جنون الفقر في قطاع غزة

تابعنا على:   22:23 2013-12-25

د:كامل خالد الشامي

أبو توفيق سبعيني يعاني من الفقر منذ أن ولد, ولم يحاول مرة الخروج من قريته للعمل, كما فعل الكثير من الشباب من جيله , لقد اكتفي بالقليل الذي كان يحصل علية من بيت والدية, وكان هذا بالكاد كافيا ليسد به رمقه.

تزوج أبو توفيق من ابنه عمه ورزق منها بعدة أطفال, كبروا ولكنهم لم يستطيعوا الخروج من دائرة الفقر أيضا.

كان أبو توفيق يجلس أمام بيته المتواضع جدا , طيلة النهار وجزء كبيرا من الليل, وهو يعرف تقريبا ما يحدث في محيطه تمام المعرفة, سيجارته من التبغ المحلي لا تنطفئ, كان يحصل علي التبغ من جيرانه أو يقترضه من احدي دكاكين محيطه ويقوم بسداد ديونه بعد جهد جهيد.

وفي ذات مرة أراد أن يقضي علي فقرة, فذهب إلي دائرة الشئون الاجتماعية وأعطاهم أوراقا تثبت أنه مجنون ولا يستطيع العمل, وهو يريد أن يحصل علي مساعدة دائمة منهم.

لم يفلح أبو توفيق, فقد كشفة الموظف وعرف أن تقريره مفبرك وبلا قيمه فعاد الرجل أدراجة خائبا إلي حيث يقضي أغلب وقته في الحصول علي أخبار جيرانه, في كل يوم يمر تزداد حالته سوءا وأصبحت فرصة للحصول علي مساعدة تقل يوما بعد يوم مثله مثل الكثيرين من الأسر المستورة الذين لم يحالفهم الحط في الحصول علي مساعدة.

أحاول أن أقارن بين أبو توفيق الذي ترك المدرسة مبكرا وفضل العيش في حياه البؤس والشقاء, وأصبح لا يتحمل أي مسئولية ولا يشارك في أغلب المناسبات من حوله, وبين أستاذ تشيكي دمر بيته في نهاية الحرب العالمية الثانية ولجأ مع والدية ألي المانيا, وتوفي والدية وعاش بعدها في بيت للأطفال اليتامى, ولكنه واصل تعليمة الجامعي في علوم الأرض وأصبح أستاذا جامعيا مرموقا ومشغولا, و له ارتباطات شعبية ورسمية كثيرة, خرج الرجل من يتمه ومن فقرة ببسالة, و حصل بشكل تلقائي علي الجنسية الألمانية

 كنت علي خلاف معه بسبب مواقفه المؤيدة إلي إسرائيل لكنه فجأة قال جملته الشهيرة في احدي محاضراته " إن الإسرائيليين يبنون بيوتهم علي الأرض الفلسطينية", وهنا أدركت أن الرجل قد فهم ما يحدث لنا في فلسطين.

وعودة إلي أبو توفيق الذي استسلم للفقر ولم يعره انتباها إلي أن جرف الفقر أمعائه فحاول الالتفاف عليه عن طريق لعب دور المجنون, لكنه لم يفلح في ذلك وما زال يعيش أيامه بلونها الواحد ,ما زال الأستاذ التشيكي الألماني يعيش أيامه بصورها وألوانها الكثيرة.

اخر الأخبار