انحسار المطر وانحصار الأمل

تابعنا على:   14:15 2013-12-15

إياد البلعاوي

تراجعت موجة البرد التي ضربت المنطقة ربما لبعض الوقت وربما تعود، هذه الأمطار التي كشفت معها عوراتنا وأكدت لنا أننا نعيش على جبل من القش، تتسرب المياه فيه من تحتنا ونحن لا ندري، فتختلط مياه المطر بالمياه العادمة، بمياه الشرب، وتدخل الى المنازل، لتلقي التحية على ما فيها من أثاث وأجهزة ومن فيها من بشر، ثم تنحسر في باطن الأرض أو في باطن البحر، هي تنحسر أما وجعها في قلوب المكلومين والمشردين واللاجئين بعد لجوئهم الأول فلا انحسار له ولا تراجع.

جولة صغيرة لك على المناطق التي غرقت بأكملها في مدينة غزة تكفي لتخبرك بنفسها عن حجم المأساة التي كانت تتربص بالناس هناك والتي ما زالت تتربص بهم، وتتحين الفرص للانقضاض عليهم في أي لحظة، المشكلة ليست في المطر ولا في كمية المطر وميعاده ولا في مكان هبوطه ولا المشكلة في التضامن والتراحم والهبوب للإنقاذ، المشكلة في كلمة كلمة من خمس أحرف (التخطيط).

فعن أي بنيةٍ تحتية وعن أي تخطيط عمراني وعن أي مخططات هيكلية وعن أي خدمات وعن أي تنمية تتكلمون، موجة من المطر المستمر لمدة 3 أيام كانت كفيلة بأن تقتلع الإسفلت وتكشف أنه وضع على رمل ولم يتأسس على قواعد متينة. لو خططنا بشكل سليم ستكون هذه الأمطار هي وسيلتنا للعيش بكرامة في المستقبل وكلما زادت كميتها كلما كانت لنا عوناً في المستقبل، الجميع يعرف أن قطاع غزة يعاني من نقص حاد في مياه الشرب، ويعرف أنه لا يوجد أي مصدر لمياه الشرب غير المياه الجوفية التي أكلها الملح وتشارف على النضوب بعد أعوام.

فلماذا لا يفكر المخططون ويضع من يشرف على مشاريع البنية التحية في باله أمراً كهذا، كيف نستفيد من كل قطرة مطر تأتي إلينا، وكيف نحولها كنزاً لمستقبلنا غير واضح المعالم.

المشكلة ليست هنا فقط ولكن المشكلة أن ما يجب أن يكون خزيناً للمستقبل تحول الى نقمة في الحاضر، ليزيد المأساة ويرفع من منسوب أثرها المادي والمعنوي.

ما نفع مشاريع الاعمار التي تتخذ من الحدود مع العدو مكاناً لها وتصبح بذلك عرضة للتدمير في أي لحظة اجتياح وما نفع مشاريع الإعمار التي تحول الأراضي الزراعية الى مجمعات سكنية، نريد إعادة تفكير في كيفية تنفيذ مشاريع البنية التحية والاعمار وإعادة الاعمار، ونريد أن نكون مستعدين لمثل هكذا أمور ليكون تحركنا للوقاية وليس للعلاج، خبراء الأرصاد والمهندسين يعلمون جيداً أن كل 5 الى عشرة سنوات تأتي موجات من البرد وكميات من الأمطار بمناسيب كبيرة يعرفونها ويقدرونها، يجب أن تصمم بنيتنا التحتية بناءًا على الحد الأقصى من هذه المناسيب والتوقعات، لا أن تصمم على أقل من المعايير الدنيا. ويجب أن تكون هناك ضمانات على المقاولين الذي ينفذون هذه المشاريع تمتد لعشرات السنوات، ولا تتوقف بمجرد انهائهم من عملهم، كان أننا نريد أن نرى بنية تحية حقيقية تشمل تمديدات المياه والصرف الصحي وتصريف الأمطار والكهرباء والهواتف، لا نريد إسفلتاً على رمال.

هذا في مجال التخطيط، أما على صعيد الاستعداد لمثل هكذا أمور فحدث ولا حرج، فلم نسمع إلا عن قرار تأجيل الدراسة في المدراس والذي تم اتخاذه في ساعات متأخرة، لم نرَ ولم نسمع عن أحد من وزارة الصحة يخرج علنينا ببيان يرشد المواطنين لكيفية التعامل في هذا الأجواء، ولن نسمع من وزارة الطاقة أو الأشغال ولا البلديات توضيحات بخصوص إجراءات التعامل ولا عن المناطق التي ستكون معرضة لغمرها بالمياه والشوارع التي يتوقع أن تغلق حتى أن أرقام الاتصال بالطوارئ وزعت أثناء الازمة.

الاستجابة كذلك كانت ضعيفة، فعدة إتصالات هاتفية أجريتها مع المؤسسات الخيرية والجهات المناحة لم تضع بين يدي شيء واضح عن طبيعة التدخل وحجمه وكيفيته، وجولة صغيرة على أماكن الإيواء أظهرت عشوائية في الإستجابة وضعف في التنسيق بين الجهات التي تقدم المساعدة.

يبدو أن الجميع لم يكون جاهزاً لمثل هكذا حدث جلل، وهذا ليس له علاقة بالنوايا فالنوايا دائماً طيبة ولكن الأفعال وردود الأفعال لم تكون لا على مستوى جودة النوايا ولا على مستوى حجم الكارثة.

الأمل في الله دائما موجود، ولكن السيء أنه لو استمرت الأحوال كما هي عليه، وباغتتنا موجة جديدة البرد والأمطار بهذه الصورة، أو حدث -لا قدر الله- كارثة طبيعية كزلزال أو مدٍ بحري وإذا استمرت الأحوال كما هي فإن الأمل بمستقبل مشرق وغدٍ أفضل لأطفانا سيكون قد انحصر.

تفسير المصطلحات:

• الانحسار: التراجع، تراجع الماء عن اليابسة وتقلصه، في الجغرافيا تعني تراجعٌ تدريجيّ للبحر الضَّحل ينتج إمّا عن بروز اليابسة، أو عن هبوط قعر البحر

• الانحصار: الانحباس، انحباس داخل حدود معينة، أي الانحباس في مكان معين

اخر الأخبار