غزوة الصناديق وغزوة الستات

تابعنا على:   09:56 2015-10-24

نهاد أبو القمصان

ما إن وضعت الثورة أوزارها وتنحى «مبارك» أو نُحى، حتى تنفّس الجميع الصعداء وشعروا بنشوة التغيير، لم يكن يعلم الكثير حجم المخاطر المحيطة بالبلد، التى علّمتنا درساً قاسياً أن التغيير بالثورة بمثابة عملية قلب مفتوح تترك المريض فى أضعف حالاته، وبحاجة إلى عناية فائقة، لكن للأسف الثوار كانوا أشبه بطلبة أولى طب، لا خبرة ولا كفاءة ولا حتى رغبة فى الاستماع، لم يملكوا إلا إحساساً بزهو كاذب بأنهم قاموا بثورة، تركوا مصر بلا عناية فى مستنقع تتعرّض لأشد أنواع الجرائم والعدوى والابتزاز، واستعراض القوة من الجماعات المتأسلمة التى عزمت كل الضباع من كل أرجاء الأرض ليتقاسموا الوليمة.

دخلنا فى دوامات الدستور أولاً أم البرلمان، لنجد أنفسنا أمام خطاب تاريخى لأحد قيادات تجار الدين بوجه يخلو من أى إيمان وابتسامة من فرط اصطناعها وطول استخدامها، أصبحت مثل يافطة قديمة مسحت عوامل التعرية أى معنى لها سوى الخبث، خطب فينا «الناس اختارت إيه؟ وبابتسامة مصطنعة.. اختارت الشريعة».

فى الحقيقة كان يقصد شريعتهم، وليس شريعة الإسلام التى نعلمها قبل أن نعرفهم، نعلم كيف نعيش معاً، وكيف نحترم اختلافاتنا ولا نحولها إلى خلافاتنا، فزع الناس من هذا اللون من الحياة المسمى زوراً محاولة لتطبيق الشريعة، أفكار سطحية لا تعرف من الشريعة غير حياة البداوة قبل الإسلام، يتحدث بها أناس لا يعلمون من العلم أو أصول اللياقة حتى القليل، تمسك بشكليات تتنافى، ليس مع الشريعة، وإنما مع الإنسانية، طرحوا تصورات مريضة حول نمط الحياة ودور المرأة ومكانتها والتعليم والعلم والفن والثقافة، وانقسم المصريون بين سياسيين مستعدين للتحالف مع الشيطان، للوصول إلى ما يعتقدون أنه أهدافهم على أمل الإطاحة بهم بعد ذلك.. ثوريون تمترسوا عند حواف مبادئ الديمقراطية التى لم يعرفوا عنها سوى ورقتين فى كتاب أو ندوة لمدة ساعتين حضروها، أو دورة تدريبية علمتهم عبادة أصنام المفاهيم والأطر دون الدخول فى عمق التطبيق والعواقب ودون تدريب على تجنُّب العواقب السلبية، ناس ثالثة تملك رفاهية الهروب بالهجرة، سواء الشرعية أو غير الشرعية، وبين هذا وذاك جموع من الناس لا تملك غير جذرها الممتدة فى طين الأرض، لا مفر منها إلا إليها، حسموا خياراتهم، «مصر»، إما أن يعيشوا على أرضها، أو يُدفنوا تحت أرضها، وهذه هى الغالبية العظمى من المصريين، خاصة الستات.

ستات مصر اللاتى كن فى مرمى نيران أصحاب غزوة الصناديق، واللاتى انتخبن برلماناً اعتقدن خطأً أنه سيُرفق بالقوارير، فوجدن آكلى لحوم بشر يريدون مضغ لحم البنات الصغيرات باسم الزواج، وذلك بإلغاء سن الزواج.. ستات مصر اللاتى استشعرن الخوف ونزع عنهن الأمان عندما أراد آكلوا لحوم البشر تجريد المرأة من كل حقوقها كطفلة، بإلغاء تجريم الختان، وحصرها فى مناهج تعليم طبقاً لتصوراتهم المريضة، وإلغاء حقوقها كزوجة وإنسانة بتحويل عقد الزواج إلى عقد عبودية بإلغاء الخلع، وفرض القيود على حركتها وحريتها وعملها وملابسها، وإلغاء حقوقها كأم بتخفيض سن حضانة الأطفال وإلغاء حقوقها فى الرعاية التعليمية، لقد أفزعوا الستات، لذا طالبت مجموعات نسائية عديدة من لجنة الأحزاب واللجنة العليا للانتخابات بعدم السماح لحزب النور المتأسلم بخوض الانتخابات لمخالفته الدستور.

وعندما تغافلت مؤسسات الدولة وترددت، لم يكن أمام الستات إلا غزو الصناديق، ليس لدى الستات فى مصر رفاهية الإحباط أو الكسل، رغم تخاذل الكثير نزلت وقالت كلمتها وحسمت بالصناديق ما لم تحسمه المؤسسات، لتعيد السؤال مرة أخرى: «هى الناس اختارت إيه؟»، وبابتسامة واثقة: «اختارت الحياة وأطاحت بتجار الدين الغزاة».

عن الوطن المصرية

اخر الأخبار