النظام الدبلوماسي العربي.التفاعلات الاقليمية

21:59 2013-12-14

عبدالحكيم سليمان وادي

يعرف النظام الدبلوماسي العربي منذ نشأته تفاعلا قويا مع المحيط الدولي والجهوي والذي يحيط به ، فهو ككل نظام دولي فرعي غير معزول عن التأثيرات الدولية والجهوية التي تهب عليه سواء من طرف القمة الدولية أو من طرف الجوار الإقليمي ، ويتميز النظام الدبلوماسي العربي بأهميته الإستراتيجية
الفائقة التي تجعل منه مركز جدب لمختلف التفاعلات والقوى الدولية ، ويتخذ هذا التفاعل صورا عديدة تتدرج من محاولات الهيمنة الشاملة ، التي حاول الغرب فرضها على المنطقة مند انهيار الاستعمار المباشر ، عقب الحرب العالمية الثانية ، إلى وضعية التطابق أو التداخل مع أنظمة دولية أخرى ، يشكل النظام العربي جزءا مهما منها ، كما هو الشأن في منظمة المؤتمر الإسلامي ، أو منظمة الوحدة الإفريقية سابقا منظمة الاتحاد الإفريقي حاليا ، إلى مجرد الجوار الجغرافي المرتكز على ارث تاريخي من العلاقات غير المتكافئة والذي يعمل على إثارة الحوار بين أعداء الأمس كما هو الشأن في الحوار العربي الأوروبي.
ويتوفر النظام الدبلوماسي العربي على ديناميات داخلية عديدة تعمل على تحريك وتنشيط شبكات هذا التفاعل ، وتتجلى هذه الديناميات في وجود تنوع كبير في النسيج الديني و الجغرافي والحضاري الذي يتشكل منه النظام العربي ، فالتحالفات التي تنشأ في صلب هذا النظام غالبا ما تمتد تفاعلاتها خارج حدود النظام العربي ، كما تعمل بعض التحالفات الدولية على اختراق حدود النظام العربي.
ولا ريب في أن التفاعل الأهم في سلسلة التفاعلات الخارجية للنظام العربي هو تفاعل النظام العربي مع القوى الدولية الكبرى ، المهيمنة على النظام الدولي، من جهة وتفاعله مع أنظمة الجوار الإقليمي المحيطة به من جهة ثانية .

ولدراسة هذا الموضوع ملنا إلى إعتماد التصميم التالي:
المبحث الأول : تفاعلات النظام الدبلوماسي العربي القومية و القطرية.
المطلب الأول : سياسات التحالف الثنائي و تجربة الوحدة .
الفقرة الأولى :تجربة الوحدة المصرية – السورية .
الفقرة الثانية : تجمع وادي النيل .
الفقرة الثالثة : تجربة الإتحاد العربي الإفريقي .
المطلب الثاني : الدبلوماسية العربية في إطارها الجهوي والقومي.
الفقرة الأولى : جامعة الدول العربية .
الفقرة الثانية : إتحاد المغرب العربي .
الفقرة الثالثة : مجلس التعاون الخليجي.
المبحث الثاني : تفاعلات النظام الدبلوماسي العربي مع القوى الكبرى.
المطلب الأول : النظام الدبلوماسي العربي في مواجهة إسرائيل .
الفقرة الأولى : معاهدة كامب ديفيد المصرية الإسرائيلية .
الفقرة الثانية : معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية سنة 1994.
الفقرة الثالثة : إتفاقية أوسلو للسلام .
المطلب الثاني : النظام الدبلوماسي العربي في مواجهة القوى الكبرى .
الفقرة الأولى : الحوار العربي الأوروبي .
الفقرة الثانية : الإستراتيجية الأمريكية تجاه العالم العربي و مشروع الشرق الأوسط.
الفقرة الثالثة : الحرب العربية الباردة .
خاتمة :









المبحث الأول : تفاعلات النظام الدبلوماسي العربي القومية و القطرية.
تعريف النظام :
النظام هو مجموعة من العناصر المتفاعلة فيما بينها، لأجل تحقيق هدف محدد . أو هو ببساطة مجموعة من النظم المتفاعلة ، فالكون نظام، والذرة نظام ، ووزارة الخارجية نظام ، وإدارة الموارد البشرية نظام ... كذلك يمكن تعريف النظام بأنه مجموعة من النظم الفرعية ، ترتبط مع البيئة بواسطة علاقات لتحقيق هدف معين ، و النظم الفرعية هي المؤسسة للنظام ، أما البيئة هي التي تحيط به فتأثر وتتأثر ، من خلال العلاقات التي تتربط بهذا النظام ،وقد تعددت تعريفات النظام :
على أنه : مجموعة من العناصر أو المفردات التي تعمل على تحقيق هدف معين ، في علاقات تفاعلية تمكنها من تكوين كل متكامل من أجل تحقيق هدف معين .
قدم النظام الدبلوماسي العربي نموذجا نادرا تتصارع في ظله مجموعة من المصالح المشتركة و المتشابكة ، يمكن إيجازها في المصالح القطرية الضيقة من جهة ، وفي المصالح القومية من جهة أخرى ، وتكشف التفاعلات الداخلية للنظام الدبلوماسي العربي عن محورين أساسيين:
_سياسات التحالف الثنائي و تجربة الوحدة.(المطلب الأول )
_تجربة الوحدة في إطارها القومي والجهوي.(مطلب ثاني)
المطلب الأول : سياسات التحالف الثنائي و تجربة الوحدة .
بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها ، وبعد أن ذهبت تطورات المرحلة ببقايا الدولة العثمانية المهزومة ، دخلت الدول المنتصرة ( وبصورة خاصة بريطانيا و فرنسا ) مرحلة اقتسام التركة السياسية و الترابية في المشرق العربي تنفيذا للإتفاقيات السرية السابقة بينها ، وحين أسفر المشهد السياسي في المشرق و المغرب العربي عقب ذلك ، عن خريطة فسيفسائية من الدويلات القطرية، كانت الآمال التي علقها الجيل القومي الأول على وعود بريطانيا قد إنسحبت خجولة، لتفتح المجال أمام آمال جديدة أقل تواضعا من آمال الدول العربية الواحدة ، نعني بها آمال الاستقلال السياسي من قبضة الإستعمار ، هكذا إنتقل الوطن العربي إلى مرحلة المطالبة بإستقلال دوله ، وكان على حركاته الوطنية الصاعدة أن تتصدر المواجهة السياسية .
ولدراسة تجربة الوحدة الثنائية العربية ، يستلزمنا الوقوف عند المحطات التالية :
_تجربة الوحدة المصرية- السورية ( فقرة أولى )
_تجمع وادي النيل (فقرة ثانية )
_تجربة الإتحاد العربي الإفريقي( فقرة ثالثة )
الفقرة الأولى :تجربة الوحدة المصرية – السورية .
قبل الجمهورية العربية المتحدة لم تكن قضية الوحدة العربية تتجاوز نطاق النصوص (فكرية كانت أو حزبية ) ، ولم تكن قد أصبحت شأنا سياسيا ملموسا ، كانت مشروعا ولم تكن برنامجا ... فإن فكرة الوحدة العربية لم تكن لتستقر على صيغة واقعية ممكنة ، تماما كما لم يكن تابتا الجزم بأن قيامها هو في عداد الإمكان أصلا ، وإذا كان توظيف مسألة الوحدة العربية في الصراع العربي القطري أمرا إعتياديا قبل قيام الوحدة المصرية – السورية ، فإن هذه الأخيرة سحبت هذه الورقة من التوظيف الداخلي ، وقذفت بالتحدي في وجه جميع المتاجرين بالموضوع .
لهذه الأسباب والإعتبارات كانت الوحدة المصرية – السورية رغم عمرها القصير ، تجربة سياسية وحدوية رائدة و تقدمية في تاريخنا المعاصر ، ووحده الإستعمار وذراعه الصهيونية ، كان يدرك هذه الحقيقة جيدا ، و يحسب لهذا الواقع ألف حساب .
إن الإهتمام بالوحدة المصرية – السورية يتجاوز في الواقع ، الاهتمام بتجربة وحدة قطرين عربيين فشلت ، وصار لزاما علينا البحث في أسباب فشلها حيث صارت تنعت بدبلوماسية الهواة،
إنه أكثر من ذلك، إهتمام بتجربة تعد الإطار المرجعي للفكر القومي الوحدوي العربي ، وللتجارب الوحدوية المتحققة و المأمولة ، فهي ( التريمو متر )الذي يمكن بواسطته قياس درجة تطور النظام الدبلوماسي العربي ، وفكرة الوحدة و الوعي العربي القومي لفترة الخمسينيات و مطلع الستينات ، كما أنها هي المادة الوحيدة الأخصب لأي مراجعة نظرية أو سياسية لتطور دبلوماسية الوحدة العربية .
نعني في هذه الفقرة بالحديث عن سياق تكون الوحدة ، أو عن معطيات و محطات تطورها ، بل نتوخى تحديدا قراءتها كتجربة ، من خلال الإجابة عن السؤال التالي : لماذا أخفقت تجربة الوحدة المصرية – السورية؟
هذه الوحدة نشأت في إمتداد رغبة قيادية مصرية سورية متبادلة أفصح عنها كل من حزب البعث ( الذي إقترح مع الوحدة مصر ودعى إليها منذ 1957) وجمال عبد الناصر الذي تلقى هذه المبادرة وأسس الوحدة ، كما أنها عبرت عن رغبة جماهيرية عارمة فيها ، وذلك أن راكمت مصر و سوريا من مكتسبات الوطنية الشيء الكثير – تأميم قناة السويس –إفشال العدوان الثلاثي - الإرتباط بالمعسكر الإشتراكي – قبر حلف بغداد – المساهمة الفعالة في قيام كتلة عدم الانحياز ...فإنها أطلقت مكتسبات سياسية وطنية جديدة في المنطقة العربية وعلى رأسها تأمين نجاح الثورة العراقية 1958، و إفشال المخطط الإمبريالي الأمريكي حيال لبنان ، و الذي بدأت فصوله مع الإنزال العسكري سنة 1958، ثم تأمين الدعم السياسي و العسكري لجبهة التحرير الوطني وتسهيل نجاح الثورة الجزائرية ، هذا دون الحديث عن عشرات حالات الدعم المشابهة على إمتداد توزع حركات التحرر الوطني في العالم ، نكتفي بالإشارة إلى هذا للتدليل على هذه الوحدة إدا كانت قد خدمت الشعبين المصري و السوري ، فهي خدمت كل اشعوب العربية و الشعوب المكافحة من أجل إستقلالها الوطني.
الفقرة الثانية : تجمع وادي النيل .
شرق المغرب العربي الكبير ، وغرب المشرق العربي ، يتربع تجمع وادي النيل في مكان القلب من الموطن العربي ، فا بين جناحي المغرب والمشرق يمتد وادي النيل مخترقا الكتلة الصحراوية الشرقية من القارة الإفريقية ، في إتجاه عمودي من جنوب الشرقي للقارة ، وينتهي على الشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط .
وتحتل هذا الفضاء الجيو حضاري دولتا مصر و السودان ، اللتان أصبحتا تحملان تحت ضغط الظروف السياسية و الإقتصادية بإقامة وحدة وادي النيل .
وقد وحدت بين هاتين الدولتين ، على مر التاريخ عوامل ، كما فرقت بينهما عوامل أخرى لا تقل عددا عن الأولى .
مما لا ريب فيه أن مصر و السودان ينتميان إلى مجال جغرافي و حضاري واحد ، يوحده الشريان المائي الذي يهب المنطقة أسباب الحياة ، فمصير الدولتين مرتبط بنهر النيل إرتباطا مصيريا.
والواقع أن مصر و السودان بلدين عربيين متجاورين جغرافيا إلا أنهما يقدمان نمودج متطرفين لمشاكل الهوية القومية ، فبينما تقدم مصر المثل الأعلى لإندماج الهوية و تجانسها، يقدم السودان نمودجا فريدا لتعدد مصادر الهوية القومية فيه ،فإذا كانت مصادر سكان شماله من العرب التي كونت الهوية العربية الإسلامية ، فإن سكان الجنوب الذي إنفصل عنه حديثا (دولة جنوب السودان ) من أصل زنجي و أغلبهم ليسوا مسلمين.
وعندما أطاح الجيش المصري بالنظام الملكي في مصر يوم 23يوليوز 1952،كانت المهمة الأولى التي تشغل بال القادة الجدد هي المفاوضات مع بريطانيا قصد جلاء جيوشها عن مصر ، ووجد هؤلاء القادة أنفسهم محرجين ، إذ كيف يطالبون بإستقلال مصر و يمنعون ذلك عن السودان ، لذلك إتخد مجلس قيادة الثورة قرارا بالموافقة على حق الشعب السوداني في تقرير مصيره ، سواء بالاستقلال أو الإتحاد مع مصر.
أما عن حدود التعاون و التكامل المصري السوداني المنطلق في منتصف السبعينيات ، لم يعمر أكثر من عقد من الزمن ، لقد توفقت مشاريع برنامج التكامل مع إنهيار حكم النميري سنة 1985، ليدخل السودان دوامة من الصراعات الساسية على السلطة ، ليحد منها سوى تحالف جديد بين المؤسسة العسكرية و الجماعات الإسلامية ، لكن العلاقات بين مصر و السودان قادرة على العودة إلى سابق عهدها في ظل التحالف السلطوي مع حكم الإخوان في مصر ، بعدما كانت قطيعة بسبب التحالف الإيراني السوداني ، ودعمه للجماعات الإسلامية داخل مصر ،
الفقرة الثالثة :تجربة الإتحاد العربي الإفريقي.
بعد الاعتراف الليبي بالجمهورية الصحراوية بتاريخ 15 أبريل 1980، أعلن المغرب قطع علاقاته الدبلوماسية مع الدولة الليبية. وفي مقابل هذا، اتجهت مجهودات ألقذافي الدبلوماسية إلى الدعم المالي لعدد من الدول الإفريقية الضعيفة من أجل كسب مساندتها لجبهة البوليساريو. وخلال هذه الفترة دافع ألقذافي، دونما نتيجة، عن "ميثاق ضد الإمبريالية" يشمل كلاًّ من الجزائر وليبيا وموريتانيا وجبهة البوليساريو، من أجل عزل المغرب وتحقيق الوحدة العربية التي يسعى إليها. كما أن إغراءات خلق كيانات سياسية واسعة قوَّت رغبة ألقذافي في توحيد جميع القبائل الصحراوية من تشاد إلى موريتانيا تحت إمرته.
وفي شهر يونيو من عام 1981، شرعت ليبيا في تعزيز علاقاتها مع المغرب، وأبانت عن إرادة أكيدة في تليين موقفها من نزاع الصحراء الغربية. وقد جاءت هذه التحركات الليبية إثر الحملة الدعائية الواسعة التي شنها الملك الحسن الثاني في ماي 1981 من خلال إرسال مبعوثيه إلى تسعين دولة لشرح الوضعية في شمال إفريقيا على ضوء "التهديد الليبي. ويفسر جون داميس هذا التغير برغبة القذافي في التخفيف من العزلة المفروضة على ليبيا بسبب تدخلها في تشاد.
ولما أرادت ليبيا استئناف العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، رهن الملك الحسن الثاني هذا المبتغى بإنهاء الدعم الليبي للبوليساريو. فكان أن تبادل كل من معمر القذافي والحسن الثاني سريًّا مبعوثين على مستوى عالٍ، وأعلنا عن رغبتهما في إعادة العلاقات الدبلوماسية ما دامت مسألة الصحراء لم تكن مدرجة في جدول أعمال القمة، فكان التحفظ الليبي بخصوص الصحراء في قمة نيروبي وعدم إدانة المغرب للتدخل الليبي في تشاد من بين أهم النتائج الجلية لهذه القمة.
وفي الثالث عشر من غشت لسنة 1984، ظهرت إلى حيز الوجود اتفاقية وجدة التاريخية "لتعلن إلى الأمة العربية من محيطها إلى خليجها وإلى العالم كافة، عزم المملكة المغربية والجماهيرية الليبية على العمل يدًا بيد من أجل تطوّر البلدين الشقيقين في جميع الميادين، ولوضع اللبنة الأولى في صرح وحدة المغرب العربي، تلك التي ستكون جنين وحدة الأمة العربية كلها". وهي اتفاقية تتصف بالسرية والكتمان اللذين أحاطا تنظيم المسيرة الخضراء التي فاجأت الجميع، كما أن إعدادها لم يستغرق أكثر من أربعة أسابيع كاملة، حسب ما يتضح من الخطاب الملكي بمناسبة الإعلان عن الاتفاقية وعرضها للاستفتاء، حيث أكد الملك الحسن الثاني قائلاً: " كنا قد تكلمنا في هذا الموضوع يوم 13 يوليو 1984، وفي 13 غشت من نفس العام، كان في مقدورنا توقيع اتفاقية الوحدة في وجدة. ثلاثون يومًا فقط بين ظهور فكرة الوحدة وتحقيقها". وفي تبريره لإبرام هذه الاتفاقية، فسّر الملك الحسن الثاني ملابساتها قائلاً: "كان أبنائي يتعرضون آنذاك لقصف مدفعين؛ أحدهما جزائري والثاني ليبي، وكان من أوجب واجباتي إسكاتهما. فبتوقيع هذه المعاهدة، تمكنت من جعل ألقذافي محايدًا، وحصلت على التزامه لي بعدم الاستمرار في تقديم أدنى مساعدة لأعدائي وللبوليساريو. وعبّر الزعيم الليبي من جهته عن هذا الحدث بقوله: "إننا في مرحلة نريد فيها أن نجمع شمل الأمة العربية، في مرحلة تتحد فيها مملكة مع جماهيرية، لأن درجة التحدي المعادي ودرجة الخطر الداهم وصلت إلى الحد الذي جعل الوحدة ضرورية بين المملكة والجماهيرية، بين ملك وقائد ثورة.
ومما يجب التأكيد عليه، أن هذه الاتفاقية لم تأت من فراغ ولم يكن مرغوبًا فيها لذاتها، بل كان لكل من المملكة المغربية والجمهورية الليبية أسبابهما الخاصة لخوض هذه التجربة. فليبيا كانت تطمح إلى تأييد مغربي لإقليم "أوزو" المتنازع بشأنه مع تشاد، أو بالأحرى "الحيلولة دون إرسال الملك الحسن الثاني قواته إلى تشاد من أجل مساندة نظام هبري كما سبق له أن فعل مع الرئيس موبوتو في زائير، ومن جهة أخرى، فإنه خشي أن تُفرض عليه عزلة ما في العالم العربي من جراء التوافق الذي تم بين الولايات المتحدة ومصر والسودان، وأيضًا من طرف فرنسا التي أرسلت ثلاثة آلاف جندي إلى تشاد .
وبالنسبة للملك الحسن الثاني، فقد كان هدفه بالأساس هو كسر العزلة التي أحاطت به من جراء اتفاقية "الأخوة والوفاق" بين تونس والجزائر، والاعتراف الموريتاني بالجمهورية العربية الصحراوية عام 1984. وعليه فقد اعتقد الملك الحسن الثاني أن بتوقيع اتفاقية وجدة سوف لن يكسب حليفًا فقط، وإنما سوف يكسر هذه العزلة، وسيوقف الدعم الليبي لحركة البوليساريو.
وإضافة إلى هذا الاعتبار المحوري، فإن الجانب الاقتصادي والإعلامي كان حاضرًا أيضًا؛ إذ كانت الاتفاقية مناسبة للملك الحسن الثاني كي يجد فرصة للعمالة المغربية بليبيا بسبب أزمة البطالة التي اجتاحت المغرب خلال بداية الثمانينيات، وهو ما تمت دراسته باهتمام من طرف اللجنة المغربية-الليبية المشتركة التي انعقدت بالرباط مابين 25 و26 فبراير 1984. كما أن التصريحات المعادية للنظام السياسي المغربي التي كانت تُبث عبر أجهزة الراديو والتلفزة الليبية، كان لها حظها من المحادثات خاصة فيما يتعلق بمبادرات المغرب في الشرق الأوسط.
ورغم أن الملك الحسن الثاني والعقيد معمر القذافي قد أكَّدا في مناسبات عديدة على أن الاتحاد لا يدخل في إطار سياسة المحاور، وأنه خطوة لبناء المغرب العربي والوحدة العربية الشاملة، وأنه لا تعارض بين معاهدة "الأخوة والوفاق" التي تمت بين الجزائر وتونس بتاريخ 19 مارس/آذار 1983 وبين معاهدة وجدة، فإن المعاهدة لم تسلم من انتقادات دول الجوار والدول الصديقة والحليفة للمغرب خاصة الولايات المتحدة الأميركية؛ إذ كانت الجزائر أكثر الدول معارضة لقيام الاتحاد العربي-الإفريقي؛ حيث اعتبرت أن هذا الاتحاد هو تكريس لسياسة المحاور في منطقة المغرب العربي، وهو ما أوضحه الرئيس الشاذلي بن جديد في تصريح أكَّد فيه أن "الاتفاق المغربي الليبي هو محور يبعثر الجهود ولا يجمع الصفوف، ويبتعد عن تطلع بلداننا إلى وحدة أصلية.. نحن لا نؤمن بسياسة المحاور لأنها تتناقض مع المصالح الحقيقية لبلادنا.. ولكننا نؤمن بالتعاون والتكامل وبحسن الجوار الإيجابي كوسيلة فعالة توفر المناخ الملائم للسير في طريق تحقيق الوحدة.
وفي رده على مثل هذه الادعاءات، صرّح العاهل المغربي في خطاب العرش بتاريخ 3 مارس/آذار 1985، قائلاً: "ويسرنا اليوم أن نؤكد مرة أخرى أن الاتحاد العربي-الإفريقي الذي أرسينا أساسه ووضعنا إطاره لا يعادي أحدًا ولا يحارب أحدًا ولا يقوم على حساب أي قطر من الأقطار أو أية دولة من الدول، ولم يكن القصد من تأسيسه أن ينشئ محورًا لمناورة أو مناهضة جهة من الجهات، بل كانت الغاية المتوخاة منه أن يؤلف ويجمع لا أن يفرق ويشتت".
غير أنه -وبسبب الاحتجاجات الأميركية على سرية ومضمون الاتفاقية، والضغوط الممارَسة من طرفها للتحلل منها، وشنّها لعدوانها الشهير على كل من طرابلس وبنغازي في 15 أبريل/نيسان 1986، إلى جانب الزوبعة السياسية التي أثارتها زيارة الوزير الأول الإسرائيلي شيمون بيريز للمملكة المغربية بتاريخ 21 يونيو/حزيران 1986 في إطار ما يُعرف بلقاء إفران - توترت العلاقات المغربية-الليبية من جديد، وأُلغيت الاتفاقية تبعًا لذلك.

المطلب الثاني : الدبلوماسية العربية في إطارها الجهوي و القومي.
لقد إعترف ميثاق الأمم المتحدة بفكرة الإقليمية ، ونظرته إلى المنضمات التي تحمل هذه السمة بإعتبارها إحدى وسائل تحقيق السلم والأمن الدوليين ،ولذا أخدت فكرة الإقليمية و الجهوية في التبلور في كل شكل العديد من المنظمات الإقليمية منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية وقيام الأمم المتحدة عام 1945،مثال ذلك منظمة جامعة الدول العربية –إتحاد المغرب العربي –مجلس التعاون الخليجي...وغيرها ، الأمر الذي يعود إلى العديد من الأسباب و أبرزها :
1-أن الدولة لم تعد بشكل قادر بمفردها على الوفاء بإحتياجات شعبها خاصة فيما يتعلق بمجالات الأمن .
2-تعاظم درجة تكتلات و تجمعات معينة فرض على الدول الأخرى ضرورة مواجهتها بذات المستوى الجماعي ، فالتكتل يخلق التكتلات المضادة .
3-تعاظم درجة الإعتماد المتبادل الدولي ، لتعزيز القوة التفاوضية لمجموعة من الدول في مواجهة مجموعة أو مجموعات دولية أخرى.
الفقرة الأولى : جامعة الدول العربية .
مرت جامعة الدول العربية بالعديد من الظروف التي أحاطت بنشأتها ،الأمر الذي أثر في طبيعة تكونها و أهدافها ووسائل عملها وعلاقاتها ،وما دعى بالكثيرين إلى التساؤل عن جدوى إستمرارها بالآليات الحالية.
وبصرف النظر عن حدود النجاحات أو الفشل الذي منيت به الجامعة العربية كمؤسسة راعية للنظام الإقليمي العربي ، و الحقل الخصب للدبلوماسية العربية ، تمة حاجة ملحة لتطوير آليات عملها و إيجاد الفرص و الظروف الملائمة لذلك .
وتتمتع الجامعة (أي جامعة الدول العربية )بالشخصية القانونية الدولية والمستقلة و المنفصلة عن إرادة أعضائها ، رغم عدم تخويل الجامعة إختصاصات قوية ، كقاعدة الإجماع ، في صدور قراراتها ، وخلو الميثاق من أي نص حول هذه النقطة .
وتنص المادة الأولى من إتفاقية حصانات وإمتيازات جامعة الدول العربية على أن تتمتع بشخصية قانونية من حيث أهلية التملك و التعاقد و التقاضي ، وانطلاقا من هذه الإتفاقيو التي وافقت عليها الدول الأعضاء لم يعد تم مجل للمنازعات في الشخصية القانونية للجامعة ويمكن القول أن شخصية هذه الأخيرة على صعيد العلاقات الخارجية مع الدول الأجنبية والمنظمات الدولية التي تعترف بها .
تتمثل في تمتعها بالسلطات التالية :
1-إبرام المعاهدات الدولية .
2- التمثيل الدبلوماسي .
3- المسؤولية الدولية .
4-المزايا والحصانات .
كانت الدعوة إلى إقامة نوع من الوحدة أو الإتحاد بين الدول العربية أوثق من مجرد هيئة أو تنظيم للتعاون الإختياري بينهما .
هو أحد الإتجاهات الأساسية التي برزت أثناء المباحثات التمهيدية الثنائية ، و الأعمال التحضيرية ، التي تلتها و ساهمت في التحضير و الإعداد لإنشاء الجامعة العربية ، والتي من مبادئها :
- الإلتزام بمبادئ الأمم المتحدة .
-المساواة القانونية بين الدول الأعضاء .
-عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء .
-فض المنازعات العربية بالطرق السلمية
-المساعدة المتبادلة .
الفقرة الثانية :إتحاد المغرب العربي.
يضم ليبيا ، تونس، الجزائر ، المغرب ، موريتانيا . الذي تم إنشاءه في مدينة مراكش بالجنوب المغربي 17فبراير 1989،يجابه تحديات داخلية و خارجية يلخصها الشلل الكامل لمؤسساته و التأجيل المستمر لإجتماع مجلس الرئاسة ، الذي كان مفترضا أن يعقد بالجزائر سنة 1995،ويضم هذا الإتحاد المغربي حوالي 80 مليون نسمة ،ويشمل المنطقة من حدود ليبيا مع مصر الى نهر السنغال ، وتصل مساحته الى نحو 5.380.591 كيلومتر مربع ، وفي هذا الإتحاد دولتان مهمتان من حيث الموقع و عدد السكان هما ( المغرب والجزائر).

رئيس مركز راشيل كوري الفلسطيني لحقوق الإنسان ومتابعة العدالة الدولية

اخر الأخبار