أُسس التدخل الروسي في سوريا وجنوب أسيا

تابعنا على:   11:36 2015-10-25

مروان صباح

 ربما انشغال الكثير في وسط الحروب ، لم يميزوا الفرق بين التدخل الروسي في حرب البوسنية والهرسك وبين الامتناع عن ممارسته في العراق وليبيا وبين مرة أخر ، العودة بالتوغل بشكل واسع في سوريا ، وليس فقط التدخل ، هو ، أقرب إلى التموضع ، بالطبع ، يتفوق عن ذاك التدخل الذي توارى خلف التحالف اليوغسلافي ، وقد يقول قائل ، أن روسيا يلتسن ، المخمور والمترنح على الدوام ، فاقد الأهلية الدولية ، لم يكن لديه القدرة على الوقوف في وجه الولايات المتحدة الأمريكية ، لكن ، وبالرغم من التناغم الروسي ، آنذاك ، مع المجتمع الدولي ، عبر يلتسن الضعيف من القضية البوسنية ، بطريقة الأخ الكبير للسلاف في صربيا ، هدد باستخدام حق الاعتراض بالفيتو في مجلس الأمن ، شجع دول سلافية بإرسال متطوعين للقتال بجانب الصربيين ضد مسلمين البوسنية والكروات ، لم يكتفي بالطبع بهذا الشأن ، للقصة أيضاً تكملة ، استخدم مطار بطرسبرج إلى بلجراد جواً وبالقطار ، كنقطة تجمع للمتطوعين الروس وأغلبهم ضباط الجيش السوفيتي السابق ، لكن ، ما يلفت الانتباه ، وبالرغم ، أن الحكومات المختلفة التى تعهدت بالالتزام بما وضع أسسه غورياتشوف ، هو ، تجنيب السياسة الروسية لأي اصطدام مع السياسة الخارجية الأمريكية ، جاء الموقف الروسي من المسألة البوسنية ليمثل استثناء حقيقي من تلك القاعدة ، وقد تكون العلاقة المذهبية بين الصرب والروس ، مسألة مفهومة وأمرها مقبول للعقل ، لكن ، الذي لا يقبله العقل ، ذاك التحالف الروسي مع أقليات المنطقة ، ليس العربية فحسب ، بل ، إيران ، وهذا ، يفسر في الحد الأدنى ، للمتابع ، موقف روسيا المائع ، بخصوص تدمير العراق ، لأنها ، تعلم مسبقاً ، بأن حال العراق سينتهي بأيدي ، الحليف الإيراني ، يجمعهما ، مع الولايات المتحدة قاسم مشترك، يتخطى التقاطع ، هو ، تدمير الوطن العربي وتقاسم جغرافيته وتوزيع شعبه بين مختلف أصقاع الأرض ، ضمن اتفاق غير معلن ، الحياة مقابل الخدمات ، أما ، في جانب أخر من المنطقة العربية ، شمال أفريقيا ، تعامل الروسي بجمود ملحوظ ، حيث ، تُعتبر ليبيا الداعم الأهم لمصر ، على الصعيد ، العمالة وشراء السلاح الثقيل ، واستطاعت في ظل معمر القذافي ، التأثير في المجال الأفريقي بشكل أثار حفيظة الاستعمار القديم المتجدد ، حتى لو كان ذلك ، بطريقة مزاجية ، طبعاً ، سقوط ليبيا في المتاهة ، ومن قبلها تقسيم السودان وإدخال الجزء العربي المسلم ، في دوائر النزاع الطويل ، يمهد بذلك أضعاف مصر ومحاصرتها مائيا من جهة ومن أخرى ، إدامة التوتر في شبه جزيرة سيناء .

 

متى ولماذا ، بدأ الاهتمام الروسي في فلسطين على وجه الخصوص ،وأيضاً البلاد العربية ، قد يجيب المرء عن ميلاد التدخل في الشرق العربي ، لكن ، عن النوايا المتجددة ، مسألة تحتاج إلى مقاربات ومقارنات ، نتائجها تصيب بالدهشة ، ولولا ذاك الصراع ، الذي بدأ ظهوره في الدولة العثمانية بين الأمة التركية والأمم والملل الأخرى التى خضعت تحت حكمها ، ما كان ليحصل أي تدخل ، بالطبع ، سمح هذا الخلل إلى دخول دول كبرى في هذا الصراع لسد أطماعها وتحقيق آمالها المتناقضة ، لكن ، بالتحديد ، روسيا التى عانت لفترة طويلة في أوروبا ، من مزاحمة بروسيا لها ، وجدت في النمسا بالمزاحم الأكبر لها عند الجبهة الأمامية للشرق العربي ، ومنذ ذاك اليوم ، تمحورت ، أهداف روسيا في تحقيق ثلاثة منها ، السيطرة على المضائق التركية ، في سبيل الوصول إلى المياه الدافئة ، الأمر الثاني ، استعادة القسطنطينية واعدتها إلى حضرة الكنيسة الارثوذكسية ، هذه الأهداف كان الإمبراطور الروسي بطرس الأكبر ، أشار اليها في ما يعرف اليوم بالوصاية ، من أجل عظمة روسيا ، ويلاحظ ، أن في البند الثامن من الوصية ، يشير إلى الهدف الثالث ، بضرورة انتشار روسيا على سواحل بحر البلطيق شمالاً ، وجنوباً ، نحو سواحل البحر الأسود ، أما البند التاسع من الوصية ، يفسر على أقل تقدير ، أحد جوانب التدخل الروسي من جديد ، حيث ، يتوجب على روسيا الاقتراب ، تدريجياً ، من إستانبول والهند ، لأن ، وحسب مفهوم بطرس الأكبر ، صاحب الوصايا ، هناك جزء أخر من البند التاسع ، يُنبه إلى أمر بالغ الأهمية ، يقول ، من القضايا التى باتت مسلمة ، من يحكم إستانبول ، يعني ، حكم العالم ، لهذا ، فأن سياسة بوتين ، توجب إحداث معارك وحروب متباينة مع الدولة التركية ، وتارة ، نقل الجمهورية الإيرانية من الحروب المحصورة إلى المواجهة بشكل أوسع ، وتشجيع مسحيين العرب ، حمل السلاح والانخراط في الحروب ، دفاعاً عن امتداداتهم الكنسي ، بهذه الطريقة ، تكون المحصلة ، اضعاف ايران ، بعد ما أنهت الولايات المتحدة ، كلياً ، أمر النظام العربي في العراق ، كي يتاح للروسي من الوصول إلى خليج البصرة ، تماماً ، كما هو الآن ، موجود بثقله الحربي ، على شواطئ الساحل السوري ، الذي يشابه وجوده لوجود سابق في التاريخ ، يتربص ، عيناً على القسطنطينية والأخرى على القدس ، كنيسة القيامة وأخيراً ، يسعى بالتمدد نحو الهند التى تعتبر مخزن الدنيا .

 

ينقسم العالم حول مسائل عديدة ، لكنه ، يتفق على شيء واحد ، تفتيت المنطقة ، وبين عمليات التفتيت ، هناك أولويات ، منها بلاد الشام ، على الأخص ، يتبعها تركيا ، وقد تكون ، من أكبر المصائب التى تشهدها الجغرافيا العربية ، اليوم ، اعادة زرع الخلاف بين الحلف السعودي المصري التركي الأردني ، بهدف تجنيب ثقل مصر البشري والعسكري والسياسي ، ومن ثم التفرد بها ، لاحقاً ، كما فعلوا بالعراق ، وهنا ، نلاحظ ، أن مسألة الحسم ، في قاموس الدبلوماسية الغربية ، مفقودة ، أمام كثافة ، لمحاربة الجماعات السنية المسلحة ، دون الشيعية ، وإصباغ تهمة الإرهاب على المعارضة المسلحة السورية ، مقابل ، تجاهل المجازر التى ارتكبتها المليشيات الشيعية على مدار السنوات العشر ، تماماً ، ينتمي هذا التشابه ، لما يحصل بين الفلسطيني ، الضحية والإسرائيلي الجلاد ، في المقابل ، تنخفض ،دولياً ، نبرة محاربة الإرهاب في سيناء ، أمام تجاهل وصمت واضح ، للخطوات الكردية ، الانعزالية ، عن مراكز الأم في سوريا والعراق وتركيا

أمام خُلاصة المأزق ، هذا ، ستشهد الساحات مزيد من الإفراز الطائفي على المستوى البشري ، وستكون مفردة الحسم غائبة ، تماماً ، طالما ، شراء السلاح مستمر ،تتقلص بالطبع بقعة الحياد ، لكن في المقابل ، تعيد الأطراف العربية ذات الخطأ في تحديد المربعات ، بل ، تمارس لعبة القفز في لحظة الانهيار ، بل ، ما دُبر لفلسطين سابقاً ، والعراق لاحقاً ، وسوريا مؤخراً ، ليس صدفة ،فالمرجع واحد ، وبالتأكيد ، المرجع مازال يحمل خطط كثيرة .

والسلام

كاتب عربي