الأزمة السورية.. وحدود الخيارات الأميركية

تابعنا على:   08:41 2013-12-15

أمد/ واشنطن - كتب دان مورفي: وسط تضاؤل فرص التسوية التفاوضية يقول بعض المنتقدين إن سياسات أوباما إزاء الأزمة السورية أضحت الآن عقيمة وبلا جدوى، كما كانت دائماً. وقد جرت محاولات فاشلة لإنعاش هذه السياسات لفترة طويلة، ولكن بعد طرد الجيش السوري الحر المدعوم من الولايات المتحدة من بعض مواقعه مؤخراً على أيدي مقاتلين إسلاميين، لابد الآن من التوقف عن هذه السياسات.
ويمكن أن تصرّ الولايات المتحدة على أن وقفها المؤقت لتقديم المساعدات غير القاتلة وقليل من الأسلحة للجيش السوري الحر عبر «المجلس العسكري الأعلى» هو كل ما تريده، ولكن الزخم الآن يتعلق بالمسلحين الإسلاميين، الذين يكنون عداء ومناهضة للمصالح الأميركية بقدر ما يعادون نظام الأسد.
وفي غضون ذلك، حقق جيش النظام السوري سلسلة من المكاسب حول دمشق وحلب، كما عزز تحالفه مع «حزب الله» اللبناني كلا الجانبين.
وثمة تناقض وغموض يكتنفان ما يحدث على وجه الدقة، فالمسؤولون الأميركيون - من خلف ستار عدم ذكر الأسماء - أخبروا المراسلين بأن الجبهة الإسلامية التي تكونت مؤخراً، والتي تمثل مجموعة من الوحدات الثورية المتشددة، كانت قد استولت على مواقع للجيش السوري الحر العلماني الموالي للغرب.
واستولت الجبهة الإسلامية أيضاً على مخزن ممتلئ بأجهزة الاتصالات والمؤن والأدوية الميدانية، التي قدمتها الولايات المتحدة إضافة إلى أسلحة. وهناك مزاعم أخرى بأن قائد الجيش السوري الحر الجنرال سليم إدريس قد أجبر على الرحيل إلى قطر، وهو ما يعتبر خروجاً غير ملائم لزعيم الثوار الذي عامله المسؤولون الأميركيون على أنه قائد للثورة السورية المسلحة.
وزعم سياسيون في المنفى تابعون للمجلس الوطني السوري، الذي تدعمه الولايات المتحدة، أن الجبهة الإسلامية ذهبت لإنقاذ الجيش السوري الحر، وسعت الإدارة الأميركية منذ العام الماضي إلى دعم هذا المجلس على أنه «الممثل الشرعي» للشعب السوري. وعلى رغم ذلك، أوضح المتحدث الرسمي باسم المجلس أن قاعدة الجيش السوري الحر تعرضت لهجوم من قبل «دولة العراق والشام الإسلامية»، وهي جماعة منافسة للجبهة الإسلامية، وعليه، دعا الجيش السوري الحر الجبهة الإسلامية للتدخل، والتي طردت بدورها جماعة «دولة العراق والشام». وربما أن هذا هو ما حدث، ولكن تنوع الروايات من قبل المسؤولين الأميركيين ثم من قبل المعارضة السورية التي تساندها الولايات المتحدة، غير مطمئن تماماً.
ولطالما تم التعامل مع المجلس الوطني السوري على أنه مظلة لأكثر القوى الثورية المقاتلة في سوريا، وعلى رغم ذلك فإنه من الناحية العملية لم يمثل سوى الجيش السوري الحر، ومجموعات قليلة، وبلا فعالية كبيرة. وفي هذا السياق كتب فريد هوف، الذي عمل في السابق كمبعوث خاص لوزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون بشأن سوريا، الأسبوع الماضي، أنه في غياب أنواع المساعدات من الأسلحة والأموال كالتي تقدمها دول داعمة إلى الجماعات الإسلامية، بدأت الوحدات الثورية تتخلى عن الجيش السوري الحر في جموع غفيرة. وقد ألقت الأحداث الأخيرة الضوء على مدى تهميش القوميين السوريين المحترمين في المعارضة، ويدل وقف الولايات المتحدة للمساعدات غير القاتلة إلى الجيش السوري الحر على هذا الواقع أيضاً.
والمؤكد الآن هو أن مقاتلين تابعين للجبهة الإسلامية المشكلة حديثاً -من جماعات إسلامية سورية لا تنتمي لتنظيم القاعدة- استولوا من الجيش السوري الحر على بعض المواد غير القاتلة المقدمة من الولايات المتحدة، وأصبح الآن مقاتلون تابعون للجبهة يتناولون الوجبات الجاهزة، ويستخدمون أجهزة الاتصال التي دفع ثمنها دافعو الضرائب الأميركيون.
وأصبح الجنرال سليم إدريس، الضابط القوي الذي أرادت الولايات المتحدة أن تقدم من خلاله جميع الأسلحة والمعدات للمعارضة السورية المسلحة، يشاهد القوات التي كان يأمل في قيادتها ترحل إلى التشكيلات الإسلامية، التي يقدم لها داعموها الأسلحة والذخائر والأموال بدلاً من المؤن والحقائب الطبية وأجهزة اللاسلكي والشاحنات.
وعليه، أصبح الآن المجلس العسكري الأعلى التابع للتحالف والوحدات اليائسة المرتبطة بالجيش السوري الحر خارج العمل تماماً.
وفي ضوء وقف المساعدات الأميركية للجيش السوري الحر، فإن توحيد ما تبقى من صفوفه سيكون صعباً جداً، وعلاوة على ذلك، فإن ضعفه يؤكد أن أية مساعدات أميركية ستنتهي في نهاية المطاف إلى أيدي المقاتلين الثوار المعادين للمصالح الأميركية.
ولاشك في أن ادعاء أن الجيش السوري الحر نسق مع الجبهة الإسلامية في مواجهة «دولة العراق والشام الإسلامية» لن يريح المسؤولين الأميركيين، ولاسيما أن وحدات من الجبهة شاركت في تصريحات طائفية وتعارض أية تسوية سياسية من شأنها أن تترك هيكل السلطة الحالية في سوريا، وهي الأمل الوحيد لإنهاء تفاوضي للحرب الدائرة في المرحلة الراهنة. والنهاية التفاوضية هي ما يصر وزير الخارجية الأميركي جون كيري والرئيس أوباما على أنها الطريق الوحيد للخروج من الحرب، ولكن تهميش أشخاص مثل إدريس يجعل أي أسس للمحادثات المهمة أكثر ضعفاً مما كانت عليه طول الوقت.
وعليه، لا تكاد تكون هناك أية خيارات واضحة لاستراتيجية أميركية حقيقية في سوريا، التي لا تزال تلقي بظلالها على أحوال عدم الاستقرار في لبنان والعراق وبدرجة ما في تركيا.
والتدخل العسكري المباشر أمر لا يستحق الدراسة، وربما لا يبقى أمام الولايات المتحدة سوى مساندة الإسلاميين الذين لا ينتمون لـ«القاعدة» بالتزامن مع جهود دبلوماسية كبيرة لإقناع داعميهم بإجبارهم على التسوية.
وتكاد لا تكون هناك خيارات أخرى جيدة، وربما كان على الولايات المتحدة أن تتدخل وتسلح الثوار المعتدلين، الذين يمكنهم مواجهة الجماعات الإسلامية المسلحة، ولكن الثوار الموالين للمصالح الأميركية لم يكونوا أبداً ظاهرين أو منظمين.
وبعد سبعة أشهر على فشل السياسات التي كانت تحتضر بوضوح، بات تبني نهج جديد أكثر ملاءمة للواقع على الأرض أكثر صعوبة، مع تراكم مزيد من الجثث واستمرار فرار اللاجئين.
كاتب ومحلل سياسي أميركي
ينشر بالاتحاد الاماراتية بترتيب مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»