خطوة من الجبهة الشعبية تستحق الاحترام

تابعنا على:   22:59 2013-12-16

د/ إبراهيم أبراش

لا يسعنا إلا أن نوجه التهنئة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على عقدها المؤتمر السابع ،وللجبهة الشعبية أيضا التقدير والاحترام للخطوة المتميزة التي أقدمت عليها قيادات تاريخية بترك مناصبهم القيادي ، ومن المعلوم أن للجبهة الشعبية سابقة في هذا السياق عندما تخلى قائد الجبهة الرفيق والقائد التاريخي جورج حبش عن القيادة بالرغم من تاريخه النضالي المشرف والاحترام الشديد الذي يحظى به فلسطينيا وعالميا .
ليس المهم عدد القيادات التي تخلت عن مواقع كانت تشغلها ،ولا يهم حتى وإن تخلى البعض عن موقع واستمر يشغل موقع آخر،ويمكن أيضا التغاضي عن منطوق البندين الخامس والسادس من المادة الحادية والثلاثين من النظام الداخلي المُصادَق عليه في المؤتمر السادس 2000 واللتان تحددان مدة عضوية الهيئات القيادية بعشرة سنوات فقط ، المهم أن قيادات كانت قررت الانسحاب لتفسح المجال لقيادات جديدة وخصوصا للشباب ليأخذوا دورهم النضالي ويختبروا قدرتهم على العمل الحزبي والوطني وتغيير الأوضاع العامة التي باتت لا تسر صديقا وتفرح كل عدو.
في واقع الأمر فإن خروج قيادات لها احترامها الكبير وتاريخها الذي يشهد لهم عليه حتى الخصوم السياسيين، مثل الرفيق عبد الرحيم ملوح وجميل المجدلاوي وغيرهم ،وإن كان يعزز الممارسة الديمقراطية ويُشَبِب الحياة السياسية إلا انه يُفقد الساحة الفلسطينية قيادات لها كل الاحترام والتقدير ، ولكن العزاء أن هذا الانسحاب من مواقعهم وكما يقول الرفيقان ملوح والمجدلاوي لا يعني التخلي والانسحاب من العمل والحياة السياسية بل سيستمرون في القيام بالواجب في مواقع نضالية أخرى ،كما أن العزاء أن من سيتولى المسؤولية قد تسمح لهم فتوتهم في إبداع وسائل نضالية جيدة .
مبادرة قيادات الجبهة الشعبية ترسل رسائل بأن القيادة تكليف وليس تشريفا ، وعندما تشعر القيادة أنها قدمت ما تستطيع ، وأن هناك من يستطيع تقديم الأفضل فالأفضل لها أن تنسحب من أجل المصلحة الوطنية حتى وإن كان ذلك يُفقدها بعض الامتيازات. أيضا قد يكون الانسحاب إحساسا من القيادات بأنه لم يعد لديهم ما يقدمونه للوطن أو للجبهة في ظل وضع مأساوي باتوا فيه مجرد شهود زور ،بالرغم من ذلك نتمنى أن يتم الاقتداء بهذه الخطوة في الساحة الفلسطينية التي تعج بـ (القادة والزعماء) وخصوصا في الأحزاب والحركات السياسية .
سنخص بالحديث القيادات في منظمة التحرير وحركة فتح لأنهم يمثلون قيادة الشعب الفلسطيني ويتحملون المسؤولية أكثر من غيرهم ، ولأن الشعب يراهن عليهم أكثر من غيرهم . لا شك أن فصائل منظمة التحرير وخصوصا حركة فتح قدمت اكبر عدد من الشهداء والجرحى والأسرى وكان لها الدور الأول والأكبر في استنهاض الوطنية الفلسطينية، إلا أن واقعها اليوم مثير للقلق مما يجعلنا نتخوف عليها وعلى القضية الوطنية. استنهاض الحالة الوطنية لن يكون إلا باستنهاض منظمة التحرير وحركة فتح ، وحال النخبة القيادية فيهما لا يبشر بقدرتها على القيام بهذه المهمة .
في منظمة التحرير وحركة فتح قيادات تجاوزت السبعين وحتى الثمانيين من العمر وما زالوا يتولون مواقع قيادية وبعضهم في مواقع القيادة والمسؤولية منذ تأسيس المنظمة و الحركة، وكأن المواقع التي يشغلونها نالوها بالوراثة من عائلاتهم أو أن الشعب الفلسطيني عاقر ولم يُنجب (عبقريا أو فلتة زمانه) مثلهم . ولا ندري لماذا هؤلاء مصرون أن يستمروا في مواقع القيادة حتى يتولاهم ربهم وهم على رأس عملهم ؟ ولماذا يصرون أن يستمروا في مواقع القيادة بالرغم من أن عمرهم لا يُمَكِنهم من متابعة ما يدور حولهم وباتوا يعيشون على ذكريات الماضي ، ونضالهم السياسي يقتصر على تكرار الحديث عن التمسك بالثوابت وبالحقوق الوطنية وعدم التفريط بها ! وكأن القول بالتمسك بالثوابت يُغني عن الثوابت وعن انجاز الحقوق الوطنية . بعض هذه القيادات يستغرق أغلب وقته وكل ما تبقى له من جهد وتفكير في إدارة ممتلكاته ومشاريعه الخاصة ،أو في البحث عن أحدث صابغات الشعر أو ما استجد في عالم الطب والعقاقير من وصفات وبراشيم وربما من رقيات وأحجبة شيوخ دجالين الخ حتى يظهروا أمام الملأ في المؤتمرات والمناسبات وعلى شاشات التلفزيون بصحة جيدة ، وحتى يستطيعوا السفر من بلد لبلد للتمتع بمباهج الحياة مع أبنائهم وأحفادهم وربما أبناء أحفادهم ،وبطبيعة الحال كل ذلك على حساب ومن حساب الأموال العامة وما يتيحه موقعهم القيادي من امتيازات .
كان من الممكن تجاوز مسألة عمر القيادات ، بل وندعو لها بطول العمر، لو أن هناك مؤسسات وبنيات تنظيمية تشتغل بشكل صحيح ، ولو كان هناك انجازات وطنية تجعل مسألة عمر القيادة أمرا ثانويا، فالانجازات الكبيرة تغطي على الهفوات الصغيرة - كما هو الحال في الصين وكوبا وحتى في السعودية – ولكن عندما تصل القضية الوطنية في ظل نفس القيادات التاريخية لأوضاع غير مسبوقة من السوء ،وعندما يصبح الشعب والقضية في حالة ضياع وتيه ، فإن مسألة القيادة يجب أن يتم طرحها بقوة ،فحيث إن القيادة تكليف،والتكليف يعني المسؤولية عن المهمة المكلف بها القائد فإنه في حالة عدم القيام بالمهمة فالتكليف يسقط حكما وشرعا.
لا نطالب بالانقلاب على القيادات الحالية،ولا نطالب بتجريدهم من رواتبهم وامتيازاتهم فتاريخهم النضالي يعطيهم الحق بتقاعد مريح وبحياة كريمة،ولكن نتمنى عليهم من أجل المصلحة الوطنية ولمصلحتهم حتى تبقى سمعتهم ومكانتهم محترمة عند الشعب، أن يتخلوا عن مواقعهم أو بعضها ، حتى ندفع بقيادات شابة وجديدة لتأخذ فرصتها وتحاول إصلاح ما افسد الزمن ولتبدع أشكال نضالية جديدة تتناسب مع معطيات العصر ومستفيدين من خبرة الأولين وتجاربهم،ويمكن للقيادات التي تتخلى عن مواقعها أن تستمر في مواقع الاستشارة والنصح .