انتهت اللعبة «يا إخوان»

09:10 2013-12-18

محمد خلفان الصوافي

 أعتقد أن الكثيرين يعرفون أن الجزء الأول من العنوان «انتهت اللعبة». قاله محمد الدوري، ممثل العراق في الأمم المتحدة بعد سقوط نظام صدام حسين. ثم بعد ذلك صدر له كتاب سجل فيه مذكراته تحت الجملة نفسها. أما الجزء الثاني من العنوان فهو اقتراح مني لإحدى الشخصيات المهمة في التيار السياسي الإسلامي «الإخوان» في الدولة. بأن يخرج إلى الناس في الإمارات، ويقول لهم هذه الجملة التي باتت اليوم تلخص الكثير من التفاصيل التي كشفها البرنامجان الوثائقيان اللذان عُرضا في قناتي «أبوظبي» و«العربية».
الدوري بعد فترة فسّر تفاصيل جملته الشهيرة، وقال إنه كان يقصد مسرحية نظام ضد العالم. أجد هناك رابطاً بين الاثنين: نظام صدام وكذبه على العالم باسم الوطنية من جهة، و«الإخوان» المسلمون وما يريدون أن يفعلوه بالشعب الإماراتي بخدعهم وأكاذيبهم من جهة ثانية. وإذا ما خرجت شخصية في الإمارات لتقول ما قاله الدوري، وهذا على سبيل الافتراض، فستكون هي الشخصية الأكثر «رشداً وعقلانية»!

المثير في هذين البرنامجين الوثائقيين: «إلا الوطن»، و«الطريق إلى 2 يوليو»، ليس في مضمونهما فقط. وإنما المهم فيهما هو مسألة توثيق الأحداث السياسية؛ لأن هذا أمر مهم في مسيرة الأمم. الموضوع بات مرجعاً يمكن الاستفادة منه مستقبلاً. وهناك أناس كانوا يريدون أن يعرفوا أكثر عن المخطط من خلال الذين عملوا داخل التنظيم على الأقل ليعرفوا حقيقة ما يتردد اليوم، فقد انكشف كل شيء، والقضية لم تعد «ثرثرة» اجتماعية، بل هي معلومات تهدد مجتمعاً مستقراً.

كان من الطبيعي أن تُحدث المعلومات التي حملتها الاعترافات في الفيلمين لدى الإماراتي حالة صدمة حقيقية، ولاسيما في تعليم الكذب على أولياء الأمور وأساليب العصيان على الدول. والصدمة الثانية أنهم سمحوا لأنفسهم أن يتلاعبوا بشرف التعليم، وهو الوظيفة التي كاد من يعمل فيها أن يكون «رسولاً». والأهم أنهم أساؤوا إلى دولة الإمارات، وجعلوها ضمن مادة إعلامية في الخارج. وأعتقد أنه من حق أي دولة في العالم، وليست الإمارات فقط، على مواطنيها الالتزام بأبسط مفاهيم الولاء، والاعتراف بشرعية نظام الحكم فيها وعدم الخروج عليه، فما بالك بمجتمع يكاد يكون جميع مواطنيه عائلة واحدة؟!

طبعاً لم ينشرح صدر من ينتمون إلى التنظيم لتلك الاعترافات، خاصة في مجال استقطاب «الإخوان» لخيرة الشباب الإماراتي (القيادي والجذاب)، كي يستطيع أن يجند أكبر عدد ممكن للتنظيم. وكذلك التركيز على أبناء العائلات الكبيرة والأثرياء مالياً؛ حتى يضمنوا للتنظيم الدخل والتمويل، وعائلياً؛ كي يجروا معهم أفراداً من محيطهم إلى التنظيم. ويضاف إلى ذلك أنهم اخترقوا قطاع التعليم في الدولة منذ زمن، فشنّوا حملة ضد الشخصيات التي قررت الخروج عليهم وفضحهم.

موضوعياً، البرنامجان وضعا الإماراتيين أمام حقائق مختلفة الأوجه، فقد ظهر فيهما أعضاء سابقون في التنظيم، ممن خرجوا منه قبل القبض عليهم بعدما لاحظوا تصرفات غريبة من قياداته. كما ظهر فيهما طلاب تم «إغواؤهم» وإغراؤهم بالسفر إلى تركيا من أجل تدريبهم على مهارات معينة تحت شعار رحلة طلابية. وفيهما مثقفون إماراتيون نقلوا صدمة المجتمع الإماراتي إلى هذا الوضع الشاذ، ولاسيما أن بعضهم كان مصراً على التغيير ولو بالدم.

وقد شاهدنا في البرنامجين إعلاميين نقلوا ما كان يحدث في أثناء الجلسات في المحكمة، سواء من المتهمين أو من عائلاتهم، وربما كانت النقطة المهمة هي رد الفعل الذي ظهر على وجوه المتهمين وعائلاتهم عندما تمت مواجهة المتهمين بالحقائق المسجلة في المحكمة.

وأنا أرى أن الفائدة من هذين البرنامجين ستكون أكثر وأعم إذا ما تمت ترجمتها إلى اللغات الأخرى، ولاسيما اللغة الإنجليزية. عندي مبرراتي لهذا الاقتراح؛ فالمبرر الأول، هو أن المعركة مع أفراد التنظيم تحولت من اليوم إلى الإعلام وإلى الشعب الإماراتي. فيما يخص الإعلام هم يعتمدون كثيراً على الإعلام الأجنبي مستغلين عدم إدراك الرأي العام في الغرب حقيقة ما يقومون به ضد مجتمعاتهم. وبحسب معرفتي للغرب، فإن تقبلهم لآراء الآخرين سهل، خاصة إذا كانت هناك معلومات، وبالتالي يمكن تغيير طريقة تفكيرهم تجاه قضية معينة. وهذا هو المفتقد في الكثير من القضايا العربية. والخارجون على القانون يستغلون هذه الصفة للترويج لمغالطاتهم.

أما المبرر الآخر، فهو أن في الإمارات جاليات أجنبية كبيرة، وأكثرها مسلمة لا يجيدون اللغة العربية، وهذه الجاليات كانت ضمن أجندة «التنظيم» لتجنيدها، وذلك وفقاً للاعترافات التي جاءت في البرنامجين، وبالتالي فإن هذه الجاليات هي الآن جزء من تركيبة المجتمع الإماراتي، وبالتالي وجب تنبيهها.

أما الجانب الذي يخص الشعب الإماراتي، فأعتقد أنهم رأوا كيف يستغل البعض عفويتهم من خلال ادعائهم أنهم يمثلون الدين، ما يعني أنهم أساؤوا إلى تلك الثقة التي كانت تعطى لرجل الدين في الإمارات. فتصرفاتهم باتت مسبة، بل شبهة، مع أن حقيقة التدين ليست كذلك، كما أن أفراد المجتمع الإماراتي لا يقبلون ذلك.

تربية الأبناء على «الكذب»، خاصة على أولياء أمورهم، جريمة. وفي الغرب يكون عقاب «الكذب» أشد من الجريمة نفسها، وفي الدين الإسلامي «الكذب» أعلى مراتب الإساءة إلى الدين. وأعتقد أن بعضنا يتذكر تلك الواقعة الشهيرة التي كادت أن تسقط الرئيس الأميركي بيل كلينتون بسبب علاقته مع المتدربة مونيكا في البيت الأبيض. ما أريد قوله إن الاعترافات كانت نقطة سوداء في تاريخ أشرف مهنة، وهي التدريس.

المهم أن موضوع «التنظيم» السري في الإمارات لم يعد همساً بين أفراد المجتمع وهذه الشفافية تحسب للحكومة الإماراتية. فمن حق الرأي العام الإماراتي والعربي أن يعرف ماذا يخطط هؤلاء ضدهم باسم الدين. أعتقد أن من كان متحفظاً على الإجراءات الأمنية ضدهم ولو من عائلاتهم لم يعد موقفهم كما هو وبالقوة نفسها. وبالتالي سيكون مناسباً جداً لو خرج أحد قادتهم ليقول إن «اللعبة انتهت».

الموضوع بالنسبة إلى حكومة الإمارات أغلق بعدما قدمته إلى المجتمع بكل التفاصيل، ويبقى الدور على المواطن لحماية مكتسبات هذه الدولة التي تحاول إسعاد مواطنيها. الإماراتيون من خلال هذين البرنامجين اكتشفوا أن الموضوع أكثر تعقيداً في المخططات والترتيبات لزعزعة الاستقرار، وأنه أقل براءة كما يحاول أصحاب هذا التنظيم إظهاره للناس.
عن الاتحاد الاماراتية