السودان: الانقلاب الإخواني الثاني

10:46 2013-12-25

عبدالله عبيد حسن

أدى النائب الأول لرئيس الجمهورية، ومعه الوزراء الجدد، القسم المعهود أمام البشير، وانصرف كل منهم إلى مزاولة «الجهاد في سبيل الله» من موقعه الجديد. حدث ذلك في قلاعهم الحصينة، في الرئاسة والقيادة العامة والمجلس القيادي... وهي عادة بدأت منذ صباح الانقلاب العسكري لـ«الجبهة القومية الإسلامية» على النظام الديمقراطي الذي كانت شريكة فيه.

أما الشعب السوداني الذي ابتلاه الله بهذا النظام (حسب رواية مهندس النظام الأول حسن الترابي)، فلم تنته دهشته منذ أن أعلن رئيس النظام وأقسم بالله العظيم أن هذا التعديل الوزاري قد تم بالتراضي بين الإخوان وأن نائبه الأول وصديقه علي عثمان طه هو صاحب فكرة التعديل وأنه أول من قدّم إليه استقالته، وأكد مكرراً القسم أن ليس هناك خلاف ولا شقاق ولا «مناطحة» بين أهل «الإنقاذ»، محذراً من الاستماع إلى الشائعات التي ينشرها خصوم السودان وأعداؤه! وقال البشير في تبرير «الانقلاب الثاني» إن الهدف منه هو «تصعيد الشباب» ليعتادوا مسؤوليات الحكم، فهم قادة المستقبل.

وقد وصفنا هذا الذي جرى في جبهة النظام بـ«الانقلاب الثاني» لأن الأول كان ضد أستاذهم الترابي، وقد قاده نائبه وتلميذه المقرب علي عثمان ونفذه البشير ومجموعة العشرة أصحاب المذكرة الأولى. لكن من يصدِّق أن النائب الأول قد قدّم عنقه للذبح لكي تصعد مجموعة من شباب القوات المسلحة والأمن وليجري تدريبها للمستقبل؟!

لا أعتقد ذلك. لكن الأقرب للحقيقة التي برع «الإخوان» في إخفائها، أن هذا الانقلاب الثاني هو ردة الفعل الطبيعي على الصراع الجاري داخل المجموعة الحاكمة، والذي وصل رذاذه إلى العلن في المذكرات والمناوشات وحتى التحرك لتنظيم انقلاب عسكري. إنه انقلاب دبره وسعى إليه الرئيس وبطانته العسكرية ونجحوا فيه. لذلك فإن أول ما يراه المشاهد للمسرح أن هذا الذي حدث هو مرحلة جديدة في مسيرة جماعة «الإخوان المسلمين» العسكرية الحاكمة. فبإخراج علي عثمان وعوض الجاز تكون «الإنقاذ»، كسلطة حاكمة وكحركة سياسية، قد انتهت إلى قبضة العسكر الإسلاميين. إنها القراءة الأولى لهذا الانقلاب. والحقيقة أن خروج علي عثمان ونافع والجاز وتصعيد اللواء بكري لمنصب النائب الأول لرئيس الجمهورية، والدكتور الصيدلي غندور ليحل محل نافع مساعداً لرئيس الجمهورية ونائباً له في رئاسة «حزب المؤتمر الوطني» الحاكم... لن يحل تعديل كهذا أزمة النظام والحزب الحاكم، كما لن يحل أزمات السودان المتفاقمة؟

إن أزمة النظام هي في أساسها أزمة سياسية ومنهجية... والسياسات التي قاد فيها «الإخوان» البلد إلى حافة الانهيار الاقتصادي والمالي وما يتبعهما من انهيار اجتماعي وأخلاقي وتفش لنهب الأموال العمومية وإذلال للمواطنين وانهيار للخدمات الصحية والتعليمية وازدياد للغلاء والفقر الذي لم يعرف له السودان شبيهاً منذ الاستقلال.

والسودانيون يدركون اليوم أن ليس هناك مخرج من هذه الحالة إلا بزوال هذا النظام، كي يعود السودان وطناً ديمقراطياً مسالماً يحكمه العدل والقانون وإرادة أصحابه أجمعين. إن خروج أو إخراج بعض أصحاب «المشروع الحضاري» الأصليين وإحلال آخرين منهم في مكانهم، لن يحل أزمات النظام ولا أزمة «إخوان» السودان. إن التنظيم الإخواني الذي تأسس على أيدي علي طالب الله وبابكر كرار وجمال السنهوري والرشيد الطاهر، يتآكل كل يوم وسيسقط من داخله قبل أن تسقطه المعارضة الشعبية الجارفة.

بقيت كلمة أخيرة... فلعلّ الذين أخرجوا أو خرجوا تعلموا واستفادوا من هذا الدرس المذل. إن أي حزب سياسي يتطلع إلى السلطة ويعتلي من أجلها ظهر الدبابة، مصيره أن يكون آخر ضحايا العسكر.

عن الاتحاد الاماراتية

اخر الأخبار