جورباتشيف واشنطن‏..‏ و‏3‏ تكتلات في الشرق الأوسط‏!‏

09:28 2013-12-27

محمد عبدالمنعم

قبل أيام وتحديدا في يوم‏12‏ ديسمبر الحالي تملكتني مشاعر جارفة من الاشمئزاز والحسرة والمرارة‏..‏ وقل ما تشاء من المشاعر السلبية التي تبعث علي اليأس والاكتئاب‏!‏
في هذا اليوم نقلت وكالة رويترز للأنباء صورة فوتوغرافية من محافظة الشرفة في شمال سوريا يظهر فيها اثنان من رجال الجيش السوري الحر يلهوان ـ أي والله يلهوان ـ بإلقاء كرات من الثلوج علي بعضهما البعض ـ إذ اجتاحت البلاد موجة هائلة من الصقيع والثلوج ـ وفي أثناء هذا اللهو الصبياني غير المبرر كان رجلا الجيش السوري الحر.. الذي في رأيي لا هو جيش ولا هو حر كان الرجلان يضحكان كالأطفال غير مدركين بالمرة لهذا الكم الهائل من الخراب والدمار الذي لحق بالدولة السورية.. وهو خراب أحسن وصفه رئيس الوزراء السوري المؤقت أحمد طعمه خلال المؤتمر الدولي الذي عقد في كوريا الجنوبية في نفس هذا اليوم الذي أشرت اليه ـ12 ديسمبر...
خراب ودمار أحسن وصفه رئيس الوزراء السوري عندما قال في بداية هذا الاجتماع: إن تكاليف إعادة إعمار سوريا تفوق طاقة الدولة السورية وأن بلاده في حاجة الي خطة مارشال لتتمكن من إعادة إعمار الدولة وذلك علي غرار الخطة الشهيرة التي نفذتها واشنطن في ألمانيا بعد الخراب الكامل والتام الذي لحق بها ـ وبالذات علي أيدي القوات الأمريكية ـ خلال الحرب العالمية الثانية!!
ينبغي علينا جميعا أن ننتبه أكثر وأكثر لهذه المهزلة المأساوية التي تدور فصولها في جميع أنحاء العالم العربي, ولو كانت الثلوج قد انهمرت, هنا وهناك في عالمنا العربي الممتد من الخليج الي المحيط.. لو كان ذلك لشاهدنا نفس هذا المشهد العبثي الذي إن دل علي شيء فإنما يدل علي حالة لا مبالاة عبثية أو حالة انفصام مرضي مزمن أعمانا عن الواقع الذي نمر به جميعا.. وبالطبع عن المستقبل الظلامي الذي ينتظر الجميع.. من هذا الخليج إلي ذلك المحيط وبلا أي استثناء!
ونعود الي اجتماع كوريا الجنوبية الذي أعلن رئيس وزراء سوريا أن بلاده تحتاج الي مشروع أو خطة مارشال لإعادة بناء ما تم تدميره علي غرار ما حدث في المانيا, في ذلك أقول إن ألمانيا هي أولا وأخيرا دولة أوروبية, وأن شعبها يتحلي بالعيون الزرقاء والشعر الأصفر والبشرة البيضاء, وأنهم ينتمون الي ذات الجنس البشري المميز الذي يؤمن بأنه الأفضل, وأنه السوبر وسط باقي الشعوب السوداء والسمراء والصفراء التي تمثل باقي الدول التي تزخر بها الكرة الأرضية! أما العرب والمسلمون بشكل عام وشامل فهم شيء آخر يختلف تماما, ومن الأفضل لنا جميعا أن ننسي كلية أي معاملة شبيهة من قريب أو من بعيد بالمعاملة التي حظت بها ألمانيا, أو أي دولة أوروبية أخري, حتي لو كانت هذه الدولة سببا في موت الملايين من البشر, وتدمير اركان دول عديدة تمتد ما بين قارات آسيا وإفريقيا.. وأوروبا نفسها.. علي السيد أحمد طعمه أن ينسي مشروع مارشال هذا ويصرفه تماما عن أفكاره وآماله المتفائلة!!
كذلك فإنه لو كانت دول العالم العربي, وبالذات دول الخليج التي تسبح فوق حقول البترول الذي هو جل اهتمام العالم الخارجي بها.. لو كان الأمر كذلك.. وهو بالفعل كذلك, فعليها جميعا أن تنتبه جيدا وتماما الي خبر صغير نشر في الاسبوع الماضي دون أن يلقي أي اهتمام من جانبنا جميعا مع انه يقول لنا الكثير ويزيد من أخطار الأحداث الجارية الآن في معظم بلدان العالم العربي.. يقول هذا الخبر إن واشنطن تخطط منذ فترة علي انهاء وجودها العسكري في أفغانستان, وانها قامت بسحب إحدي حاملتي طائراتها من منطقة الخليج خلال شهر فبراير من العام الحالي رغم تواجد هذه الحاملات وغيرها الكثير من الأسلحة والقوات الأمريكية منذ سنوات طويلة في هذه المنطقة الحيوية وبالغة الأهمية بالنسبة للولايات المتحدة ـ وفي ذلك أجمع المراقبون علي أن هذا الإجراء يعد مؤشرا قويا علي تقلص الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج والشرق الأوسط بأكمله بالنسبة لواشنطن ـ وبالتالي بالنسبة لحلفاء واشنطن التقليديين والدائمين ـ وذلك( وهذا هو الأهم) بسبب الاكتشافات الهائلة من الغاز الطبيعي والنفط الحجري داخل الأراضي الأمريكية, وانه في عام2015 ستصبح الولايات المتحدة هي أكبر منتج علي مستوي العالم أكمل بالنسبة للغاز الطبيعي الذي ازدادت أهميته بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة وبالمثل وبعد هذا التاريخ بعامين ـ أي في عام2017 ـ ستصبح الولايات المتحدة أيضا هي اكبر منتج في العالم للبترول!!.. علينا جميعا من المحيط الي الخليج ان نتنبه جيدا لهذا الحدث الذي سيقلب الكثير من الموازين ومن التحالفات, ومن كافة اقنعة الخداع والنفاق السياسي!
وفي هذا السياق تأكد لكل من له عينين أن واشنطن تتفادي تماما, ولاتميل بالمرة, لخوض مواجهات عسكرية مباشرة, ما دامت مصالحها غير مهددة بشكل مباشر يؤثر علي نفوذها وتربعها علي عرش الكرة الأرضية وفي هذا المنحي وتلك الاستراتيجية الجديدة فإنها لا تتعامل بندية مع كل الأطراف العربية, وفي ذلك تكتفي, كما يحدث حاليا في كل دول( الربيع العربي) بالاعتماد علي العملاء المحليين الذين يكتظ بهم العالم العربي, والذي يسيل لعابهم أمام الدولار الأمريكي!.
وحتي في إطار هذه السياسة( الثعلبية) التي وصلت إلي حد التحالف مع الجماعات( المتأسلمة) ظنا من عباقرة المخابرات الأمريكية أن هذه الجماعات تمثل الإسلام بشكل عام غير مدركة أن كل دول العالم الإسلامي تحارب وتطارد هذه الجماعات منذ نشأتها, وحتي يومنا هذا ـ في إطار هذه السياسة الثعلبية بدأت واشنطن تستوعب الدرس المرير الذي تلقته ـ ومازالت ـ فوق أراضي أفغانستان, عندما قامت بتعبئة( جماعات الإسلام السياسي) من جميع أنحاء العالم العربي والإسلامي ـ ورحم الله المستشار سعيد العشماوي الذي كان أول من فطن لتعبير( الإسلام السياسي) الذي أتقن في وصف تلك الجماعات به ـ بدأت واشنطن تستوعب ذلك الدرس المرير عندما تم انسحاب القوات السوفيتية من الأراضي الأفغانية بسبب تزايد خسائرها هناك نتيجة ترسانة الأسلحة الأمريكية الحديثة التي وفرتها واشنطن لهؤلاء( المجاهدين) وفي مقدمتها صواريخ( ستينجر) المضادة للطائرات التي لم تكن قوات حلف الأطلنطي قد حصلت عليها بعد! وصواريخ ميلان المضادة للدبابات التي تعد الأحدث من نوعها... بدأت واشنطن حينذاك باستيعاب الدرس القاسي والمرير عندما فوجئت بأن هذه المجموعات المتأسلمة انقلبت علي القوات الأمريكية ذاتها, بل وانتشرت غربا حتي دولة مالي في قلب إفريقيا وأحكمت سيطرتها علي هذه الدولة! كما انتشرت شمالا حتي بنغازي في قلب ليبيا, حيث قامت باغتيال السفير الأمريكي هناك!!
وهكذا بدأت واشنطن ـ أخيرا جدا ـ تدرك شديد غبائها وباتت أخيرا ـ أيضا أخيرا جدا ـ باتت أكثر وعيا بموقفها شديد الحرج والمؤسف الذي انتهجته منذ حرب أفغانستان, وحتي ثورات الربيع العربي, وينعكس ذلك واضحا في تخوفها الحالي من التوجهات السياسية والأيديولوجية للمجموعات المسلحة المعارضة ـ بما فيها ما يسمي بـ( الجيش السوري الحر) ـ التي حول سوريا إلي خراب ساحق وما حق, وفي هذا السياق يؤكد المراقبون الأجانب والمحللون السياسيون أنه من هذا المنظور باتت واشنطن الآن ـ وبعد فوات الأوان ـ تنظر بريبة إلي واقع الثورة السورية, خاصة بعد استيلاء( الجبهة الإسلامية) علي مخازن الأسلحة الأمريكية الحديثة والمتنوعة التي أرسلتها الولايات المتحدة إلي ذلك( الجيش السوري الحر)!!.
وهكذا, وبإجماع المراقبين السياسيين في مختلف بقاع العالم تمزق الشرق الأوسط, وانقسم ما بين ثلاثة أحلاف أو تحالفات:
> التحالف الأول يضم كلا من مصر والسعودية والأردن ودولة الإمارات العربية والكويت والبحرين وعمان! وهو حلف أو تحالف خرج تماما عن سيطرة واشنطن ودفع بـ روسيا إلي وضع مثالي ما بين جميع تلك الدول العربية التي لم يصل إليها يوما ـ باستثناء مصر ـ الاتحاد السوفيتي السابق, وها هي روسيا وحدها تحقق ما لم تستطع تحقيقه جميع دول الاتحاد السوفيتي مجتمعة, التي انطلقت بعد تفكك الاتحاد السوفيتي إلي أحضان واشنطن أسوة بالزعيم السوفيتي السابق ميخائيل جورباتشيف الذي يستوطن الآن داخل الولايات المتحدة!
> التحالف الثاني ويضم إيران وحزب الله وسوريا والعراق, وهو التحالف الذي تحاول واشنطن بناء علاقة إيجابية ومثمرة معه, وذلك رغم ما تبديه من عداء نحو هذه الدول, ولكن يبدو أنه عداء ظاهري يبطن غير ما يبدي!.
> التحالف الثالث, ويضم تركيا وجماعات الإخوان المسلمين وتونس ومنظمة حماس وإمارة قطر... وهو التحالف الذي تميل إليه واشنطن, والذي اضطلع بمهام جادة ومتعددة خلال ثورة الربيع العربي, وهنا ينبغي أن ندرك جيدا أن هذه المساندة الأمريكية لذلك الحلف سوف تستمر طويلا رغم فشل المخطط الذي وقفت وراءه كل هذه الدول مجتمعه في أثناء ثورة الربيع العربي, وذلك لأن تخلي واشنطن عن هذه الدول والجماعات العميلة قد يكشف الفضائح التي خططت لها واشنطن بالنسبة للمنطقة العربية بأكملها, وينطبق هذا المبرر نفسه علي الرئيس السابق مرسي العياط الذي مازالت واشنطن تقف وراءه بقوة... لا لشيء ـ في رأيي ـ إلا مخافة أن يقدم رئيس مصر السابق علي فضح كل ما خططت, وما دبرت له واشنطن بالنسبة للدول العربية التي كان السيد مرسي العياط رئيسا لأكبرها لمدة عام كامل من زمان أغبر!
وفي هذا الاتجاه خرجت علينا صحيفة واشنطن بوست الأمريكية ـ وهي كبري الصحف الأمريكية بل والعالمية ـ خرجت علينا في الأسبوع الماضي بمقال هجومي ينتقد بشدة سياسة الرئيس أوباما مؤكدة أنها تؤدي إلي تآكل النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط, وكان عنوان هذا المقال مثيرا للغاية إذ يقول:( أوباما.. النسخة الأمريكية من جورباتشيف) وذلك من منطلق أن الإصلاحات التي تبناها جورباتشيف عملت علي انهيار الاتحاد السوفيتي في عام...1991 وبالمثل لابد, أن تنتهي إلي النتيجة نفسها تلك السياسات الهوجاء التي تتبعها إدارة أوباما في منطقة الشرق الأوسط.


إنكار العدالة جريمة كبري!
في مقال الأسبوع الماضي بعنوان أجراس الخطر لايسمعها الغوغاء تعرضت الي المحاكمات التي تجري عندنا الآن وفي ذلك قلت: وبذكر المحاكمات ـ بشأن مرسي أو غيره ـ فإنني بكل الأدب والتواضع لا أفهم أبدا ظاهرة اعتذار هيئة محاكمة أحد المتهمين وذلك تجنبا للإحراج كما تقول البيانات المتكررة في مثل هذه الحالات التي تعددت بصورة ملحوظة خلال الأشهر الأخيرة, وفي ذلك فإنني لا أفهم أبدا كيف يمكن مواجهة هؤلاء المجرمين الذين عملوا علي تخريب هذا الوطن, وذلك في الوقت الذي تعتذر فيه المحكمة, وتتنحي عن محاكمتهم, لا أفهم أبدا, ولا أتطاول من قريب أو من بعيد علي هذا الحصن المنيع الذي نلوذ به جميعا ناشدين الأمن والأمان, وتقويم أي انحراف أو خروج علي القانون.. فما بالنا بتهديد أمن الدولة بأكملها؟ بل أمن المنطقة العربية أجمعها؟
وفي يوم الاثنين الماضي اتصل بي الدكتور مجدي مرجان( دكتوراه في القانون) إذ أنه من شيوخ القضاء في مصر) اتصل بي الدكتور مجدي ليناقشني في هذه الفكرة تحديدا وكان قد أرسل لي ـ مشكورا ـ هذا الرد مكتوبا وفيما يلي نصه وبنفس العنوان الذي كتبه الدكتور مجدي مرجان:
القضاء ضمير الأمة ونبض الشعب وأعلي سلطات الدولة, إذ يملك القاضي إلغاء قرار لرئيس الجمهورية أو إبطال قانون أصدره البرلمان, بل يملك وحده بعد الله الحكم بموت إنسان إذا ارتكب جرما فظيعا كالقتل أو التجسس وغيره.
ولقد بلغت أهمية رسالة القضاء وقداسته في صدر الإسلام أن الرسول( صلي الله عليه وسلم) تولاه بنفسه وبعده خلفاؤه الراشدون, وقد لقب سيدنا عمر بن الخطاب بالفاروق لفرط عدالته وأنه يفرق الحق عن الباطل ولا يخشي في الله احدا.
وفي القرآن الكريم فإن العدل أساس الملك والحكم, ويقول سبحانه ولايجرمنكم شنآن( كراهية) قوم علي ألا تعدلوا, اعدلوا هو أقرب للتقوي واتقوا الله.
ويخضع القاضي في عمله لرقابة وإشراف رؤسائه لضمان تحقيقه للعدالة, وحسن تطبيقه للقانون ونظره لقضايا وإدارة الجلسات, فإذا أخطأ القاضي أو انحرف تمت مساءلته بشدة وسرعة سواء اعلن عن ذلك أو لم يعلن حرصا علي هيبة النظام القضائي. وينظم قانون السلطة القضائية موضوعات تنحي القضاة أو ردهم من الخصوم.
وللأسف فقد تكرر في الفترة الأخيرة اعتذار بعض القضاة عن قضايا مهمة دون إبداء الأسباب وأهمها وفقا للقانون استشعار القاضي للحرج وشعوره بأنه لا يستطيع تحقيق العدالة في القضية المعروضة عليه لقرابة أو صداقة أو مودة أو عداوة شديدة مع أحد المتهمين; صحيح أن القانون لايلزم القاضي بإعلان سبب التنحي سوي العبارة المبهمة( استشعار الحرج) فإن هذا التكرار وفي القضية نفسها, أزعج الرأي العام وهز ثقة المواطن في الحصن الشامخ الذي لا ملاذ له غيره. وانني وأن كنت أعذر قليلا زملائي وتلاميذي باعتباري من شيوخ القضاة وذلك لتقصير الحكومة الشديد في حمايتهم وأسرهم وهم بشر عزل يواجهون ارهابا مسلحا يلاحقهم حتي داخل بيوتهم, فإنني أسجل أيضا أن القانون لا يعطي القاضي حق التنحي بمفرده وأنما يوجب عليه عرض الأمر علي رئيس محكمته ومصارحته بالأسباب ويملك رئيس المحكمة وحده الموافقة أو الرفض وهو ما لايطبق حاليا وهذا خطأ كبير..
كلمة أخيرة للدولة الغائبة فإن كل تضحيات الجيش والشرطة لإنقاذ مصر ستضيع هباء إذا لم يتم حماية القضاة وتمكينهم من تحقيق العدل والقصاص من المجرمين.
عن الاهرام

اخر الأخبار