لها، بعد أن سيطرت على مناطق سورية وأخرى عراقية، وترى وصلهما عسكريا بداية لتحقيق حلمها.

وبدلا من تنظيم واحد لـ«القاعدة في سوريا» يحاول أن يتعايش في الدولة المفتتة تنظيمان؛ فـ«جبهة النصرة» تفرض وجودها هي الأخرى وتحاول أن تنمي عدد أتباعها، ولها أنشطتها ونطاق نفوذها. وبين «داعش» و«جبهة النصرة»، يضيع «الجيش الحر»، وتنمو مجموعات إسلامية متطرفة كثيرة، تتقاتل وتتحالف.

صعود نجم «داعش» العسكري إحدى مفاجآت العام، تماما كما السقوط المدوي لأقوى حكومة تركية في السنوات الأخيرة، تحت وطأة تهم الفساد. وما كان للأحداث التركية المتسارعة التي تحيط بإردوغان أن تكون على هذا القدر من الأهمية، لولا أننا نتحدث عن حزب العدالة والتنمية الذي سعى لأن تكون له أذرعه الفاعلة في المنطقة العربية.

ربما أن الوطأة كانت لتبدو أخف لولا أن حزب إردوغان الإسلامي، يواجه حربا داخلية لا هوادة فيها، ليس مع العلمانيين فقط، وإنما مع إسلاميين آخرين، أي مع حركة فتح الله غولن التي أسهمت في إيصال إردوغان إلى السلطة قبل أن ينقلب عليها ويحاول قصقصة أجنحة أتباعها، وعزلهم من مراكز حساسة. وهي الحركة القوية التي يوصف نفوذها بأنه يشكل «دولة داخل الدولة».

الوضع التركي ليس بعيدا ولا معزولا بالكامل عن قرار الحكومة المصرية عد تنظيم الإخوان المسلمين الذي دعمه إردوغان بكل ما ملك من قوة، «تنظيما إرهابيا» يستحق من ينشط باسمه تظاهرا أو تنظيما عقوبات بالسجن، وقد تصل في حالات قصوى إلى الإعدام.

ومع الخيبة الكبرى التي مني بها تنظيم الإخوان المسلمين في مصر وحركة النهضة في تونس، وما يمكن أن يتبع ذلك من أحداث عنف بدأت مظاهرها الدموية في تفجيرات القاهرة الإرهابية، ثمة غياب شبه كامل للقوى المدنية التي أشعلت الثورات وأطلقتها في سوريا ومصر وليبيا، بدا العام وكأنه صراع أديان، رغم أن السياسة جوهره، والسلطة محوره.

لم نعد نسمع إلا أصواتا خافتة تشبه الحفيف تنادي بالدولة المدنية المنشودة، وتوارى شبان الأفكار الابتكارية النيرة الذين ملأوا الساحات ظرفا وحبورا وهم يعبرون عن آمالهم وطموحاتهم.

وكأنما الثورات خرجت بالكامل من أيدي الذين بادروا بها، وصارت ملكا لـ«جنيف 1» و«جنيف 2»، وما لا يحصى من «جنيفات» أخرى سبقت، لم يتسنَ لأحد السماع بها، أو معرفة كواليسها.

بعيدا عن الحسابات الضيقة، فإن العام يغلق أبوابه على مئات آلاف الضحايا؛ مئات منهم في 10 أيام فقط، في حلب وحدها، وآلاف خلال سنة واحدة في العراق. أعداد غفيرة من العراقيين رحلت ضحية التفجيرات العشوائية، ولا تزال الأعمال الإرهابية في أولها، هناك من يتوقع أن تتصاعد في مصر، وأن تمس لمرات جديدة لبنان، بينما ليبيا تصارع من أجل أمنها ووحدتها. انتصرت الفوضى عام 2013، لا شك في ذلك. وتربع التطرف سيدا على ما عداه، وصار للحقد أساتذة ومدرسة، ينعت كل من لا ينضم إليها، بالخيانة والانحياز للخصم. عليك أن تكره وتحقد، حد إباحة القتل، ولو كان قتلا جماعيا مقززا. يجب أن تسكنك البغضاء، ويكون قلبك أسود كالفحم، كي يصبح كل هذا الكم من الجثث المتراكمة حولك، لأطفال ونساء ومدنيين مختبئين في جحور ظنوها آمنة، مبررا ومباحا.

لا توجد قضية واحدة في العالم، تستحق مهما علا شأنها، كل هذا الإجرام الذي شهدته أرض العرب عام 2013، حتى وصف بأنه الأشرس منذ الحرب العالمية الثانية. الروح «الثأرية» والنوازع «القبلية» البدائية، قضمت بشراهة مطالب الشبان المسالمين الذين احتلوا الساحات العربية، يطالبون بـ«الحرية» و«العدالة» والحق في «حياة كريمة». سنة 2013 نحرت الثورات من الوريد إلى الوريد، فرملتها أنهار الدماء الجارفة. كان المطلب بسيطا، إنسانيا، عفويا، صارت الأهداف والغايات دولية، كونية، تبدأ من موسكو وتنتهي بواشنطن، مرورا بمصالح ومغانم كل الأعضاء النافدين في مجلس الأمن.

الزلزال السوري ببراميله المتفجرة وأسلحته الكيماوية وتنظيماته المتشظية وجيوشه الأممية المتصارعة، أدخل المنطقة في لعبة الأحجار المتدحرجة. فكما أن عام 2013 جاء بالمفاجآت المفجعة، يخشى أن يكون عام 2014 مجرد استكمال لنهج العصبيات الجاهلية وعنادها الصامد منذ 1400 سنة. وبالتالي فإن «الإندبندنت» لم تجازف كثيرا باختيارها أبو بكر البغدادي.

ولو تذكرنا قليلا، فإن محللين غربيين، مع بداية الثورات، كانوا ينظرون وهم يحاولون استكشاف نياتنا وميولنا المستقبلية، لإمكانية اختيار العرب لأحد نهجين إسلاميين مختلفين بعد الإطاحة بالحكام. فإما تبني النموذج التركي الإسلامي المعتدل أو استلهام نموذج الملالي الإيراني المتطرف. ولعل المعضلة الكبرى أن الصراع سيبقى طويلا ومديدا، حبيس الدائرة الجهنمية، بين الخيارين المغلقين، دون أن يفطن أصحاب الحل والعقد إلى أن الخلاص في مكان آخر.

 عن الشرق الاوسط السعودية