كيري والوساطة الأميركية

تابعنا على:   09:47 2013-12-21

برهوم جرايسي

يكثّف وزير الخارجية الأميركي جون كيري، في الأيام الأخيرة، زياراته إلى المنطقة، ولقاءاته مع الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني. وهي من نوع اللقاءات المكثفة التي لطالما شهدنا مثلها مرارا وتكرارا على مدى أكثر من عقدين. وفي كل مرّة، تعود إلى نقطة البداية، إن لم يكن إلى نقطة أسوأ، لأن كل هذا الحراك لا يمس الحاجز الأساسي الذي يعرقل كل تقدم، ويفاقم الأوضاع أكثر، وهو موقف الحكومة الإسرائيلية الرسمي. لا بل إن كيري جاء هذه الأيام حاملا في جعبته مقترحات هي بالأساس المطالب الإسرائيلية، مع تعديلات تجميلية لا تُخرجها من جوهرها السيئ.وحسب ما تنشره وسائل الإعلام المختلفة، الإسرائيلية منها أساسا، فإن كيري يريد من القيادة الفلسطينية الموافقة على بقاء جيش الاحتلال الإسرائيلي في منطقة غور الأردن.

 وإذا اعتمدنا على ما ذكرته صحيفة "معاريف"، فإن في مقترح كيري ما يبقي جيش الاحتلال إلى أمد غير محدود، في حين قالت مصادر أخرى إن مقترح كيري يدعو الى إخلاء المستوطنات من غور الأردن. لكن إسرائيل لم تجاهر رسميا، حتى الآونة الأخيرة، بأنها تطالب ببقاء مستوطنات الغور بموازاة بقاء جيشها، باستثناء ما صرّح به وزير الحرب موشيه يعالون، في الأيام الأخيرة، بأنه يريد بقاء المستوطنات، ليرفع كما يبدو مستوى الطلبات الإسرائيلية.وطالما أنْ لا كيري ولا أي جهة أميركية اعترضت، على مدى أكثر من أسبوعين، على ما يُنشر في وسائل الإعلام، فإن هذا يصبح واقعا؛ ما يعني أن كيري يضغط للدفع إلى الأمام بالمفاوضات على أسس المطالب الإسرائيلية، ووفق برامج بنيامين نتنياهو السياسية، التي رغم سوئها فإنه يسعى إلى ما هو أسوأ منها.اعتقدت جهات عديدة في العام 2009، أن وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض سيقلب الكثير من المعادلات، بعد ثماني سنوات من إدارة جورج بوش الابن. لكن أوباما خيّب الآمال، والتي تجددت بتعيين وزير الخارجية جون كيري قبل أكثر من عشرة أشهر في منصبه، خاصة في ضوء ما كان يصرّح به. لكن كيري أيضا لم يشذّ عن سابقيه في النهج والتطبيق، لأنه يبتعد كغيره عن "دائرة النار والمواجهة"؛ دائرة الحكومة الإسرائيلية المتعنتة.

 ولا يمكن الاعتقاد بأن تجنب واشنطن للمشكلة الأساس هو من باب الابتعاد عن مواجهة حكومة الاحتلال، لأن واشنطن اصطدمت مع الموقف الإسرائيلي في سنوات خلت، ولو بشكل محدود. ولهذا، فإن الممارسة الأميركية على الأرض فيها تبنٍ كلي للموقف الإسرائيلي مهما بلغ من تطرف، كما نشهد هذا في كل حكومة جديدة تنشأ في إسرائيل، وبالذات في العقد الأخير.هذا الواقع يفند الادعاء بأن واشنطن تريد "مسايرة" إسرائيل بعد ما ظهر وكأنه صدام في الموقف من شكل التعامل مع إيران؛ لأنه نهج قائم مهما تعددت وتلونت "الأزمات العالمية".

ونسأل: من قال إن على الشعب الفلسطيني أن يدفع ثمن كل "أزمة عالمية" تكون إسرائيل طرفا فيها؟!تدرك واشنطن تماما، كما تدرك القيادة الفلسطينية، أنه لا توجد في إسرائيل حكومة معنية بدفع المفاوضات، والتوصل إلى حل حقيقي يقبل به الشعب الفلسطيني، كحل الحد الأدنى من حقوقه التاريخية؛ فالأطراف الأساسية للائتلاف الحاكم ليست معنية بتقدم جديّ، وبالذات حزب "الليكود". كما أن إسرائيل لا تتحرك في الخفاء، بل هي تجاهر بمواقفها بعيدة المدى، وتطبّق هذه المواقف على الأرض، من خلال استمرار الاستيطان بوتيرة عالية، ونهب المزيد من الأرض الفلسطينية. وطالما أنه لا يتم التطرق إلى هذه الحقيقة، ولا يظهر موقف أميركي واضح له انعكاس على الأرض، فإن المفاوضات تبقى مجرد طحن ماء، كحالها المستمرة منذ سنوات.

عن الغد الاردنية

اخر الأخبار