سياسات وافكار في قضايا معاصرة

01:07 2013-12-24

محمد جبر الريفي

في العقدين الاخيرين من الالفية الماضية وكذلك العقد الاول وما تبعه من اعوام في الالفية الحالية حدثت تطورات هائلة في المجالات السياسية والاقتصادية على الصعيد العالمى فقد شهدت تلك الفترة الهامة من التاريخ الانساني تغير معالم الخارطة السياسية الدولية فانهار الاتحاد السوفيتى الدولة العظمى التى كانت تنافس الولايات المتحدة الامريكية على النفوذ فى العالم ومع هذا الانهيار اختفت منظومة البلدان الاشتراكية التى وجدت نفسها تدور فى فلك النظام الغربى بمؤسساته الاقتصادية الاحتكارية وايضا جاء تفتيت الاتحاد اليوغسلافى فى بداية التسعينات من القرن الماضى ليعطى نزعات التعصب القومى قى بلاد البلقان بعدا اقليميا حيث يحاول الصرب فرض اتجاههم القومى على الاتجاهات القومية الاخرى فبعد انهيار النظام الشيوعى فى يوغسلافيا الاتحادية انبعث الخطاب السياسى الصربى على اساس النزعة القومية فى محاولة الوراثة الاتحاد اليوغسلافى وتكوين دولة صربيا الكبرى على انقاض هذا الاتحاد وبذلك تأججت النزعات والاضطرابات العرقية و الاثنية فى البلقان واروبا كلها وارتكبت جملة من حملات الابادة والاضطهاد والاقتلاع والتهجير فى البوسنة والهرسك وضد مسلمي اقليم كوسوفو الذي انفصل اخيرا عن صربية وفيما يتعلق بالمنطقة العربية والشرق الاوسط فقد كان لحرب الخليج الثانية ثم احتلال افغانستان وكذلك الاحتلال الامريكى للعراق بعد ذلك نتائج خطيرة على صعيد النظام العربى الرسمى فقد ابرزت هذه الاحداث تضارب فى مصالح الدول العربيه السياسيه والاقتصاديه وبذلك تكرست التجزئه السياسيه الممنهجه للوطن العربي بشكل اكثر من وقت مضى وتعمق الشرخ في النفسيه العربيه وتراجع الى حد بعيد شعار التضامن العربي وقد عكست هذه التطورات كلها على القضيه الفلسطينيه فانعقد مؤتمر مدريد للسلام في ظل اختلال في موازين القوى وبرعايه رئيسيه من الولايات المتحده وتم عقد اتفاقيه اوسلو واتفاقيه وادي عربه بعد ذلك بين كل من اسرائيل ومنظمه التحرير والاردن .. ومع كل هذه الابعاد التي تطرحها طبيعه هذه الاحداث وتطوراتها على المستوى الاقليمي والدولي فانه بامكاننا ان نطرح عده سياسات وافكار..

- ان ما يسمى بالنظام العالمي الجديد التي تقوده الولايات المتحده الامريكيه سوف لن يكون قدرا ابدياعلى العالم لان هذا النظام وما يحويه من تعارضات قد تصل الى حد التناقض بين اطرافه ممايؤكد على ظهور اقطاب جددومراكز قوى عالميه اخرى تنازع الولايات المتحد ه على خارطه المصالح السياسيه والاقتصاديه على المستوى الاقليمي والدولي وهو ما يحدث الان بالفعل حيث قوى اخرى يتعاظم تاثيرها على المستوى السياسي والاقتصادي الدولي اكثر فاكثروذلك بما تملكه من امكانيات هائله اقتصاديه وعسكريه وبشريه وفي مقدمه هذه القوى روسيا الاتحاديه التي ورثت الاتحاد السوفيتي السابق بكل امكانياته وقدراته العسكريه النوويه وظلت تنظر الى نفسها في العالم كقوى عظمى لها مصالحها الخاصه وتحالفاتها المناوئه للسياسات الدوليه التي ترسمها واشنطن وقد ظهر ذلك جليا في فتره التسعينات من القرن الماضي في منطقه البلقان حيث رفضت الهيمنه الامريكيه والاطلسيه التي ارادت توسيع حلف الناتو باتجاه اوروبا الشرقيه وعملت على وجود علاقه متميزه مع صربيا بعد تفكك الاتحاد اليوغسلافي على اساس الرابطه العرقيه السلافيه والدينيه الارثوذ كسيه وهو امر امتعض منه الغرب لانه عرض هدفهم الاستراتيجي المتمثل با لسيطره على اوروبا كلها بالتفكك—اما في الشرق الاوسط فقد جاءت الازمه السوريه في الوقت الحاضر لتكشف عن نفوذ لروسيا ما زال قائما في المنطقه فاختفاء الاتحاد السوفيتي السابق لم يعفيها من الاصرار على استمرار العلاقه التاريخيه مع النظام السوري حيث العلاقه هذه تؤهلها لكي تكون طرفا اساسيا في حل هذه الازمه ولعل الاحداث التي جرت في مصر بعد 30 يونيو ولتي اودت بعزل الرئيس محمد مرسي عن سده الحكم قد اوصلت روسيا الى حد ابرام صفقه اسلحه ضخمه مع النظام الذي اعقب هذه الاحداث مما يوحي في المستقبل بامكانيه تعزيز العلاقه الروسيه المصريه كما كانت في سابق عهدها ايام مصر عبد الناصر مع الاتحاد السوفيتي السابق.

اما فيما يتعلق بالاتحاد الاوروبي وهو احد مراكز القوى العظمى المؤثره الان في السياسات الدوليه فعلى الرغم من توفر الرغبه لكل الدول الاوروبيه خاصه فرنسا في لعب دور هام في القضايا الدوليه وبما يخدم المصالح الاوروبيه بالاساس فان هذه الرغبه المتزايده تقابل بعدم الرضى من الجانب الامريكي بسبب الصراع بين الاقطاب الراسماليه على المستوى الدولي والذي يتخذ هذا الصراع اشكالا متعدده سياسيه واقتصاديه وثقافيه حيث يرتبط الصراع بين الدول الراسماليه بطبيعه النظام الراسمالي نفسه وبقوانين تطوره ..

ان فرنسا وهي تستمر في سيا ستها ضمن الاتحاد الاوروبي يبرز دورها بشكل نشط على مسرح الاحداث الدوليه وكانت زياره الرئيس الفرنسي الاخيره للكيان الصهيوني ولرام الله تاكيدا على دور اوروبي متعاظم من خلال فرنسا في تسويه القضيه الفلسطينيه وكذلك دور فرنسي متميز في القاره الا فريقيه وقد اتضح ذلك في جمهوريه مالي ضد الحركات المسلحه في اقليم ازواد الشمالي التي تقطنه غالبيه عربيه وطوارق حيث لعب التدخل العسكري الفرنسي عاملا حاسما في اعاده سيطره الحكومه المركزيه على الاقليم اما في جمهوريه افريقيا الوسطى التي تشهد حاليا صراعات دينيه فان الحكومه الفرنسيه تقوم بارسال تعزيزات عسكريه الى هناك ...

- ان عمليه السلام التي انبثقت في الاصل عن مؤتمر مدريد للسلام والتي ترعاها بشكل رئيسي الولايات المتحده ما زالت متعثره رغم جولات كيري المتعدده للمنطقه وذلك بسبب الموقف الاسرائيلي من طبيعه السلام المنشود فما زال هذا السلام بعيدا عن التحقيق طالما بقيت الدوله العبريه تبحث عبر سياستها العنصريه عن سلامها الخاص الذي يحقق لها وحدها الامن والتوسع على حساب امن الشعب الفلسطيني وامن الشعوب العربيه المجاوره وقد كشفت المفاوضات الفلسطينيه الاسرائيليه الجاريه حاليا وبرعايه وزير الخارجيه الامريكي كيري الذي يزور امنطقه مرارا عن اهتمام اسرائيلي وامر يكي بالملف الامني وذلك على حساب الملف السياسي من خلال المطالب الاسرائيليه والمقترحات الامريكيه بخصوص الترتيبات الامنيه في غور الاردن وعلى طول الحدود مع الضفه الغربيه وكذلك في التواجد الاسرائيلي على المعابر وهي مقترحات امريكيه منسجمه تماما مع المطالب الاسرائيليه وذلك ارضاءا لحكومه نتنياهو التي اغضبها الاتفاق الغربي مع ايرا ن بخصوص برنامجها النووي .. كل ذلك يجعل من عمليه السلام تعيش في حاله تعثر دائم وانه ما لم يحدث تراجع مهم في منظومه الايدلوجيه الصهيونيه العنصريه وكذلك في السياسه الامريكيه غير الحياديه فان عمليه المفاوضات والسلام ستصل الى طريق مسدود ...

- ان اخطر ما يواجه الوطن العربي في المرحله الحاليه هو في محاوله تغيير وجه وطبيعه الصراعات في المنطقه وغلق الباب امام أي امكانيه لتقدم شعوب اقطاره وذلك من خلال العمل على خلق التوترات والانقسامات وتشجيع النزعات العرقيه والطائفيه والخلافات المذهبيه بهدف تفكيك النسيج الاجتماعي وهو الشيئ الذي يلحق افدح الاضراربالقضايا الوطنيه والقوميه لانه يضعف الانتماء الوطني ويهمش المصلحه القوميه بظهور النراعات داخل القطر الواحد وهذا ما يحدث الان في بعض البلدان العربيه خاصه تلك التي جرت فيها ثورات ما يسمى بالربيع العربي وقد اصاب القضيه الفلسطينيه وقضيه الصراع العربي الصهيوني هذا الضرر حيث تهمشت هذه القضيه وتراجع الاهتمام بهذا الصراع ولم يعد له الاولويه في اهتمامات شعوب المنطقه التي انشغلت بهمومها الداخليه السياسيه والاجتماعيه واصبح هذا الصراع الذي كان يحكمه تناقض رئيسي مع الكيان الصهيوني صراعا ثانويا ضمن صراعات شعوب المنطقه العديده..

- بخصوص منطقه الخليج العربي حيث الاهتمام الاستراتيجي الامريكي والغربي بصوره عامه بسبب ثرواتها النفطيه فقد وضع امنها تحت غطاءا ت كثيره من الذرائع للحفاظ على هذه الثروه وعلى استمرار تدفقها لاستمرار دوران عجله النظام الراسمالي وخوفا من متغيرات سياسيه قد تلحق بها كما حدث لبلدان ما يسمى بالربيع العربي ولتحقيق هذا الهدف عملت السياسه الامريكيه والغربيه وقوى الرجعيه والتخلف العربيه على تهويل وتضخيم خطر دور ايران في المنطقه باعتبارها دوله اسلاميه كبري تدين بالمذهب الشيعي خلافا للعالم العربي بغالبيه شعوبه السنيه لتجعل منها دوله معاديه للدول العربيه ولبلدان الخليج العربي على وجه الخصوص وبشكل يفوق العداء بين الكيان الصهيوني والامه العربيه ... !!

- وهكذا يبقى التحكم بمستقبل الخليج العربي والمنطقه العربيه باسرها هو الهدف الاستراتيجي التي تسعى الولايات المتحده والدول الغربيه الراسماليه الاخرى الاحتفاظ به حمايه لمصالحها وهذه الدول جميعها تستغل الظروف الدوليه وطموحات بعض دول المنطقه للحصول على التكنولجيا بهدف التقدم العلمي لممارسه الضغوطات عليها ووضع العراقيل امامها حتى تبقى تدور في دائره التخلف والتبعيه وقد جاء التوقيع على اتفاقيه البرنامج النووي الايراني بين دول الغرب في جنيف انسجاما مع هذا الهدف والتي عملت هذه الاتفاقيه رغم ما احتوته من مراقبه لهذا البرنامج على احداث حاله من الارتباك في السياسه الامريكيه لان هذا الانفراج في العلاقه الامريكيه والغربيه مع ايران قد اغضب الكيان الصهيوني الذي كان يخطط لمهاجمه المنشات النوويه الايرانيه كما ازعجت هذه الاتفاقيه ايضا دول الخليج العربي حيث تعتبرها عاملا مساعدا من شانه ان يعمل على تزايد النفوذ الايراني في المنطقه ....

-