وعلى الأرض دماء السلام (المتوكل طه)

تابعنا على:   02:16 2013-12-28

أقسموا! لقد رأوه تماماً؛ بثوبه الكتّان السكريّ،

وشَعْره المدرّج السابل العسلي الكثيف، ولحيته

الشقراء الخفيفة الناعمة، وعينيه وطوله ويديه المباركتين.. لقد رأوه يمشي ثانيةً، من أوّل طريق الآلام إلى الجُلجُلة، دون تاجٍ أو شوكٍ أو صليب .. ولكنه يمشي المسافة كل ليلة .. وهالته تدلّ عليه.

***

ولّما حملوه، كان الجلّنار يفيض حيث يسيرون به، حتى غطّى الطرقات .. وتعالى حتى غطّى الشوارع .. وارتفع حتى غطّى البيوت، وتسامق حتى فاض عن الأسوار .. وما زال يتصاعد كالنبع الهائل في الأنحاء .

***

كيف هويتَ من السماء

وأنتَ فوق النجوم ؟

لَيتَعَظَّم اسمك يا راكبَ السحاب ،

ويا مانحَ الأرض حِنَّاءَها !

اهبطْ وَقِفْ في الأعالي !

واحضن شقيقتك المذبوحة،

الساكبة نُواحَها على المرتفعات ،

وتسحّ على أخيها الذبيح ..

إهْبِطْ .. وَتَغنّى بخلوده النضير

ليسترجع روحَه من التراب،

ويطفىء نورَ حياة أعدائه ،

ويُطلق أهلّتَه اللامعات ..

إهبط .. لكي يعود من جديد،

فقد رأيتك تخرج من نقوش أوغاريت،

وتطير في الأعالي ..

فتبعتك، لكى تَرى ما يُرى :

الجراد في الغيم،

والقراصنة في البحر،

وعلى الأرض الدماء.

كَثُرت الأنواءُ في الجبال،

وغاب صوتُ العصفور العذب،

ومزّعوا كساءَ الحقول ،

وانقطع الندى .. ولا أمطار على الأرض،

بل حرقها اليباس المعدنيّ والبارود !

ولم يعد السرج الذهبي في البراري ،

التي كانت خضراء كالكحل والمحيط .

تشققت أكبادُ الخيول،

وتكسّرت أجنحة النسور ،

وولّت البواشق هاربةً في البعيد .

وحزّ الرجالُ لحومهم يندبون البطل،

ويسكبون الدمعَ على ابن الإلهة عَنَاة .

يا بعل ! اسكب السلام في كبد الأرض

ارمِ السلاح،

واجعله محراثاً .. بعد أن ينقشعوا عن حدودنا،

فالحرب تخالف مشيئة إيلياء المتحضّرة .

وَأَكْثر من الصلوات والعمل لكي تمطر السماء،

وتغسل ما تبقى من دم وسمّ على الصخور والتراب،

بعد أن اصطدموا كالثيران الوحشية ،

وتناهشوا كالأفاعي ،

وترافسوا كالجياد الهاجمة .

واجعل كفوفَ المحاربين مثل تلال القمح،

واغسل أقدامَ أهلك التي غطست بدم الحرّاس،

والنجيعَ الذي تجمّد على أردية العرائس .

وَقُل لهم؛ لا تشمخوا ! لأنني بقوة الحق ،

سأصبغ شيبْكم بحُمْرة الدماء .

وقُلْ لهم؛ في السّلم أعطيكم غزارة الأمطار،

وأرسل أصواتكم في السحاب ،

فتأمنواعلى قوافلكم الراجعة،

إلى كهوفكم المهجورة.

ومهما أَطَلْتُم الجلوس على عرش الزيتون،

فإن أقدامكم لن تبلغ الوطأة

ولن يبلغ رأسكم التاج يوماً ،

بل سيشطركم السيفُ ،

وتذرّون بالغرابل ،

وتحرقكم النار ،

وتطحنون بين الرّحى ،

وتنثركم الريحُ الصرصر في العتمات .

ولن يصدّق أحدٌ من الغرباء،

أن للثور صوتَ الغزال ،

وللعقاب تغريدَ الحساسين .

وقُلْ لهم؛ أيها الأشباحُ! اذهبوا من هنا ،

أو امسكوا مقبضَ المحراث،

أو يدَ المنجل،

أو شبّابةَ القطعان ،

واتركوا لغةَ الموت والدخان،

مرّةً .. وإلى الأبد!

***

لم يحلموا بالزنابق البيضاء ! كانت أياديهم تشرّ بدم الملاجيء والصغار، وببقايا لعبة احترقت، فَوصَل قطرانها إلى ثيابهم الداكنة .. إنهم يشربون دماً ويأكلون دماً ويُخْرِجون دماً، ويحلمون بالدم والكوابيس، ويؤوّلونها بالدم والحروب، ويرسمون غدهم بدم الطيور والرُّضّع، ويبنون بيوتهم بعظام الموتى والشجر المخلوع، وعندما يحتفلون؛ يمتلىء الخوان بعبّوات الدم، وصحون العيون الصغيرة المُطفأة، والشفاه الطفلة المقصوصة، والأصابع الناعمة المقطّعة، ويقهقهون فتتبقّع أفواههم بفقاعات الدم المتناثر، وتبدو أنيابهم كقرون الفلفل الصيفي الحريف، تقطر سائلاً له شَوْخة أنفاس الموتى، وزنخ الجثث التي أكلوا أكتافها وظهورها.. إنهم يحلمون بدم جديد يعبِّئونه في زجاجات، يرصفونها على الرفوف، ليشربها أبناؤهم قبل أن يركبوا الحافلات إلى المدرسة.

 

***

سأرفعُ إيلياء زهرةً زجاجية ،

إلى أن تُطاول النجومَ، التي تراقب الأرضَ

المُدمّاة والمُنْتَهكة .. والحالمة ،

وإلى أن تصبح المدينةُ شمعتي البابلية

البيضاء .. التي سأُفكّر بها كل يومٍ،

وإلى الأبد .

ولهَم أن يواصلوا التيْه، مرةً أُخرى،

في صحراء مُطْفَأةٍ عجوز ..

ويأكلوا عُشبةَ الليمبوس السامّة،

ليتخلّصوا من الصور التي تتراءى لهم في الكوابيس،

وكانوا فيها يذبحون الحَمام، دونما سبب،

ويهرسون النرجس والفرفحينة والخبيّزة

ببساطيرهم، وهم يطاردون الطائرَ

والظبي والحطّاب، ويفتحون صدرَ

النجمة، ليلتهموا قلبها المفعم

بالحب والحياة، لتجدّد أمّهُم الساحرةُ شبابَها

البشعَ الغائر ..

ولن يكونوا مثل ملكة تدمر، التي أكلت

العُشبةَ، قبل أن تصل روما، لكي لا يراها

أهلُ المدينة مقيّدةً ذليلة ..

لقد ماتت زنوبيا من أجل كرامتها ،

ويموتون مثل الضباع السائبة والنسيان ..

أو كما قضى القيصرُ مذبوحاً على الدرج .

عندها، سيرى الرعاةُ نجمةَ الميلاد

من جديد،

ويلد السلامُ في الحقول ..

***

اخر الأخبار