القصص التاريخي في القرآن الكريم

تابعنا على:   12:38 2013-12-25

ياسر أبودية

مقدمة :

تنطلق هذه المقالة من فرضية أساسية بأن القصص التاريخي الديني في القرآن الكريم وضع لتأكيد عدة مبادئ فقهية تقوم على الاعلاء والاشتمال والختام ( أي لا كتاب بعده ) للقرآن الكريم لكل الكتب السماوية، ولذلك تم نحت وتحرير التراث العربي ليكون منطوياً في ظل القرآن الكريم ليحقق المبادئ الثلاث السابقة ( الاعلاء، الشمول، الختام ) وذلك بعد أسلمة هذا التراث المجموع.

قبل البدء بعرض الحجج المستند اليها في هذه المقالة يتوجب التأكيد أننا لن نتاول تحليل النصوص الدينية في الاناجيل المسيحية او الكتاب القديم لليهود التواراة او المشكاة، على الرغم من أهميتها في دراسة القصص التاريخي في القرآن، وانما سنقتصر في طرح الآراء حول ما ورد من قصص تاريخية في القرآن الكريم على أن يتم التوسع في الربط بين القصص الديني في القرآن والتراث القديم للأناجيل او كتاب العهد القديم لمعرفة كيف تم استيعاب هذه الكتب المقدسة لتراث الأمم الأخرى في دراسة لاحقة، وإن كنا سنُضمن بعض الاشارات في هذه المقالة للدلالة السريعة على علاقة هذه الموروثات بالقصص الديني في القرآن.

وعودة على بدء، ستطرح المقالة عدداً من الاسئلة ستكون محتوية بمضمونها على دلالات جوهرية حول الفرضية السابقة، كطرح أسئلة تتعلق بمفهوم التراث وكيف تم النظر إليه في السياق الإسلامي والعربي؟ وما طبيعة القصص الدينية الموجودة في القرآن الكريم ؟ وكيف تم استخدامها فقهياً وكتابياً لتحقيق الخصائص السابقة ؟

بدايةً؛ إن مفهوم التراث متعدد الدلالات في السياق الديني الإسلامي بدء من الاشارة إلى ما تركه السلف للخلف من موروث مادي أو معنوي ( وتأكلون التراث اكلا لما، وتحبون المال حباً جما)، ( رب هب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا ) اوكما قال ابي بكر بعد وفاة الرسول للصحابة : أنتم هنا وميراث محمد يوزع في المسجد (وقصد به القرآن وكل ما يحتويه).

ويعتبر التراث العربي أقدم زمانياً من التراث الإسلامي فهو ممتد إلى الحضارات القديمة، ولكن التراث الإسلامي اوسع جغرافياً بحكم الامتداد والتأثير فهو يضم إلى جانب التراث العربي ( او ما تم اختياره منه ) تراث الشعوب الأخرى أو ما اختير منها كتراث الفرس والهنود والمغول والمصريين والعراقيين والعديد من شعوب الدول الأخرى واصبغها الصبغة الإسلامية حتى لو كانت ليست عربية بهدف أسلمتها.

وقد تطورت علاقة الدين بالتاريخ بالتراث حسب تطورات الزمان والمكان (تاريخ الأنبياء والرسل، 2. تاريخ الملوك 3. تاريخ العمران ) فكل فترة تاريخية مرت على البشرية كان لها من المنجزات المادة والعنوية التي تم التأريخ لها والتي عبرت عن العلاقة الثلاثية بين الزمان والمكان والناس وطرق تفاعل هذه العناصر الثلاثة مع بعضهم البعض، هذا التفاعل رسم أوجه حضاريه مادية ومعنوية تميزت بها حضارات الشعوب القديمة، وكان من ضمن المنجزات تاريخاً غنياً بالتجارب التي ميزت كل أمة من الأمم السابقة، وهذا التراث الحضاري تم تسطيره ( من الجذر سطر أي كتب وليس من الأسطورة الخرافية )، أو تم تناقله شفوياً من جيل إلى آخر ومن أمة إلى أخرى عبر القُصاص.

ومن المعروف أن الكثير من القصص الديني كان معروفاً عند العرب، وكان يتم تواتره شفوياً مثل قصص عاد وثمود وفرعون وهامان وغيرها من القصص المتواترة لدى الأقوام الأخرى كالفارسيين واليونان والرومان واليهود والهنود، ولكن الإزدهار لم يكن الا مع الإسلام الذي قام حسب رأينا بتوظيف القصص التاريخي توظيفاً دينياً ليحقق أهداف الرسالة المحمدية، فجمع مواريث الكتب الأخرى وضمها في كتاب واحد يعتبره البعض منزلاً بطرق أختلف على تنزيلها.

ويشتمل القرآن الكريم أربعة أنواع من القصص الديني:

1. قصص الأنبياء وقد صاغها واعاد روايتها الوعاظ والقصاص شفاهياً، ورواها المحدثون والمؤرخون في كتب السنة والسيرة والتفسير والتاريخ والتصوف وغيرها ومن بعد ذلك انتقلت إلى كتب الأدب العربي من المرويات والسير الشعبية كسيرة ابن هشام والسيرة الحلبية.

ومن الأنبياء الذيم تم ذكرهم في القرآن وتم ذكر قصصهم، آدم وحواء ونوح وهود وصالح وابراهيم واسماعيل ولوط ويعقوب ويوسف وشعيب وموسى والتيه والبقرة وسليمان وبلقيس وداوود ويونس وأيوب وزكريا ويحيى ومريم وعيسى. ( رأى البعض أن الهدف منها هو عرض تاريخ نضالهم مع الشر والتامل والعظة ) ومن ثم تأتي قصة سيدنا محمد وما تعرض له من اضطهاد من قبل قريش تكذيبهم له وحصاره ومحاولة قتله، وتحديات اليهود له وقصص المنافقين معه وقصة الاسراء والمعراج والهجرة النبوية والحروب والغزوات وفتح مكة وحتى قصص عن زوجاته.

2. قصص متعلقة بالشعوب السابقة على الإسلام : ويمثلها الكتب الخاصة برواية تاريخ الشعوب الأخرى وتاريخ ملوكها، وتأتي الاسرائيليات لتعبر عما في التوراة والانجيل وعن " أساطير الأولين" في الهند وفارس واليونان، " إن هي أساطير الأولين تتلى عليه بكرة وعشيا " ومن القصص التي ذكرها في القرآن في هذا الباب قصة أهل الكهف وذي القرنين ويأجوج ومأجوج وعزير وأصحاب الجنة وقارون وقابيل وهابيل وقصة سد مأرب وسيل العرم وأصحاب الرس وأصحاب الأخدود وأصحاب الفيل

3. قصص متعلقة بعالم الغيب كالجن والملائكة والشياطين والسحرة ( تم الاعتماد على الاساطير القديمة عند السومريين والبابليين والهنود والفرس باضافة إلى الاستعانة بالاسرائيليات في تفسير الآيات التي تحدثت عنه )

4. قصص رمزيه تمثيلية متعلقة بعالم الحيوان يروى على لسان الحيوانات، كقصة الغراب الذي علم ابن آدم ليواري سوأة أخيه، وقصة الطير التي قطعها ابراهيم، وقصة بقرة بني اسرائيل، وقصة ذئب يوسف، وهدد سليمان ودابة الارض التي كشفت عجز الجن عن علم الغيب، وحمار عزير الذي أماته الله مئة عام ثم أحياه.

هذه القصص الدينية لم تكن قصص مجردة في القرآن، وإنما كانت تحتوي بانواعها الأربعة على ركائز تاريخية تم أسلمة الغاية من ذكرها، تطورت فيما بعد لتحدد الفكر الإسلامي الشرائعي الأخروي والدنيوي، وتعيد تفسير الزمان والمكان إسلامياً ( تصبغه بصبغة إسلامية ، فكما يقول الرازي في تفسيره الكبير إلى القصص القرآني بأنه يشير إلى كل ما يهدي إلى الدين ويرشد إلى الحق)، بعد نزعه من سياقه التاريخي وان اختزلت هذه القصص اعجازياً لغاية الايهام والغموض واعطاء المجال للتفسيرات المختلفة لنفس النص (علي بن ابي طالب قال: القرآن لا ينطق بما بين دفتيه وانما ينطق به الرجال( اي المفسرون) ).

هذه القصص القرآنية موجودة في المواريث الشعبوية لدى الأمم الأخرى وسأوجز بعض الامثلة على هذا التضمين :

1. هناك بعض الانبياء الذين لم نعرفهم كانبياء ولم يرد ذكرهم في القرآن الكريم " ورسلاً قصصنا عليك ورسلا لم نقصص " ومنهم " خالد بن سنان العبسي " الذي ترجع الروايات التاريخية عند ابن كثير ان عاش في إيران، حيث يقال انه ظهرت ناراً في أرض العرب وكادوا يفتتنوا بها ويعبدوها كالمجوس فشق النار ودخل إلى داخلها وبدأ يتلو كلمات كالكهان، وتتابع القصة أنه خرج من الناروهي تتلظى وثيابه تتندى، وهذا يذكرنا بقصة ابراهيم الخليل التي جعلها الله برداً وسلاماً عليه.( قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على ابراهيم )

2. ان النبي ادريس الذي رفعه الله في المكانة والحكمة هي نفس قصة هرمس أحد فلاسفة اليونان، الذين كان لهم مكانة عالية من العلم فتم تبجيله من قومه والبعض يقول عبادته.

وهناك نفس القصة الموجودة عند الفرس لنبي لديهم اسمه بيوراسب، وتقول الرواية انه كان نبي الصائبة انه قد تعلم السحر من آدم عليه السلام، وقد استفاد الملك من هذا السحر في السيطرة على ابليس، وكان لهذا الملك أخ فاتن الجمال يقال انه استعبد الانس والجن وذل الشياطين وسخرهم في اعمال البناء والتشييد، وهذا شبيه بقصة سليمان وداوود.( وسخرنا لسليمان الريح تجري بأمره )

3. رسالة نوح وقصة الطوفان موجودة في التراث البابلي بكل تفاصيلها مع اختلافات في مداها الجغرافي لتشمل كافة مناطق الارض ام فقط قوم نوح في قريته في العراق؟ الهنود والفرس اعتبروها حادثة بابلية فقط وليست كارثة عالمية، كما أن ملحمة جلجامش عند البابليين القدماء بكل تفاصيلها وبحثها عن الخلود وصياغاتها الفنية يمكن أن نجد لها اشارات في القرآن

4. نبيا العرب هود وصالح المرسلان إلى عاد وثمود الاولى في الجنوب في حضرموت والثانية في شمال الحجاز من شبه الجزيرة العربية وكيف تم تدميرهما بسبب عصيان قومهما لهما، هي أيضاً روايات تاريخية عربية تم تضمينها قرآنياً، وهي من القصص التاريخية المتواترة شفوياً لدى العرب البائدة والتي تم تضمينها أيضاً في القرآن.

5. ان فريضة الحج المذكورة في القرآن هي فريضة سامرية حسب كارين ارمسترونج في كتابها سيرة النبي محمد"، حيث إن الديانة السومرية نبعت منها فكرة الدائرة والأركان الأربعة والتي تمثل أركان الأرض الأربعة، والرموز المقامة حول الكعبة وعددها 360 تشير إلى عدد أيام السنة عند السومريين، إلى جانب خمسة أيام يقضيها الإنسان خارج الزمان للقيام بشعائر خاصة تربط ما بين الارض والسماء. وكانت تتم باندفاع الحجاج جميعا إلى وادي المزدلفة جيث يسكن إله الرعد ثم يسهرون على السهل المحيط بجبل عرفات، ثم يرجمون بالحصاء الاعمدة المقدسة في منى ومن ثم يتم نحر قرباناً وتقديمه للآلهة.

هذه الطقوس السومرية تشبه إلى حد كبير فريضة الحج الإسلامي، وكان الغاية منها عند العرب إلى جانب العبادة استدرار الامطار والخروج من الرتابة والضجر خلال العام والولادة الجديدة ( من حج ولم يرفث يرجع إلى أهله كيوم ولدته أمه) أي انها ولادة جديدة خالية من الذنوب وهي تشبه فكرة الولادة في قصة نوح وهي مرتبط بفكرة الطواف الدائري كمشترك بين أغلب الديانات كرمز للخلود والعالم والنفس )

وقد اعتُبرت أسطورة المعبود أوزير عند المصريين القدماء تمثيلاً للخلق وتجسيدًا لدورة الزمن حيث اعتُبرت بمثابة وجه آخر لدورة الطبيعة ومسيرة الزمن التي لا تنتهي بل تتجدد وتستمر من خلال بعثه لذا فهو يُجسد الحياة والموت ويُجسد دورة الزمن التي إذا ما توقفت ولم يتم بعثه توقف نظام الكون وانتهت الحياة على الأرض، وقد كان للأسطورة الأوزيرية صدى كبير في العقيدة المصرية القديمة كما ارتبطت بالزمن والأبدية واستمرارية الكون حيث كان المعبود أوزير حاكم الأبدية.

وهي تمثل فكرة الحياة الابدية المرتبطة بالخالق الواحد الحي الذي لا يموت في القرآن الكريم.

كما أن فكرة عبادة الأصنام ظهرت منذ عهد الصابئة، حيث يقوم مذهبهم على الاعتراف بصانع العالم وانه حكيم وقادر ومقدس، ولكن كوننا ندرك عجزنا عن الوصول إلى الحكيم القادر فعلينا ان نعبد الملائكة " لتقربهم من الله زلفى " كوسائط روحانيين، وكمونهم لم يروا الروحانيين تقربوا اليهم بالكواكب السيارة او الهياكل، ولما كانت الكواكب تغيب نهاراً قامت فئة من الصابئة بصنع آلهه تذكرهم بالهياكل وكانت تتم عبادتهم ليقربوهم إلى الروحانيين وعبادة الروحانيين لتقربهم إلى العلي القدير. فنشأت عبادة الاصنام حسب الكامل لابن الأثير . ( وما عبدناهم الا ليقربونا زلفى إلى الله )

هنا يمكن أن نلاحظ ارتباط الفكرة المذكورة آنفاً بالعقيدة الابراهيمية وكيف تم اشتمالها في القرآن الكريم ( فلما رأى كوكباً قال هذا ربي هذا اكبر، فلما أفل قال لا أحب الآفلين ) ( وإذ قال ابراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبي وأهلي أن نعبد الأصنام ، رب إنهن أضللن كثيراً من الناس) من خلال الآية الأخيرة تتضح القصة التاريخية التي أوردها القرآن حول ابراهيم وعبادة قومه للأصنام وعبادة الكواكب والشمس وهي فكرة مطابقة برأينا لما ورد في القرآن من الآيات السابقة.

إن تعدد الروايات التاريخية في الكتب السماوية الأخرى دليل آخر على تضمين القرآن للقصص التاريخي أيا كان القصد منه فهو وحسب رأيي لا يعتبر كلام الله المنزل ( تنزيل العزيز الحكيم ) ( انا انزلناه في ليلة القدر) ( انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) ففكرة التنزيل إسلامياً والتي تم تناولها لدى المعتزلة والمتكلمة وإخوان الصفا والاشاعرة أوجدت خلافاً كبيراً في طرح مفهوم التنزيل بالوحي او بالنقل الشفوي كما في بعض الآيات التي كلم جبريل محمد بشكل مباشر حول أحداث جارية أو تجري في زمنه، أو من عدم التنزيل أساساً ( الجدل حول خلق القرآن )

الرواية التاريخية المذكورة في القرآن وعلى أختلاف أنواعها الأربع متعددة ومتكررة لا سيما قصص الأنبياء وبالتالي تخرج من دائرة القص ( الروي ) للوعظ والتذكير كوظائف للقصص الديني في القرآن أو حتى للعبرة كما اكد عليها القرآن نفسه ( واعتبروا يا أولي الألباب)، فقصة موسى مكررة ولاكثر من مرة في القرآن الكريم وأكثر من سورة، ولها تفصيلاتها في أكثر من آية وركائزها موجودة في التوراة والاسرائيليات، وبتفصيلات متعددة تتلاقى اوتتفارق أحياناً، وقصة عيسى موجود في القرآن الكريم في سورة مريم وعمران وتكادان تكونان متطابقتان لما ورد من قصته في انجيل لوقا، ولوط ونوح وأغلب الانبياء المذكورين في القرآن تتطابق قصصهم أو تتقاطع مع قصص تاريخية موجودة في الكتب الدينية أو التاريخية القديمة، فلو كان القصص التاريخي في القرآن الكريم لاخذ العبر لما توجب التكرار والاختلاف في كل قصة، ولكن واغلب الظن أن هذا الجمع كان لهدف أساسي وهو أن يكون القرآن جامعاً مانعاً لكل الأمور حتى يكتمل الفكر العقيدي وتكون الاجوبة جاهزة لكل سؤال وتكون هذه الاجوبة مأخوذة من مختلف الروايات الدينية المقدسة لدى كافة شعوب الارض حتى وان اختلفت مشاربها وتناقضت مفاتحها.

فالاصل - والله أعلم - ان يكون هناك قدرة لكل من يمكن له أن يفكر بهذا الدين الجديد بايجاد جزء من عقيدته فيه، فالمسيحيين واليهود والفلاسفة والمناطقة والشعراء والأدباء والاخلاقيين ورواة الاساطير القديمة الهندية والاغريقية والبابلية والسومرية والعربية بشمالها وجنوبها لديهم من تاريخهم وأساطيرهم وحكاياتهم جزء مذكور في القرآن، ولكن هل بقي الباب مفتوحاً لاضافات روايات تاريخية وهل كانت الاضافات السابقة بشكل موضوعي أم انتقائي يخدم الرسالة المحمدية؟ اعتقد أن الجواب هو أنه تمت العملية بشكل انتقائي لتضمين الموروثات الأخرى بما يتماشى مع طبيعة الرسالة التي جاء بها الرسول محمد التي بلغت ذروتها في القرآن، لهذا تم اغلاق باب التنزيل من بعد النبي محمد كون الرسول محمد خاتم الانبياء والمرسلين فلا كتب ولا اضافات ولا تنزيل إلهي، أي أنه تم أسلمة جميع المعارف والروايات التاريخية السابقة على الإسلام وتضمينها في القرآن ليضمن شموليته.

وقد ارتبطت الشمولية بخاصتي الاعلاء والتقديس من خلال اطلاق السمات المقدسة على كل النصوص التي وردت ذكرها في القرآن، فعدا عن التنزيل الالهي للقران فكان التشكيك والجدل النقدي فيه من أبرز الأمور التي حرمتها العقيدة الإسلامية فكان من أهم أركان الإسلام الايمان بالله وملائكته وكتبه ( هذه الكتب التي تم جمعها في كتاب القرآن، او الفرقان او الذكر الحكيم ) فكانت الهالة القدسية من السمات التي حاولت الرواية التاريخية الإسلامية ان تضفيها على النص الديني القرآني الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ومن ناحية أخرى بينت قضية الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم ان النص الذي ينطق به القرآن هوي ليس من الله وانما هو من وضع البشر وكتابة البشر، فقد ذكر النسخ في الآية رقم 106 من سورة البقرة المدنية " ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها، كما ورد ذكرها في سورة النحل 101 المكية " وإذ بدلنا آية مكان آية ، والله أعلم بما ينزل، قالوا انما انت مفتر، بل أكثرهم لا يعلمون" .

والنسخ في اللغة هو الازالة والنقل واحلال شيئ محل شيئ آخر مكانه، ولكن ما الحكمة من وضع نص أو تشريع ديني ونسخة او ابطاله بتشريع آخر ، يجيب البعض لو كان القرآن كلام الله لما كان هناك ناسخ ومنسوخ فهو قادر على انزاله صحيحاً دقيقا مرة واحدة، ولكن الأشاعرة أعطوا تفسيراً بأن الله فعال لما يريد فيجوز لله ان ينزل حكما ويرفع حكما.

وأستطيع القول هنا أن اغراض التنقيح في الناسخ والمنسوخ في القرآن على أنواعه قد شمل القصص الديني لاغراض بلاغية تقديسية ، كأن يتم اختصار بعض السور الطوال كسورة الاحزاب التي وقع النقصان فيها " وإذا بدلنا آية مكان آية " وهذا الاختصار والتبديل مرتبط بالتغيير والتنقيح، وهذا ربما يفسر عدم تكامل الرواية التاريخية الدينية في القرآن كونها مجموعة من مصادر مختلفة وربما متناقضة في بعض الأحيان.

ومن ناحية أخرى من المعروف أن ترتيب الآيات القرآنية بين مكية ومدنية اختلف زمان ومكان وسبب نزولها، ومن ضمنها القصص التاريخية، فبالعودة إلى ترتيب الآيات التي وردت في القرآن الكريم بىحظ ان تريب القصص الديني مختلف تماماً وان الترتيب الحالي للسور القرآنية انما وضع من باب الجمع والاشتمال وليس من باب التنظيم، بالعودة إلى ترتيب سور وآيات المصحف كما هو مذكور في بعض المصاحف القديمة نجد اختلافات شديدة في القصص الديني وترتيباتها، وهذا بدوره وبشكل ما قد يعيد تشكيل القصة ويؤثر على حبكتها الفنية في القرآن الكريم، خاصة مع معرفتنا بتاريخ جمعه على يد عثمان بن عفان بعد أكثر من أربعة عقود على وفاة الرسول، وأن جمعه استمر لفترة طويلة وبالتالي تم تحريره بشكل كبير ليوائم المواريث التاريخية وقصصها مع الرسالة المحمدية.

عامل اللغة في القرآن الكريم له دلالات واسعة في الكشف عن المقصود بالرواية التاريخية والعلاقة بين الدال والمدلول وكيف تحولت اللغة من لغة غير منقوطة او مشكلة إلى لغة منقوطة ومشكلة ومضبوطة قواعدياً ولغويا ( وان اشتملت على بعض المفردات الأعجمية " أأعجمي وعربي ، قل هو من عند الله " ) ثم تم ترك حفظ القرآن ليكون من مسؤولية الله وذلك ايضاً لصبغ هالة مقدسة على آيته ( إنا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون ).

كما أن تنزيله باللغة العربية والأقرب إلى الشعر الموزون والسجع اللغوي أعطى النص الديني القرآني هالة تقديسيه عالية، خاصة وانه أصبح مع مرور الوقت غير مراعياً لتطور اللغة العربية نفسها وتغير معاني مفرداتها، وحتى تأوليه وتفسير آيته التي جعلها النص القرآني من سمات العليم القدير ومن اختص به من العلماء ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون كل من عند الله) وهذا انعكس برأيي على القصص الديني المختزل في القرآن ليبقي له هذا التقديس.

وفي النهاية يمكن القول ان القصة القرآنية هدفت إلى اثبات الوحى والرسالة الإسلامية والاعلاء من شأنها واشتمالها على باقي الديانات السابقة، وبيان أن الدين كله من عند الله من عهد نوح إلى عهد محمد الذي تم اعتباره آخر النبيين, وأن المؤمنين كلهم أمه واحدة, والله الواحد رب الجميع. وأن الإسلام كديانة شملت وغبت كل ما قبلها وبالتالي يجب اتباعها من قبل الجميع ( اليوم اكملت لكم دينكم ورضيت لكم الإسلام دينا) (ولن يقبل الله غير الإسلام دينا ) (واذ قال عيسى للحواريين من انصاري إلى الله فقال الحواريون نحن انصار الله واشهد بأننا مسلمون ) (واذ قال يعقوب لبنيه ماذا تعبدون من بعدي قالوا نعبد الهك واله ابائك واشهد بأننا مسلمون) فتم التأكيد على أن الإسلام هو الدين الأول والآخر والمشتمل والمقدس بين جميع الديانات.

ومن ناحية أخرى فقد هدفت هذه القصص برأينا إلى بيان الأصل المشترك بين دين محمد ودين إبراهيم بصفة خاصة ( ما كان ابراهيم يهودياً ولا نصرانيا ولكن حنيفاً مسلماً ), ثم أديان بنى إسرائيل بصفة عامة وإبراز ان هذا الإتصال أشد من الاتصال العام بين جميع الأديان لتأكيد شمولية الرسالة المحمدية وتأكيد وجوب ابتاعها، وهذا برأينا الهدف الاساسي من السرد القصصي القرآني وليس للاعتبار.

 

المراجع التي تم اعتمادها في المقالة :

1. القرآن الكريم، الطبعة العثمانية وطبعة قديمة صادرة عن مجمع الافتاء في مشيخة الأزهر في مصر اوردت ترتيب السور والآيات.

2. نصر حامد أبو زيد، اشكاليات القراءة وآليات التأويل، المغرب، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1994.

3. هادي علوي، من قاموس التراث، سوريا دار الاهالي للنشر والتوزيع، 1988.

4. مجموعة باحثين ، التراث العربي والشباب ، سوريا اتحاد شبيبة الثورة، 1996.

5. سيد خميس ، القصص الديني بين التراث والتاريخ، مصر، مكتبة الاسرة، 2001.

6. طريف الخالدي، فكرة التاريخ عند العرب، بيروت ، دار النهار، 1997.

 

اخر الأخبار