لماذا قتل «الإخوان» الشيخ عماد عفت؟

تابعنا على:   09:41 2013-12-21

تامر أبو عرب

المشهد الأول (استديو لإحدى القنوات الفضائية)

اليوم هو 16 ديسمبر 2014. قوات الأمن تفض اعتصامًا للمعارضة أمام مجلس الوزراء وتقتل 17 شخصًا أبرزهم الشيخ عماد عفت والدكتور علاء عبدالهادي. وتعرّي إحدى الناشطات بعد مطاردتها في ميدان التحرير.

يجلس مذيع منتفخ ذاتيًّا وجسديًّا على مقعده الجلدي الأنيق. يرتشف بعضًا من الينسون الساخن الموضوع في «مج» يحمل شعار القناة، ثم ينظر إلى الكاميرا بثقة قائلًا: «الإخوان جماعة متعرفش ربنا. هنستبعد ليه إنها هي اللي قتلت الشيخ عماد؟ واحد هيقولي طيب هم الإخوان هيستفيدوا إيه من ده؟ أقوله أولًا هيروحوا لحبايبهم الخواجات يقولوا لهم الحقونا الجيش والشرطة بيقتلونا. ثانيًا هيلموا حواليهم شوية النحانيح بتوع حرمة الدم وحقوق الإنسان ويبينوا إن فيه تعاطف شعبي معاهم. ثالثًا بقى وده الأهم اللي ماتوا أصلًا معظمهم مش إخوان وهتلاقيهم بكرة بيعيطوا عليهم زي أي مجرم بيقتل القتيل ويمشي في جنازته».
يتناول الينسون مجددًا، تخرج منه سعلة ينعش بها أحباله الصوتية ثم يتابع: «أي حد يعتصم دلوقتي بيعلن الحرب على الدولة. إحنا في حالة حرب على الإرهاب، ميجيش بقى شوية مخنثين يسيبوا كل ده ويعتصموا قال عشان القصاص وحق الشهدا. حق الشهدا عند الإخوان اللي قتلوهم روحوا خدوه منهم. ثم أنا مش فاهم الداخلية تعمل إيه قدام اعتصام مسلح توزع عليهم عصير مثلا؟. بالعكس أنا لو هعيب على الحكومة حاجة هعيب عليها إنها ضعيفة نحيفة مترددة متردية. دي لو حكومة عليها القيمة وليها هيبة مكانش كل ده حصل.
تضيع الحقائق عندما يعتقد الجميع أن افتراضاتهم حقائق

المشهد الثاني (مؤتمر صحفي لوزير الداخلية حول أحداث مجلس الوزراء)

يقف الوزير أمام منضدة عليها عشرات الميكروفونات لقنوات مصرية وأجنبية، فيما تكتظ القاعة بصحفيين ومراسلين ينتظرون بشغف الرواية الرسمية الأولى حول الأحداث.
يبدأ الوزير كلامه بالبسملة ويترحم على أرواح الشهداء الذين سقطوا في الأحداث ثم يقول: «ظهر اليوم كانت قوات الشرطة والجيش، التي تحمي الاعتصام، تقوم بواجبها عندما اعتدى عليها مجهولون بزجاجات المولوتوف، فاضطرت القوات للتعامل باستخدام قنابل الغاز وخراطيم المياه فقط، رغم أن عددًا من المعتصمين كانوا يطلقون عليها الرصاص الحي وطلقات الخرطوش».
يسأل صحفي عن أسباب سقوط هذا العدد الكبير من الضحايا مادامت قوات الأمن أطلقت قنابل الغاز فقط، فيجيب الوزير: «للمرة الثانية أؤكد أن القوات لم تطلق النار وأنها التزمت أقصى درجات ضبط النفس، ده غير إنها أصلا لم تكن مسلحة إلا بالعصي، كما أؤكد أن الكاميرات رصدت أسلحة مع أعضاء جماعة الإخوان الذين كانوا متواجدين في الاعتصام، وربما يكونون قد استخدموا هذا الأسلحة لقتل بعض المعتصمين للإساءة للجيش والشرطة وخدمة أغراضهم الخبيثة».
من قتل لك دفاعًا عن عرشك سيقتلك دفاعًا عن عرشهم.

المشهد الثالث (مسيرة لدعم الشرطة والجيش في الحرب ضد الإرهاب)

ينتقل الميكروفون بين المشاركين في المسيرة، فتقول سيدة تحمل صورة القائد العام «إحنا نزلنا النهارده عشان نفوّض جشينا وشرطتنا ضد الإرهابيين اللي عاوزين يولعوا البلد»، يُقحم آخر نفسه على الكادر ويمسك الميكروفون قائلًا: «إحنا مش عاوزين مظاهرات ولا بتاع، إحنا عاوزين البلد تهدا. وعلى فكرة أنا سمعت إمبارح في التليفزيون إن الإخوان هم اللي قتلوا الشيخ عماد الله يرحمه، وإن الشرطة معملتش حاجة».
يصل الميكروفون إلى رجل يرتدي بذلة كاملة فيقول: «على فكرة اللي حصل قدام مجلس الوزرا إمبارح ده واقف وراه التنظيم الدولي للإخوان. وأنا سمعت إن خيرت الشاطر دفع لأيمن الظواهري 5 مليار دولار عشان يعمل عمليات إرهابية في مصر. دول أصلًا مش مصريين، وأنا أصدق عنهم أي حاجة، وياريت إمبارح كان الجيش والشرطة قتلوا اللي عند مجلس الوزرا كلهم، خلي البلد تنضف».
التفويض ووعد بلفور سواء، كلاهما منحة من لا يملك لمن لا يستحق.

***

من حسن حظنا جميعًا أن أحداث مجلس الوزراء كانت في 2011، فلو وقعت في هذه الأيام أو بعدها ما جرؤ أحد على رفع صور الشيخ عماد عفت باعتباره من أيقونات الثورة، وما تمكن الطلاب من تنظيم فعالية واحدة للتضامن مع زميلهم الشهيد علاء عبدالهادي، لأن الشرطة كانت ستهاجم تظاهرتهم، لأنها بلا تصريح، وربما تقتلهم بدعوى «تفريق مسيرة للإخوان»، وما وجدت ست البنات أحدًا يتضامن معها ضد من عرّاها، لأن 4 مثلها فقدن حياتهن في مظاهرة بالمنصورة ولم يجدْن من يطالب بالثأر لهن.

الآن يقضي المئات هذا الشتاء البارد في السجون لأنهم «إخوان» أو تعاونوا مع «الإخوان» أو نظموا فعالية تخدم أهداف «الإخوان» أو ادعى خصومهم أنهم خلايا نائمة لـ«الإخوان». استخدم الإخوان الثورة للوصول إلى الحكم والآن يستخدم من في الحكم الإخوان للقضاء على الثورة.
اكره الإخوان. اشمت فيهم. متّع عينيك برؤية دولتهم تنهار، لكن لا تنسَ وأنت تفعل ذلك أن هناك آخرين يستحقون الكراهية. سرقوا ثرواتك ونهبوا خيراتك وانتهكوا كرامتك وحرموك من حقوقك لعقود، ويتأهبون الآن للعودة بعدما جعلوا كراهيتك للإخوان تفوق حبك للثورة.
***
على أحد الجدران كتب شخص «سيسي قاتل»، وفي اليوم التالي مررت على نفس الجدار فوجدت أحدًا قد أضاف لكلمة «قاتل» حرف «م» لتصبح «سيسي مقاتل»، ففي مصر يمكنك تغيير الحقائق إلى أكاذيب بإضافة حرف.

نحتفل هذه الأيام بالذكرى الثانية لاستشهاد الشيخ عماد عفت وبقية شهداء أحداث مجلس الوزراء، لا تنسَ أن الإخوان تخلوا عنهم ووضعوا أيديهم في أيدي من قتلهم، لا تنسَ أن قيادات الجماعة برروا قتلهم واتهموهم بالعمل على إثارة الفوضى، لا تنسَ أنهم اتهموا ست البنات في شرفها وقالوا إنها قصدت ارتداء «عباية بكباسين» لتورّط الجيش.

لا تنسَ كل ذلك، لأنهم قد يحاولون إقناعك غدًا بأن عصام العريان ومحمد البلتاجي من قيادات اعتصام مجلس الوزراء.

عن المصري اليوم

اخر الأخبار