رجع الصدى

تابعنا على:   23:57 2013-12-27

محمد نصار

كل مرة أنزل فيها إلى الشارع, أجده صاخبا .. ضاجا.. مفعما بالحياة، ساعة ما قبل الغروب هذه, هي ساعة الخروج المفضلة لدى كثير من الناس وأنا واحد منهم

فمنذ أن بدأت بوادر الإصابة بالسكري تطل برأسها وأنا أجد في المشي سلوى تنسيني الكثير مما يعتمل في الصدر وتذهب عني شيئا من مضاعفاته المزعجة، صحيح أنها كانت رياضتي المفضلة في الصبا، لكني جفوتها بعد حين، جفوتها مكرها وقد أخذتني دروب الحياة في مسالكها وشعابها المتعرجة و لم تتركني إلا بقايا جسد أثخنته الجراح والأدوية.

لذا تجدني لحظة نزولي إلى الشارع أجتر صورا من الماضي البعيد، صورا تعينني على واقع لا أفق فيه ولا أمل، فلا أجد سوى ذكرى أيامي الخوالي، يوم كانت أحلامي وردية مشرقة، تفتش لها عن حيز في ثنايا مستقبل مجهول.

كنت يومها أنزل من شقتي الكائنة في الطابق الثاني من مبنى قريب من البحر وأتوجه شرقا صوب قلب المدينة النابض بالحياة والألق، أمر على المحال .. أتأمل واجهاتها.. سلعها.. أتابع الوجوه من حولي وأهيم مع كوكب الشرق وهي تشدو بسحرها الأخاذ في فضاء الشارع الممتد وتشجو.

أعرج على أفيشات العرض لدور السينما الثلاث "عامر ، الجلاء ، النصر" و أبدأ في عقد مقارنة بين أفلامها، مقارنة لا تفضيل فيها وإنما ترشيح لأولها حضورا، إذ لا مجال لتفويت أي منها ولا مجال أيضا لحضورها جميعا، فالوقت محدود ومحصور في مواعيد بعينها، ثلاثة عروض في اليوم، واحد في التاسعة صباحا وكنت أضطر معه إلى التزويغ من المدرسة حتى لا أضيعه والثاني عند الثانية ظهرا وهو الموعد الذي يناسبني تماما ، أما الثالث ففي السادسة مساء و لا أجرؤ على الاقتراب منه, لما يترتب على ذلك من عواقب العودة متأخرا والمسائلة التي تتبعها.

أنهي رحلتي وقد هدأ صخب الشارع ومعه سريرتي .. أراجع ما فاتني من دروس ، ثم أخلد إلى مضجعي مصحوبا بأحلامي الصغيرة.

ظلت تلك العادة ترافقني حينا من الدهر ، إلى أن أخذنا صخب الحياة وضجيج محطاتها ، فتاهت منا الخطى وكذلك المحطات ولم نصحو إلا على زوار ليل أشعرونا بما مضى من العمر وانقضى.

كلام الطبيب عن ضرورة المشي وفوائده ، أعاد إلى النفس ذكرى الأيام الخوالي ولكنه لم يعد إليها بريقها الأول ولا للشارع رونقه الذي كان ، صحيح أنه اليوم أكثر صخبا وضجيجا ، لكن من دون حياة ، مومياء بلا روح أو أثر، نفس المعالم والناس ، لكنه غير الشارع الذي أعرفه ولا الناس أيضا.

صور الماضي ترافقني في كل حين وتأبى إلا أن تذكرني بواقعي اللعين وأنا أراوغها مكابرا، موهما النفس بأن الأشياء كما هي ، الخلق هم الخلق والشارع ذاته الشارع، حتى المحال وإن تبدلت واجهاتها مازالت تعرض نفس البضاعة والطقوس.

شيء في الشارع بدا اليوم على غير عادته، شيء أشعرني بوحشة لم تبدو فيه من قبل، ربما كان لبرودة الطقس نصيب من ذلك، وربما للركود الذي شل البلد وأعياها حظ كذلك، لكن الأمر لم يخلو ممن لم يثنهم هذا ولا ذاك، فأنا على سبيل المثال وجدتها فرصة لأن أهرب من صخب البيت وضجيجه إلى فضاء أرحب ، قد يكون أقل صخبا وإزعاجا وربما حدا آخرون حدوي.

عند بائع البوظى الشهير " كاظم" ، اصطف جمع من الناس واحتشد ، زحام لا يتناسب وبرودة الطقس الذي يلف المكان وفي داخل المحل حشد مماثل، تأملت المشهد للحظات وعلى وجهى ابتسامة لا أعرف لها معنى .

صوت شجي دفعني للانسياق نحوه وحرك بي بواعث شجن غريبة، " يا مسافر وحدك " ، يا إلهي !.. هل في المدينة من يحن إلى ذلك الزمن ويستحضره؟ ..من يسكنه عبد الوهاب ويملك عليه جوارحه ؟.. منذ أمد وأنا لا أسمع في الشارع سوى هتاف مكبرات الشؤم وصفير عربات تحمل الموت والويلات.

تتبعت الصوت فقادتنى الخطى إلى محل صغير، يبيع السكاكر وعلب التبغ، تأملت الرجل الذي يجلس خلف طاولة قديمة وقد أطرق منصتا إلى المذياع كما لو كان قطعة من فؤاده.

كان في مثل عمري تقريبا وإن بدا أكثر هزالا مني وشيبا، دنوت منه وأنا أستشعر حالة الهيام التي يعيشها، فلم أشأ أن أخرجه منها، وقفت أمامه صامتا.. تاركا له خيار الخروج من عالمه في اللحظة التي يريد، فما طال بي الحال ومع أول التفاتة بدرت عنه، تبسم في وجهي وقال محاولا مداراة دمعا يتراقص في عينيه : هل من خدمة ؟.

أخذت علبة سجائري ومضيت ، مضيت وبداخلي شعور غريب ، لكنه أشعرني بارتياح كبير، إلا أن لحظات من تتبع الوجوه التي تمر من أمامي ومحاولتي قراءة ما يختلج خلف الأقنعة التي تلفها ، جعلتني أشك في حقيقة ذلك الشعور ومدى جديته.

على الطرف المقابل من الرصيف ، شدني شيء لم يكن في واردي ، هبط علي كما الموت فجأة، وقفت أقلب الأمر في رأسي قبل أن أخطو خطوة إلى الأمام وفي داخلي أسئلة تتدافع كطلقات مدفع رشاش: أيعقل أن تكون هي ؟ ما الذي جاء بها بعد كل هذه السنين وكيف ؟.

بعد لحظة من التردد والحيرة قررت أن أقطع الشك باليقين .. أن لا أدع للظنون حيزا يتملكني، اجتزت الطريق بحذر وانتباه حتى وصلت إلى الرصيف المقابل، تريثت قليلا قبل أن أصلها ، رحت أتأملها خلسة وقد انشغلت بالنظر إلى واجهة العرض المقابلة.

- يا إلهي .. كل شيء فيها ينطق باسمها .. نفس القوام .. نفس الشعر المنساب من تحت قبعة الصوف الحمراء.. نفس المعطف..بل أكاد أجزم بأنه هو.. يا إلهي لا يعقل إلا أن تكون هي.

- هدى.، قلت بصوت هادئ حالم.، فالتفت نحوي وقالت بابتسامة تشع براءة وجمالا : نعم يا عمو.

- آسف يا ابنتي ., قلت مداريا ارتباكي .

- لا داعي للأسف.

تأملتها بأعين يتراقص دمعها ، ثم مضيت تلاحقني الصور والذكريات.

 

اخر الأخبار