فؤاد الرازم.. عنوان صمودٍ وتحدٍ وأمل

12:24 2013-12-22

ريمان ابو الرب

حينما تتحدث عن فؤاد الرازم- عميد أسرى القدس المحرر- فأنت تتحدث عن واحد وثلاثين عاماً من الأسر والاعتقال، تتحدث عن واحدٍ وثلاثين عاماً من الصمود في زنازين السجن، وعن مسيرة حافلة بالعطاء والنضال،لأن المناضل فؤاد قاسم الرازم"أبو القاسم" انسان مناضل معطاء،تخطى بنضاله كل أساليب وأدوات النضال الاعتيادية، واستمر في نضاله رغم العوائق والعقبات التي وضعها الاحتلال أمام عطائه الوطني والنضالي. فلم يكن قرار الاحتلال بإبعاده عن القدس ومسقط رأسه ونفيه إلى قطاع غزة حينما تحرر من الأسر عبثاً ومن دون دراسة ودراية لقدرة هذا القائد المناضل على لعب دور أساسي وريادي في القدس فيما إذا عاد عليها.ولكن فؤاد الرازم الذي أبعد قصراً عن مدينته التي ولد وترعرع وتربى فيها مازال رغم الغياب الطويل والإبعاد عنها حاضراً فيها في كل موقف،فالقدس لا تنسى أحبتها ومن ناضلوا وضحوا من أجلها،والقدس وأهلها لم ينسوا إبنها المناضل الوفي لها، والذي مازال مخلصاً صادقاً وفياً تجاهها، يناضل من أجلها ومن اجل قداستها وتحريرها وحريتها،يناضل من أجل كرامتها وتطهيرها من دنس المحتل ومستوطنيه،يناضل من أجل القدس عاصمة أبدية لدولة فلسطين المستقلة وعودته إليها.
ان الحديث عن فؤاد الرازم يعني الحديث عن القدس العاصمة بقدسيتها وطهارتها وعفتها،ويعني الحديث عن القدس بحاراتها وشوارعها وأزقتها وبلدتها القديمة وأبوابها وأقصاها وقيامتها،ويعني الحديث عن طرد المحتل وتحريرها ورفع العلم الفلسطيني فوق مآذنها وكنائسها وأسوارها.

اعتقال فؤاد الرازم
في السادس عشر من تموز يوليو عام الفٍ وتسعمائة وتسعة وسبعين كان الاعتقال الأول لعميد الأسرى المقدسيين المحرر فؤاد الرازم،وكان اعتقالاعشوائيا،حيث اعتقل في هذا اليوم العديد من الشبان المقدسيين،بعد مقتل مستوطن صهيوني، وبعد أن ضبط جنود وشرطة الاحتلال المسدس الذي كان مسروقاً من شرطي اسرائيلي،وكانت عملية قتل المستوطن قد تمت به،ولكن شجاعة وصمود فؤاد الرازم وعدم اعتقال أي من أفراد مجموعته،جعلت لسانه يأبى النطق أمام محققي مخابرات الاحتلال،وأصر أنه لا يعلم أي شيء عن ذلك المسدس،وليس له أي صلة بعملية قتل المستوطن الصهيوني،وتعامل مع المحققين بكل ثقة وصلابة،مما جعل المحققين يقتنعون أنه ليس ممن لهم علاقة بتلك العملية،فافرجوا عنه بعد ثمانية واربعين ساعة.
وبعد ثمانية عشر شهراً، وتحديداً في الثلاثين من كانون الثاني عام الفٍ وتسعمائةٍ وواحدٍ وثمانين،اعتقل فؤاد الرازم مرةً أخرى، وكانت الصدمة الكبرى بالنسبة لمحققي المخابرات،حيث شعروا بخيبة الأمل، وتعاملوا مع الرازم بكل حقدٍ وغطرسةٍ وهمجية،لأن أفراد مجموعته قد اعتقلواواعترفوا انهم وفؤاد قتلوا جندياً اسرائيلياً،وهم من خطفوا السلاح من الشرطي،وقتلوا المستوطن الذي كان قد اعتقل على إثر مقتله فؤاد الرازم ولم يعترف بأي تهمة وجهت إليه سواء المتعلقة بخطف السلاح أو بقتل المستوطن الصهيوني.

محاكمة الرازم وادانته في المحكمة

جلسات متتالية عقدتها محاكم الاحتلال الاسرائيلي من أجل محاكمة فؤاد الرازم وافراد مجموعته،وفي كل جلسة كان يؤجل بضعة أيام أو اسابيع إلى حين استيفاء النيابة بينا تها وادلتها،وقد استمرت محاكمة الرازم أكثر من ستة عشر شهراً،ووصل عدد الجلسات إلى ستة وثلاثين جلسة.
وفي الجلسة السادسة والثلاثين،وتحديداً في التاسع من حزيران عام الفٍ وتسعمائة واثنين وثمانين، كانت جلسة ادانة للرازم الذي أدين وأفراد مجموعته بقتل مستوطن صهيوني وجندي اسرائيلي،وإحراق أربع سيارات اسرائيلية،ومحاولة اغتيال عميلين لاسرائيل، وخطف مسدسين من أفراد شرطة اسرائيلية، وحيازة أسلحة نارية، وإلقاء زجاجات حارقة وقنابل مولوتوف على سيارات وأهداف اسرائيلية،وحيازة لغم أرضي ومواد كيماوية.

كل هذه التهم وغيرهاأدين بها عميد الأسرى المقدسيين المحرر فؤاد الرازم،وهنا كان الحدث الأكبر في تاريخ محاكم الاحتلال الاسرائيلي.لقد انفعل الرازم وغضب غضباً شديداً فاندفع وافراد مجموعته وهاجموا هيئة المحكمة بايديهم،وضربوا القضاة الثلاثة والمدعي العام وأفراد الشرطة والجنود،فأصيب أحد القضاة وجرح في رأسه.ولكن جنود الاحتلال وأفراد الشرطة بحكم اسلحتهم وعددهم المهول،استطاعوا بعد عراك طويل أن يسيطروا على الرازم وزملائه،ووضعوا السلاسل بايديهم وارجلهم،واخرجوهم من قاعة المحكمة،واقتادوهم إلى الزنازين الانفرادية،والخوف مسيطر عليهملانهم مقتنعون أنهم يتعاملون مع انسان خطف سلاح جندي ومستوطن، فهم مدركون أنه لا يخاف،وليس للرهبة أو الخوف من مكان في قاموس حياته.
ولكن بعد انقضاء وقت قصير على وضع الرازم وزملائه في الزنازين الانفرادية، اعاد الجنود وأفراد الشرطة الرازم وزملاءه إلى قاعة المحكمة،وكانت بمثابة جلسة محاكمة سرية ودونما حضور أي من ذوي الاسرى لتلك الجلسة ،فحكم القضاة على فؤاد الرازم بالمؤبد ثلاث مرات بالإضافة إلى أحد عشر عاماً.وهنا يقول عميد الاسرى المقدسيين المحرر فؤاد الرازم :"لقد مات القضاة الثلاثة الذين أدانوني في المحكمة وأصدروا هذا الحكم الجائر بحقي،ولكنهم جميعاً ماتوا بطرق بشعة،فكانت ميتة كل واحدٍ منهم أبشع وأفظع من الآخر."

رحلة العناء والاسر

تنقل فؤاد الرازم خلال فترة اعتقاله بين كافة سجون الاحتلال الاسرائيلي،فليس هناك من سجن اسرائيلي من شمال فلسطين المحتلة حتى جنوبها إلا وقضى الرازم فترة اعتقالية فيه،وقد زج بالرازم في زنازين العزل الانفرادي عشرات المرات،وقضى خلال فترة اعتقاله التي استمرت واحداً وثلاثين عاماً أكثر من ثمانية أعوام في زنازين العزل الانفرادية ولم تلن عزيمته،ولم تضعف إرادته بل ازداد في كل مرة صلابة وايماناً ويقيناً بأن الظلم مهما طال فانه حتماً إلى زوال،وان عتمة وظلمة الزنازين لن تستمر إلى الأبد،وأن شمس الحرية ستشرق، وسينال الأسرى حميعهم حريتهم،وستكون حريتهم بداية الحرية لفلسطين وعاصمتها القدس.
الأمل بالحرية والتحرر من الأسر

يقول فؤاد الرازم:"لم أفقد الأمل بالله وبالحرية والتحرير من الأسر ولو للحظة واحدة،ورغم المؤبدات كنت على يقين أنني سأنال حريتي.لقد حصلت العديد من الافراجات سواء قبل اوسلو أو بعدها، ولم تشمل اي صفقة تبادل او افراج اسمي،وكنت مؤمناً بالتحرير،ففي عام الفٍ وتسعمائة وخمسة وثمانين حصلت صفقة التبادل الشهيرة،وقد رفضت سلطات الاحتلال الافراج عني رفضاً قاطعاً ومعي ثمانية عشر أسيراً،وقبلها بعامين أيضا لم توافق سلطات الاحتلال على الافراج عني مطلقاً.وفي التسعينيات من القرن الماضي،وتحديداً بعد اتفاق اوسلو،افرج عن العديد من الاسرى،ومن هم من أصحاب المؤبدات،ولكن دولة الاحتلال كانت ترفض الافراج عن أي من الأسرى الذين تصفهم بأصحاب الأيادي الملطخة بالدماء وتحديداً أسرى القدس وفلسطينيو ال48 .ورغم كل هذه الافراجات التي تم استثنائي منها،ولم تشمل اسمي،فإنني لم افقد الامل بنيل الحرية والتحرر من عتمة وظلمة السجن."
يضيف الرازم:" عام 2004 حصل تبادل للاسرى بين حزب الله اللبناني الذي كان يختطف ثلاثة جنود اسرائيليين ودولة الاحتلال الاسرائيلي ولم يفرج عني أو عن أي اسير فلسطيني من عمداء الأسرى لأن تركيز واهتمام حزب الله كان ينصب على الاسرى اللبنانيين، وعام2008ذ حصل تبادل آخر بين حزب الله ودولة الاحتلال الاسرائيلي وأفرج خلاله عن سمير القنطار ولم يفرج عني أو عن أي من زملائي من عمداء الأسرى الفلسطينيين،ولكنني لم افقد الامل،وكنت على يقين أن موعدي مع الحرية قريب جداً،خاصة أن المقاومة الفلسطينية تأسر جندياً اسرائيلياً،ولن تفرط به مهما كلفها الثمن،لأن الاحتفاظ به يعني الحرية لمئات الأسرى القدامى ومن هم محكوم عليهمبالمؤبد."

الإبعاد إلى قطاع غزة
يقول فؤاد الرازم :"لقد كنا فرحين كثيراً بالإفراج، ولكن الصدمة الكبرى بالنسبة لنا كانت حينما تم ابلاغنا أننا سنبعد إلى قطاع غزة،ولن نعود للقدس،لقد كان إبعاداً قصرياً، ولم يكن بمحض إرادتنا،وكانت الكارثة والصدمة الأعظم بالنسبة لي حينما أبلغت أنه إبعاد أبدي، ولن تكون لي عودة إلى القدس العاصمة ومسقط رأسي."

العودة إلى القدس

ليس هناك في هذه الدنيا من إنسان لا يحب وطنه ولا يحن إليه،وليس هناك من إنسان يقبل أن يبدل وطنه أياً كان وطنه،ومهما كان الوطن المعروض عليه ومهما كانت المغريات. ففلسطين كلها وطن للفلسطينيين،وغزة كالقدس،ورام الله كحيفا،وجنين كصفد وعكا والخليل،ولكن في كل وطن بقعة تعتبر بمثابة الأم الأخرى لكل إنسان وهي مسقط راس المرء،فكيف وإن كان مسقط راس فؤاد الرازم هي مدينة القدس التي تحن إليها كل الأفئدة، ويتمنى كل فلسطيني العيش فيها والشعور بالطمانينة في رحاب قداستها،وتكحيل عينيه بمسجدها الأقصى وقبة صخرتها.
يقول فؤاد الرازم:" واحد وثلاثين عاماً في الأسر وأنا أعيش على أمل الإفراج والتحرر من الأسر،ولم أفقد الأمل بالحرية خلال فترة اعتقالي يوماً من الأيام،وها أنا تحررت من الاسر وتزوجت، وانجبت طفلة واسميتها مريم.وأملي بالله وبالعودة إلى القدس كبير،فكما تحررت من الاسر سأعود إلى القدس إن شاء الله، وسأصلي في المسجد الأقصى كما كنت أصلي فيه قبل اعتقالي،وسامشي في شوارع القدس وحاراتها وأزقتها بإذن الله وسأربي أبنائي على حب فلسطين والقدس والتضحية من أجلهما. "

فؤاد الرازم بعد التحرر
قبل ثلاثة عقود ونيف زار عميد الأسرى المقدسيين المحرر فؤاد الرازم الديار الحجازية،وأدى مناسك فريضة الحج، وبعد أن تحرر من الأسر وتحديداً عام 2011م أدى فريضة الحج مرةً أخرى،وعاد إلى قطاع غزة وتزوج،وكان حفل زفافه عرساً وطنياً بكل ما للكلمة من معنى،وتمنى الكثيرون من الأسرى المحررين لو حالفهم الحظ وكان حفل زفافهم كحفل زفاف فؤاد الرازم.
لقد انصب اهتمام فؤاد الرازم بعد تحرره على ملفي القدس والاسرى،فلم تغب عنه أي فعالية أو ندوة تتعلق بالقدس والحديث عنها،فمرةً تجده يلقي محاضرة أمام طلبة جامعيين حول القدس والأخطار المحدقة بها،ويعرفهم بتاريخها وعراقتها،ويشرح لهم سبل الدفاع عنها وحمايتها وصون قدسيتها وطهارتها، وتارة تشاهده في مقابلة تلفزيونية يتحدث عن القدس، ويسلط الضوء على أطماع اليهود فيها،وممارسات المستوطنين والاحتلال الهادفة الى تهويدها،وكثيراً ما تجده او تسمعه يتحدث عن القدس وكانه يعيش فيها،ولم يغب عنها ولو لساعة واحدة.وقد حصل فؤاد الرازم على عضوية لجنة القدس الدولية،وأسس مركز مدينة القدس للأبحاث والدراسات، وتولى إدارته،وهذا المركز يعنى بكافة شؤون مدينة القدس.
وإذا كان نصف اهتمام فؤاد الرازم ينصب على مدينة القدس،فإن للأسرى نصيب كبير من إهتمامه وأولوياته.فلم يغب عن أي اعتصام من أجل الأسرى،ولم يغب عن أي فعالية أو ندوة تسلط الضوء على معاناة الأسرى،مكان وما زال خير سفير للأسرى في سجون الاحتلال،ودافع عن الاسرى وكرس جهداً كبيراً من حياته في خدمة قضيتهم العادلة،وشارك في عدد من المحافل الدولية للدفاع عن الاسرى الفلسطينيين،وما زال يناضل من أجل حريتهم وتحريرهم من سجون الاحتلال.

إن واحداً وثلاثين عاماً كفيلة بصنع الرجال،وتخريج القادة العظماء،فكيف بانسان مناضل دخل السجن قائداً رجلاً صلباً شجاعاً قوي العزيمة والإرادة.إنه بكل تأكيد خرج من السجن أكثر قوةً وصلابة وتصميما على حقوقه ومطالبه العادلة التي اعتقل وقضى في الاسر واحداً وثلاثين عاماًمن أجلها.
إنه فؤاد الرازم الذي اعتقل وعمره ثلاثة وعشرون عاماً،وكان حاصلاً على دبلوم في الشريعة الاسلامية،قضى في الاعتقال واحداً وثلاثين عاماً،فتحرر وعمره أربعة وخمسون عاماً.
إنه فؤاد الرازم عنوان الصبر والصمود في أقبية التحقيق،وعنوان التحدي والانتصار على السجان خلال واحدٍ وثلاثين عاماً من الأسر،وعنوان الأمل والتفاؤل بالنصر والحرية ،وقد استحق أن يكون عنوان الكرامة الفلسطينية،حيث لا كرامة لأمة لا تحفظ وتصون كرامة من هم كرامتها.

اخر الأخبار